سبر أغوار التفاعلات بين البروتينات والحمض النووي بدقة أكبر

البروتين المرتبط بمعقّدات الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية يمكن أن يكون له تأثير معاكس
البروتين المرتبط بمعقّدات الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية يمكن أن يكون له تأثير معاكس
TT

سبر أغوار التفاعلات بين البروتينات والحمض النووي بدقة أكبر

البروتين المرتبط بمعقّدات الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية يمكن أن يكون له تأثير معاكس
البروتين المرتبط بمعقّدات الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية يمكن أن يكون له تأثير معاكس

في عام 1869 لاحظ عالم الكيمياء الحيوية الألماني فريدريك ميسشر الحمض النووي لأول مرة، لكنه لم يفهم وظيفة الجزيء، وفي عام 1953، وصف جيمس واتسون، وفرنسيس كريك، وموريس ويلكنز، وروزاليند فرنكلين، هيكل الحمض النووي، واقترحوا كيف يمكن أن يرمز الجزيء إلى الوراثة. والحمض النووي «دي إن إيه (DNA)» عنصر أساسي في تركيبة الكائن الحي؛ إذ يحتوي على المعلومات الجينية كافة الخاصة بالجنس البشري.

رصد التفاعلات البيولوجية
وفي مجال مضاعفة الحمض النووي وإصلاحه ونسخه، تُشكّل عملية الرصد الدقيق للتفاعلات بين الحمض النووي والبروتينات، أساساً مهماً لفك رموز تلك العمليات البيولوجية المعقَّدة. وتكرار الحمض النووي يشير إلى إنتاج نسختين متماثلتين بالضبط من الحمض النووي من جزيء الحمض النووي الأصلي. أما النسخ فهو خطوة حيوية للعملية الرئيسية للتعبير الجيني أو تخليق البروتين بمساعدة من إنزيم. من جانب آخر، يتعرّض الحمض النووي يومياً إلى عدد من العوامل التي تسبب له التلف كالموجات الكهرومغناطيسيّة، والأشعة فوق البنفسجية، والملوّثات والمواد المسرطنة. ويحدث هذا خصوصاً أثناء الانقسام الخلوي عند نسخ الحمض النووي، وهو ما يقوم به جسم الإنسان ملايين المرّات يوميّاً، لضمان تجدّد النّسيج الخلويّ، والتّخلّص من الخلايا التّالفة والمريضة.
وقد اكتسبت تقنية تصوير الجزيئات المفردة - التي يُطلَق عليها اسم «تعزيز التألّق المستحثّ بالبروتين (PIFE)» - زخماً في السنوات الأخيرة بوصفها أداة شائعة لرصد تفاعلات الحمض النووي والبروتينات بدقة نانومترية، إذ تُصنّف أداةً قوية لدراسة التفاعلات الجزيئية الديناميكية، خصوصاً في أغشية بلازما الخلية الحية.
غير أن دراسة جديدة أجرتها «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)»، كشفت عن أن استخدام مختبرات الأبحاث هذه التقنية لم يُحقق أقصى استفادة من إمكاناتها.
ويعتمد اختبار «تعزيز التألّق المستحثّ بالبروتين (PIFE)» في عمله على فكرة أن الحمض النووي الموسوم بصبغة متألقة سوف يتوهّج بسطوع أكبر، عندما تكون البروتينات مقيّدة بروابط في منطقة قريبة مجاورة. وفي حالات كثيرة، يكون هذا النهج صحيحاً؛ وهو ما دفع بكثير من العلماء إلى اعتماد تلك التقنية بدلاً من تقنيات أخرى بديلة، تتطلب جهداً بشرياً أكبر، وتعتمد على الوسم المزدوج للبروتينات والحمض النووي.
لكن طلاب الدراسات العليا في «كاوست»، فهد راشد، ومنال زاهر، وفلاد ستيفان رادوكانو، وتحت إشراف الدكتور سمير حمدان، أستاذ العلوم البيولوجية المشارك، أدركوا أن البروتين المرتبط بمعقدات الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية يمكن أن يكون له تأثير معاكس، ويقود إلى نتائج مغايرة في بعض الأحيان؛ فبدلاً من تعزيز إشارة التألق، قد تؤدّي تفاعلات البروتين أحياناً إلى إضعاف التوهج، وفقاً لخصائص معينة للنظام.

فضول علمي
وينسب حمدان الفضل في التوصل لهذه الملاحظة، وتفصيل كيفية حدوثها، إلى الفضول العلمي الذي يتمتع به طلابه؛ فقد تحول عمل سابق لفهد الراشد منبعاً لإلهام الفريق للتوصّل إلى الظاهرة التي يسمّونها «إخماد التألق المستحثّ بالبروتين (PIFQ)». وعن دور تلك الظاهرة في تحقيق أقصى استفادة من تقنية «تعزيز التألق المستحثّ بالبروتين»، يقول فهد راشد: «لقد شرعنا في تحديد الظروف التي تؤدّي إلى تعزيز التألق أو إخماده على نحو أفضل».
وبواسطة مزيج من التحليلات التجريبية والحوسبية، أثبت الفريق أن حالة التألق الأوّلي لمُعقد الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية، تحدد ما إذا كان تعزيز التألق المستحثّ بالبروتين أم إخماد التألق المستحثّ بالبروتين هو ما سينتج بعد الارتباط بالبروتين.
ودون هذه النتائج التي توصّل إليها فريق البحث، يصبح احتمال حدوث أي من هذين التأثيرين معادلاً لاحتمال رمي عملة معدنية، وهو ما قد يقوّض التفسير الآلي لنتائج المختبر.
ويشرح رادوكانو أهمية الاكتشاف قائلاً: «عند اكتساب رؤية جديدة بخصوص هذه الحالة الأولية من التألق والعمل البنيوي، يصبح من الممكن توقّع حدوث أي من التأثيرين تجريبياً».
ويمكن لعوامل مثل تسلسل الحمض النووي وموضع الصبغة أن تقلب الموازين لصالح تعزيز التألق المستحثّ بالبروتين، أو إخماد التألّق المستحثّ بالبروتين؛ فقد صار الفريق بارعاً للغاية في تفسير الشفرة الجزيئية بحيث يمكنه التنبؤ بدقة بالاحتمال الذي سيتحقّق بمجرد قياس كيفية تأثير هذه العوامل في حالة التألق الأوّلي لمنظومة الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية.
وجدير بالذكر؛ أن مجموعة مختبر الدكتور سمير حمدان تعمل على حل موضعي يتمثل في تطوير قاعدة من المواد المستخدمة في الطب الحيوي والتطبيقات المخبرية السريرية. وعلى مدى سنوات عدة، نجحت في إنشاء عملية إنتاج معتمدة لبوليميرازات الحمض النووي في مختبرها، وبدأت العمل على إنتاج إنزيمات النسخ العكسي. وتهدف أعمال هذه المجموعة إلى تلبية احتياجات المملكة العربية السعودية لهذه الإنزيمات. كما ستستخدم المجموعة مواردها وخبراتها في مضاعفة الحمض النووي وإصلاحه، وفي الكشف الفلوري عن طريق ربط البروتين بالأحماض النووية، لتطوير فحوصات سريعة تستند إلى الكشف عن فيروسات الأمراض.

تطبيقات محتملة
وعن التطبيقات المحتملة لتلك الأداة، يوضح رادوكانو: «باكتشاف تقنية إخماد التألق المستحثّ بالبروتين، نقدم للباحثين في هذا المجال إمكانية دراسة كثير من التساؤلات البيولوجية التي لم يكن من الممكن استخدام تقنية تعزيز التألق المستحثّ بالبروتين في دراستها».
قد يختار العلماء أيضاً الجمع بين تقنيتي تعزيز التألق المستحثّ بالبروتين وإخماد التألق المستحثّ بالبروتين لفك شفرة العمليات متعددة الخطوات والبروتينات، باستخدام مركّب واحد من الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية.
يتوقّع رادوكانو أن هذه الرؤى الجديدة سوف توسّع بقدر هائل من مجال استخدام تلك الأداة الفعالة لتصوير الجزيئات المفردة، والآمال التجريبية المنعقدة عليها.
وتُضيف منال زاهر بُعداً جديداً لأهمية النتائج، قائلة: «لقد حوَّلنا كل عملية قياس إلى لعبة، ويسعدنا أن نقول إن فرضيتنا تنبأت بالنتيجة بنسبة تتجاوز 90 في المائة!».
وتوضّح زاهر: «عندما أخذنا في الحسبان الطبيعة المعتمدة على السياق لتغيّر التألق في منظومة الحمض النووي الموسوم بصبغة فلورية، فتحنا الباب أمام كثير من الاحتمالات في التصميم التجريبي يمكن تعديلها وفقاً لاحتياجات الباحثين».
ويختتم فهد راشد حديثه قائلاً: «نتوقّع الآن أن يصبح تفسير البيانات، خصوصاً الأحداث الجزيئية المستندة إلى بيانات الجزيء المفرد، أسهل وأكثر دقة».



الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».