أميركا أول دولة في العالم تجيز لقاحين

مصل «موديرنا» يحصل على الترخيص لتوفير 20 مليون جرعة

أميركا أول دولة في العالم تجيز لقاحين
TT

أميركا أول دولة في العالم تجيز لقاحين

أميركا أول دولة في العالم تجيز لقاحين

أصبحت الولايات المتحدة الأميركية الدولة الأولى في العالم التي تجيز لقاحين لفيروس كورونا، وهما من إنتاج شركات أدوية أميركية وألمانية، واللقاح الأول طورته شركتا «فايزر» الأميركية و«بيوتنيك» الألمانية، واللقاح الثاني الذي حصل على الضوء الأخضر من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، أمس، هو لقاح شركة «موديرنا».
وصوتت اللجنة الاستشارية التابعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية بالموافقة على استخدام اللقاح بأغلبية الأصوات، وهي 20 صوتاً مقابل امتناع شخص واحد عن التصويت، مما يسمح بمداولة نحو 20 مليون جرعة أخرى من لقاح «موديرنا»، مسموحة فقط لمن أعمارهم 18 عاماً وأكبر، ضمن خطة الطوارئ التي تعمل عليها الحكومة الأميركية، ومع اللقاحين اللذين يتم إعطاؤهما على جرعتين، يتوقع المسؤولون الفيدراليون أن يكون لديهم ما يكفي هذا الشهر لتحصين حوالي 20 مليون شخص، معظمهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية والمقيمين في دور رعاية المسنين وغيرها من مرافق الرعاية طويلة الأجل.
ويعد ارتفاع أعداد الإصابات هو أحد أهم العوامل التي دفعت اللجنة الاستشارية إلى التصويت بالموافقة على لقاح «موديرنا»، إذ سجلت حالات الإصابات اليومية ارتفاعاً غير مسبوق بلغ يوم الأربعاء الماضي 247 ألف إصابة في كافة البلاد، ليرتفع عدد الإصابات الإجمالي منذ بداية تفشي الفيروس إلى 17 مليون إصابة، وحالات الوفاة إلى 310 آلاف وفاة حتى الآن.
وقال الدكتور ستيفن بيرغام عضو اللجنة الاستشارية، اختصاصي الأمراض المعدية في تحالف رعاية مرضى السرطان في سياتل، لوسائل الإعلام، أمس، «نحن نتحدث عن جائحة تحتاج حقاً منا إلى المضي قدماً في معالجة الأمر، وهناك جهد حقيقي لإنجاز ذلك بسرعة، وليس هناك شك أن الفوائد تفوق المخاطر».
جاء الامتناع الوحيد عن التصويت للسماح بلقاح «موديرنا» بالمداولة من الدكتور مايكل كوريلا مدير الابتكار الإكلينيكي في المعاهد الوطنية للصحة، الذي أكد في بيان له بعد التصويت، أن قراره مبني على عدم وجود بيانات طويلة المدى عن اللقاح، مشيراً إلى أن تحليل المخاطر والفوائد للقاحات المرشحة مع بيانات السلامة والفعالية كانت لمدة شهرين فقط، وهو أمر غير معتاد في تطوير اللقاح التقليدي.
وأضاف: «على هذا النحو، شعرت بعدم الارتياح من تقييم ملف تعريف مخاطر وفوائد اللقاح دون تضمين أيضاً النظر في مخاطر مرض (كوفيد - 19) على الأفراد». ومن المتوقع أن تبدأ «موديرنا» بتوزيع اللقاح اليوم السبت بعد الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA))، إذ يقول المسؤولون الفيدراليون إنهم يتوقعون توزيع ما يقرب من ستة ملايين جرعة من لقاح «موديرنا» على أكثر من 3200 موقع في جميع أنحاء الولايات المتحدة في الدفعة الأولية، مع احتمال أن يبدأ التوزيع في غضون 24 ساعة من إجراء إدارة الغذاء والدواء. وستبدأ الجرعات في الوصول إلى المستشفيات ومواقع التطعيم الأخرى في غضون أيام، وسيتبع ذلك المزيد من الشحنات، وتتوقع شركة «موديرنا» تسليم إجمالي 20 مليون جرعة بحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول) الشهر الحالي، بيد أن وكالة «بلومبرغ» نشرت خبراً، أمس، عن إتلاف شركة «موديرنا» نحو 400 ألف من لقاحاتها بسبب خطأ في عملية الإنتاج، وذلك لعدم صلاحيتها.
وقال منصف السلاوي كبير المستشارين العلميين لعملية التشافي السريع، الذي أعلن الخبر، إن الجرعات التي تم التخلص منها قبل وضعها في قواريرها الزجاجية الصغيرة، هي جزء من 1.4 مليون جرعة، مبيناً أن الـ400 ألف جرعة ليست سوى قطرة في بحر الملايين الـ500 إلى 1 مليار جرعة تعتزم «موديرنا» إنتاجها خلال العام المقبل.
من جهته، طمأن ري جوردن المتحدث باسم شركة «موديرنا»، الأميركيين، قائلاً إن الشركة تسير على الطريق الصحيح لتحقيق برنامجها لإنتاج 20 مليون جرعة في الولايات المتحدة الأميركية خلال الشهر الحالي، وما بين 85 مليون جرعة إلى 100 مليون جرعة أثناء الربع الأول من عام 2021.
وحصل مايك بنس نائب الرئيس الأميركي على لقاح شركة «فايزر»، أمس، في حدث متلفز أمام عدسات الكاميرات، ليصبح أول شخص من كبار أعضاء إدارة ترمب المعروفين بتلقي اللقاح، وانضمت إليه زوجته كارين بنس السيدة الثانية، والدكتور جيروم آدامز، في حفل أقيم في مبنى المكتب التنفيذي (مبنى أيزنهاور)، وخلفهما علامتان كتب عليهما «آمن وفعال».
وقال بنس، «لم أشعر بأي شيء عند تلقي اللقاح»، كما أنه يأمل أن يساعد تطعيمه في بناء ثقة الجمهور بأن اللقاح آمن وفعال، ومن غير المعروف ما إذا كان الرئيس ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب، اللذان أصيبا بـ«كوفيد - 19» هذا الخريف، سيحصلان على اللقاح في الأسابيع المقبلة، إذ أكدت كايلي ماكناني متحدثة البيت الأبيض، أن الرئيس منفتح على أخذ اللقاح، لكنه «يريد أن يظهر للأميركيين أن أولويتنا هي الأكثر ضعفاً». وكان كريس ميللر القائم بأعمال وزير الدفاع من بين أوائل الأميركيين الذين تلقوا لقاحاً لفيروس كورونا، قائلاً إنه يريد أن يكون قدوة لمن يرتدون الزي العسكري، وتلقى السيد ميللر، الذي شغل منصب وزير الدفاع منذ الشهر الماضي، لقاحه يوم الاثنين في مركز «والتر ريد» الطبي العسكري الوطني، إلى جانب المتخصصين في الصحة العسكرية الذين عالجوا مرضى «كوفيد - 19».
ويواجه مسؤولو الصحة حالة من انعدام الثقة، خصوصاً في مجتمع الأقليات، من تلقي اللقاح، وأرجعت بعض الآراء أن السبب لا يخلو من سبب وجيه في انعدام الثقة، وحدث ذلك مع تجربة «توسكيجي» لمرض الزهري التي أجرتها الحكومة الأميركية على الرجال الأميركيين من أصل أفريقي، التي استمرت حتى عام 1972، لكنها شددت على الإجراءات والضمانات التي تم وضعها «لتصحيح هذه الأخطاء ومعالجتها». بدأت أول لقاحات ضد «كوفيد - 19» في الولايات المتحدة يوم الاثنين، في حملة تلقيح جماعية أكثر إلحاحاً منذ الخمسينيات الميلادية، وبحلول يوم الأحد غداً من المتوقع أن تنتهي الحكومة الأميركية من توزيع 2.9 مليون جرعة أولية أذنت بها إدارة الغذاء والدواء الأميركية، الأسبوع الماضي، باستخدام اللقاح من شركة «فايزر».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended