الأمم المتحدة بعد زوال جائحة «كوفيد ـ 19»

رمزي عز الدين رمزي
رمزي عز الدين رمزي
TT

الأمم المتحدة بعد زوال جائحة «كوفيد ـ 19»

رمزي عز الدين رمزي
رمزي عز الدين رمزي

نقل عن ألبرت آينشتاين مقولة جاء فيها: «في قلب كل أزمة هناك فرصة عظيمة»، والمعنى الضمني للمقولة يشير إلى التوقعات بوجود فرصة سانحة للتقدم لما هو أفضل.
لم نشهد منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة أزمة بعينها مثل جائحة «كورونا» كان لها نفس قدر التأثير على البشرية جمعاء وعلى كل بلد من بلدانه، بصرف النظر عن حجم الدولة، أو قوتها العسكرية، أو قدرتها الاقتصادية. لقد أثرت تلك الجائحة ليس فقط على العلاقات بين الأفراد، وبين الأفراد والحكومات، وإنما كذلك على العلاقات بين الحكومات بعضها ببعض. كما كانت إحدى نتائج تلك الجائحة وأد الفكرة القائلة إنه يمكن حصر الأمن داخل النطاق العسكري فحسب. وفي الوقت ذاته تأكدت أهمية التضامن والتعاون الدوليين في مواجهة تلك الجائحة ومثلها من الأخطار عبر الوطنية التي تهدد البشرية. وربما الأهم بات هناك اقتناع بأننا نعاني أزمة في الحوكمة على الأصعدة الدولية، والإقليمية، والوطنية.
لذلك السؤال الذي يجب طرحه هو: أين مسألة إصلاح الأمم المتحدة من كل هذه التطورات؟ فالتحدي الذي يواجه إصلاح الأمم المتحدة يكمن في معضلة: ففي آن واحد، تعد المنظمة انعكاساً لتوازن القوى في النظام الدولي وفي الوقت نفسه إحدى أهم أدوات التغيير في النظام.
ظلت قضية إصلاح الأمم المتحدة مطلباً مستمراً على مر العقود الماضية، لا سيما منذ ستينات القرن الماضي، عندما شهدت عضوية المنظمة الدولية توسعاً كبيراً. وللأسف انحصرت نتائجها في مجرد زيادة عدد الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن دون تغيير أسلوب عمله. ومع ذلك يمكن اعتبارها حالة الإصلاح الجوهرية الوحيدة - وإن كانت غير مكتملة - التي شهدتها الأمم المتحدة حتى الآن. وهنا يجب التنويه بابتكار مفهوم «حفظ السلام» في خمسينات القرن الماضي، بعدما ثبت أن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أخفقوا في الاتفاق على إنشاء القوة العسكرية الخاصة بالأمم المتحدة. ويعد هذا المفهوم أهم الاستحداثات التي قامت بها المنظمة في مجال صيانة السلم والأمن الدوليين.
كانت الدول النامية دائماً في الطليعة في جهود الإصلاح بالأمم المتحدة، وذلك بسبب شعورها بالإحباط من جهة نتيجة عدم قدرة الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على السماح للمجلس بالاضطلاع بمسؤولياته بشكل كامل في صيانة السلم والأمن الدوليين، ومن جهة أخرى بسبب شعورها المتزايد من محدودية تأثيرها في صياغة النظام الاقتصادي الدولي.
في عام 1973، تولدت الحاجة الماسة إلى إصلاح النظام الاقتصادي الدولي الذي تضمن المطالبة بإعادة النظر في عملية صنع القرار لدى كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي عام 1974، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة خاصة لمراجعة الميثاق التي تركز عملها بصفة أساسية على التمثيل المنصف في مجلس الأمن، والحد من استخدام حق النقض (فيتو). ومرة أخرى في عام 1992، بدأ مجلس الأمن الانخراط بشكل مباشر في عملية الإصلاح.
وللأسف لم تسفر أي من تلك المبادرات عن الإصلاح الجوهري المنشود، أي التمثيل العادل في عملية صنع القرار في كل من مجلس الأمن، والبنك وصندوق النقد الدوليين. في ذلك الوقت، كانت الإصلاحات الوحيدة التي كان لها قدر من النجاح، كانت تلك التي تتعلق بالمسائل غير الجوهرية، التي لا أريد أن أقلل من أهميتها فقد كان لها تأثير إيجابي على تحديد أولويات الأمم المتحدة، وإلى درجة ما في أساليب عمل المنظمة، خصوصاً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
أما سبب تعثر الإصلاح الجوهري فيمكن إرجاعه إلى عاملين أساسيين: أولاً، رفض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وضع أي قيود على استخدام حق النقض المقتصر عليهم. وثانياً، المحاولات المستمرة للدول كبار ممولي منظومة الأمم المتحدة - سواء في الميزانية العادية أو المساهمات الاختيارية - في تعزيز نفوذها بتحديد أولويات الأنشطة الإنمائية والإنسانية للأمم المتحدة، وهو ما يتجلى في حالتي الدول التي تمر بنزاع والتي خرجت من نزاع.
إضافة إلى ذلك، هناك عوامل أخرى، بعضها ظهر مؤخراً، أضافت إلى تعقيد عملية الإصلاح، وهي:
الأول، أنه في حين أن كل الدول الأعضاء على الرغم من أنها تتفق ظاهرياً على الحاجة إلى الإصلاحات، فإنها في الواقع لها مقاصد مختلفة. في الوقت الذي تسعى فيه غالبية الدول ذات النفوذ القوي في المنظمة والتي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل المنظمة كانت تهدف فيه إلى ترشيد الإنفاق ورفع كفاءة أداء الأمم المتحدة، كانت تسعى كذلك إلى تعزيز نفوذها بما يستبعد تحقيق الإصلاح الجوهري المنشود، فإن غالبية الدول تسعى إلى تعظيم دورها في عملية اتخاذ القرار.
الثاني، موقف كل من روسيا والصين. ففي حين أن كلا البلدين متفق مع الأعضاء الثلاثة الدائمين الآخرين في مجلس الأمن الدولي فيما يتعلق بتفادي إصلاح المجلس، فإنهما يسعيان في الوقت نفسه إلى تعزيز نفوذهما في مفاصل أخرى بمنظومة الأمم المتحدة من خلال التحالف مع الدول النامية.
أما الثالث، فهو الوضع المفكك لغالبية أعضاء الأمم المتحدة من الدول النامية الأعضاء في مجموعتي عدم الانحياز والـ77، الأمر الذي يحد من تأثيرهم على جهود الإصلاح.
والرابع، النفوذ المتزايد للمنظمات غير الحكومية في صياغة جدول أعمال النشاط الأممي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
الخامس والأخير، الدور المتزايد للقطاع الخاص في تمويل أنشطة الأمم المتحدة. فلا شك أن العاملين المستجدين الأخيرين يلعبان دوراً متزايداً على الساحة الدولية، إلا أنهما في الوقت نفسه يتعارضان مع المبدأ الذي حدد عضوية الأمم المتحدة بحكومات الدول ومن ثم قصر عملية اتخاذ القرار عليهم، وهو التناقض الذي ينبغي التعامل معه لتعزيز فرص الإصلاح في الأمم المتحدة.
من الأهمية في هذا الصدد الإشارة إلى إشكالية الاعتماد المفرط للأنشطة التنموية والإنسانية على المساهمات الاختيارية. ففي حين أنه لا يخفى على أحد أن المساهمات الاختيارية هي إحدى أدوات تحقيق مصالح الدول المانحة، فإن ما يزيد من صعوبة التعامل مع هذه المسألة أن الأمر يتعلق بانعدام الثقة بين المانحين - التي تخضع حكوماتها إلى الرقابة البرلمانية الدقيقة - والدول المتلقية للمساعدات بسبب الفساد المنتشر لدى كثير من تلك البلدان. المحصلة النهائية لهذا الوضع أن أنشطة الأمم المتحدة أصبحت تعكس إلى حد كبير أولويات الدول المانحة وليس بالضرورة مصالح الدول النامية.
وحيث إن جائحة «كورونا» - حتى الآن - لم تؤدِ إلى إصلاحات هيكلية في النظام الدولي بل إلى مجرد تعزيز سرعة تيارات موجودة بالفعل في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، فإننا لم نرَ أي محاولة جادة لتنشيط جهود إصلاح جوهري في الأمم المتحدة. فلم يغتنم أحد سواء كانت دولة أو مجموعة دول أو حتى الأمين العام للأمم المتحدة الفرصة لإعطاء دفعة جديدة لعملية الإصلاح، فكل المبادرات التي طرحت مؤخراً تفادت التعامل مع العوائق التي تحول دون تحقيق الإصلاح الجوهري في المنظمة.
وعليه، من المتوقع أن تستمر الأمم المتحدة فى تطوير نفسها، ولكن بتفادي الإصلاحات الجوهرية التي تتطلب استحداث تغييرات هيكلية، لا سيما في مجالين رئيسيين: أولاً، في مجال الحوكمة التشاركية، أو بعبارة أخرى، التمثيل الأكثر إنصافاً في المؤسسات الرئيسية التي يرتكز عليها النظام الدولي: مجلس الأمن الدولي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وثانياً، تحصين - بالمقدار الممكن والقابل للتطبيق العملي - المساعدات التنموية والإنسانية من الأجندات السياسية للدول المانحة.
لذا سنشهد في المستقبل المنظور منافسة بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية، وبين الصين وروسيا من ناحية أخرى من أجل التأثير على تطور النظام الدولي، بما في ذلك على عملية الاصلاح في الأمم المتحدة، الأمر الذي سينطوي على محاولات مستمرة لاستقطاب بقية دول العالم إلى صفهما. وفي إطار هذه المنافسة ستظل منظمة الأمم المتحدة محفلاً لتنسيق المواقف بين الدول، لكنها ستبقى مخيبة للآمال عندما يتصل الأمر بوظائف الأمم المتحدة الأخرى التي تتطلب إصلاحات جوهرية، لا سيما في مجال صيانة السلم والأمن الدوليين.
وعندما يستقر النظام الدولي على توازن أكثر واقعية يعكس توزيع القوى الحقيقي، حينئذ فقط ستكون الأمم المتحدة قادرة على إجراء الإصلاحات الجوهرية الضرورية التي تسمح لها بالقيام بكامل مهامها بشكل أكثر فاعلية.
* دبلوماسي مصري سابق ومسؤول بارز لدى الأمم المتحدة
- خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.