علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية

كتاب جديد يكشف أقنعته مستشهداً بـ«فرويد» و«نجيب محفوظ»

علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية
TT

علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية

علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية

تتداخل العلاقة بين علم النفس والأدب، وتصل إلى حافة الصراع والتنافس حول تفسير السلوك الإنساني، واكتشاف أسرار النفس البشرية، وتأخذ طابعاً جدلياً حول من أسبق من الثاني في نبش جذور ودوافع هذه الأسرار، خاصة أن أعمالاً أدبية شهيرة شكلت عتبة مهمة أمام الطبيب النفسي لمعرفة حقيقة المرض، والوقوف على مظاهره وأبعاده.
في كتابه «علم النفس والأدب... أسئلة حائرة وإجابات مراوغة»، للباحث د. محمد حسن غانم، الصادر حديثاً في «هيئة الكتاب» بالقاهرة، يسعى لتفكيك تلك العلاقة الجدلية، وفض الاشتباك بين كلا المجالين الكبيرين.
في البداية، يؤكد الباحث أن الأدب يسبق علم النفس في محاولة سبر أغوار الحقيقة الإنسانية، فمن خلال قراءة عالم النفس الشهير مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939) للأدب، توصل إلى كثير من الاكتشافات المهمة، ومنها اكتشافه «عقدة أوديب»، عاداً أن الروائع الأدبية التي عرفتها الإنسانية ثلاث: «الملك أوديب» للروائي اليوناني القديم سوفوكليس، و«هاملت» للكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير، و«الإخوة كارامازوف» للروائي الروسي ديستويفسكي، إضافة إلى كثير من العقد النفسية الأخرى التي اكتشفها فرويد من خلال قراءته المتعمقة في الآداب والأساطير، مثل «عقدة إلكترا» و«عقدة نرجس» وغيرهما، ما جعل فرويد يقول: «إن النفس الإنسانية أشبه ما تكون بجبال الثلج الغارقة في محيط متلاطم لا يظهر من جبل الثلج إلا الثلث، والباقي متوارٍ خلف تراكمات المحيط وتموجاته».
الأديب يعرف كثيراً عن حقيقة النفس الإنسانية، وربما أكثر من علم النفس، حتى أن فرويد وجد خطاً مشتركاً بين الأديب والشخص الذي أصيب بالاضطراب العقلي والجنون، فكلاهما ينفصل عن الواقع، ويحلق في آفاق الخيال والأحلام والرؤى، بيد أن الفارق الأساسي بين الأديب والمريض العقلي هو أن الأديب ينجح مرة أخرى في العودة إلى الواقع، واكتشافه بصورة أفضل، في حين أن المجنون أو المريض العقلي يفشل في ذلك، وقد يظل أسيراً للهذيانات والهلاوس والتعايش في مستويات خيالية لا تمت للواقع بصلة.
- طفل يلهو
ويوضح المؤلف أنه إذا كان علم النفس منذ نشأته الأولى يسعى إلى معرفة النفس الإنسانية على نحو يتسم بالعمق والنفاذ وسبر أغوار الحياة النفسية للإنسان، وصولاً إلى القوانين التي تحكمها، فإن الأدب يسعى إلى الهدف نفسه. ومن هنا ظهر ما يسمى «علم نفس الأدب»، وهو فرع من فروع علم النفس يهتم بدراسة إنتاج أي مادة من المواد التي اصطلح على إدراجها في مجال الأدب، من قبيل القصة القصيرة والقصيدة والرواية والمسرحية والشعر المسرحي، وتحليل العناصر المشتركة بينهما. ويدلل الباحث على أسبقية الأدب لعلم النفس في كشف مجاهل النفس الإنسانية باستعانة فرويد بالأديب نفسه، حيث جعله خير عون له للوصول إلى نظريته الخاصة بعالم اللاوعي، والتماس الأدلة على وجوده والدفاع عنه. وقد استعان على ذلك بكثير من الأعمال والروايات لشكسبير وجوته وغيرهما. ولم يقتصر فرويد على اتخاذ الأعمال الأدبية وسيلة لشرح محتويات علم النفس، وتنظيم عناصرها، وإنما اتخذها كذلك مادة يستعين بها لاستخلاص النتائج العلاجية التي توخاها بصفته طبيباً نفسياً. ويذكر فرويد أنه في عالم اللاوعي تختزن التجارب البعيدة التي يراد لها أن تُنسى إلا أنه لا يمكن التعبير عنها لأن المجتمع لا يقبل ذلك لأن هذه التجارب تسعى إلى الخروج في أشكال ورموز مختلفة، ولذا فإن الأديب عند فرويد يشبه الطفل في أنه يخلق لنفسه عالماً من الوهم، ويعامله بغاية الجدية والاهتمام، ويودعه كل ما لديه من عاطفة، ويفصله عن العالم الواقعي المحسوس، وكذلك يفعل الطفل في لعبه.
- مصطلحات شهيرة
ويشير الباحث إلى أن فرويد نفسه أكد استفادته من الأعمال الأدبية والأساطير في صياغة مصطلحات التحليل النفسي الشهيرة، مثل «الأودبية» نسبة إلى أوديب، و«النرجسية» نسبة إلى أسطورة نرجس، و«السادية» إلى الماركيز دو ساد، وما إلى ذلك. وذهب إلى وجود ما يثبت أن الأدب قد تجاوز الطب النفسي التقليدي، وأن الروائي دائماً ما يسبق رجل العلم في اقتحامه عالم النفس، بكل ما فيه من حيل وعقد وصراعات وإحباطات. وفي هذه الحالة، يصبح المبدع أو الأديب -وفق مدرسة التحليل النفسي- شخصاً ذا استعداد للانطواء والعزلة، وليس بينه وبين مرض «العصاب» مسافة بعيدة. وهو شخص تحفزه نزعات عنيفة صاخبة، فهو يصبو إلى الظفر بالقوة والتكريم والثراء والشهرة ومحبة النساء، لكن تعوزه تلك الوسائل التي توصله لتحقيق تلك الغايات، لذا فهو يعزف عن الواقع، شأنه في ذلك شأن كل فرد لم تشبع رغباته، وينصرف بكل اهتمامه وبكل طاقاته «الليبدية» أيضاً إلى الرغبات التي تخلفها حياته الخيالية، مما قد يسلم به بسهولة إلى المرض النفسي.
وأيضاً وفق تلك المدرسة -حسبما يؤكد المؤلف- يصبح المنتج الفني أو الأدبي مظهراً من مظاهر السلوك، ولذا فلا بد من ربط هذا المنتج بشخصية صاحبه، على أساس أنه يعبر بطريقة رمزية عن هذه الشخصية، خاصة دوافع بعض السلوك الشعورية وغير الشعورية.
ومن ثم، يؤكد المؤلف أن العلاقة القائمة بين الأديب وعمله هي علاقة مزدوجة ذات اتجاهين، إذ يمكن من خلال تحليل العمل وتفسيره إلقاء الضوء على بعض اتجاهات الأديب ودوافعه، وما قد يعانيه من صراعات نفسية، كما أن معرفة الملابسات الحياتية التي عاش في ظلها، خاصة الخبرات التي مر بها منذ طفولته، تساعد على تحليل وفهم النص الأدبي الذي ينتجه. وعلى سبيل المثال، يساعدنا فهم الخبرات الحياتية التي مر بها المؤلف في معرفة الأسباب التي دفعت الأديب، ولماذا طرق بعض الموضوعات دون غيرها، وصياغة أسلوبه بشكل خاص على هذا النحو، لذلك غالباً ما نكتشف أن الأديب أو الشخص المبدع يعاني كثيراً من الصراعات، وأن النص أو المنتج الأدبي إنما هو حل لهذا الصراع النفسي القائم بين الرغبة ومعوقات الإشباع، أو بين مبدأي اللذة والواقع، حيث يلجأ الكاتب لاشعورياً ربما إلى كبت رغباته من أجل التصالح مع الحضارة.
- اللص والكلاب
ويتخذ المؤلف من رواية «اللص والكلاب» الشهيرة لنجيب محفوظ عينة أدبية يخضعها للتحليل النفسي، حيث تبدأ بخروج بطلها «سعيد مهران» من السجن بعد أن قضى أربعة أعوام نتيجة خيانة زوجته وصديقه. فيفكر في الانتقام، ولكن الرصاصات تخرج طائشة، ويقتل رجلاً لا يعرفه، كما يقتل خادم «رءوف علوان» الكاتب الصحافي الشهير مثله الأعلى ومرشده، بدلاً من قتله رءوف نفسه. وهنا يصبح «مهران» حديث وسائل الإعلام كافة، ومصدر قلق الشرطة، وينجح في الاختباء عند غانية ما زالت تحبه، إلا أنه يصر على الانتقام، ويقع أخيراً في قبضة الشرطة وهو مقتنع بقضيته، رافضاً الاستسلام للخونة الكلاب. ويناقش مؤلف الكتاب النتائج في نهاية الحدث الدرامي، ويفسرها بأن علاقة البطل في تلك الرواية بأبيه علاقة سطحية، ولأنه الابن الوحيد أصيب بتضخم في الذات، تلك التي قادته إلى التمرد، وقد أخذ على عاتقه محاربة الشر وهو يتلمس المعنى المثالي لحياته ويتلمس المعنى لموته في تحقيق هذا الهدف، ألم يقل «إن من يقتلني إنما يقتل الملايين؛ أنا الحلم والأمل وفدية الجبناء، وأنا المثل والعزاء والدمع الذي يفضح صاحبه»؟
ويتناول المؤلف أيضاً شخصية الزوجة التي كانت تعمل خادمة عند سيدة تركية، وقد حدثها عن حبه وأخلص لها وتزوجها، إلا أنها خانته مع صديقه، حين أبلغا الشرطة عنه وعن نشاطه الآثم. ولولا الخيانة ما دخل السجن، فقد ظلت ذكرى الخيانة عالقة في ذهنه، بل بسببها كره كل النساء، ودخل في تمرد ضد كل أشكال السلطة، في موقف عدائي، منصباً نفسه حاكماً وقاضياً وجلاداً لإقامة العدل والقانون في الأرض، وهذه هي مأساته التي ظلت منذ المشهد الأول حتى النهاية وهو يركض تجاه نهايته المحتومة.
تتشابك الأحداث والمواقف، حيث يعود مهران للوراء بالذاكرة، حين كان ابناً وحيداً لكهلين انشغلا بالبحث عن لقمة الخبز. حرص الأب على أن يفقه ابنه سعيد مهران في دروس الدين، ولكن الواقع كان أقسى وأمر، حيث مات والده، ومرضت الأم وتم طردها من المستشفى الخاص، فاضطر أن يسرق، ولذا قام والده الفكري الأدبي «رؤوف علوان»، المقابل البيولوجي لوالده الغائب، بتحريضه على السرقة، زاعماً أن الفقر الذي نعانيه ما هو إلا رد فعل لسرقة الأغنياء لنا، وبالتالي يحق لنا السرقة!
- الحب والقناع
ويتخذ المؤلف نصاً آخر لنجيب محفوظ، هو قصة «الحب والقناع» ضمن المجموعة القصصية «أهل الهوى»، ليخضعه لأدوات التحليل النفسي. هنا، يلامس محفوظ -حسب المؤلف- وباقتدار كثيراً من القضايا النفسية والفلسفية والاجتماعية التي تتعلق بجوهر الشخصية والنشأة، والفارق بين القناع الخارجي والقناعة الذاتية، فالقصة تتحدث عن زوجين يوجد بينهما بون شاسع فيما يتعلق بفلسفة كل منهما في الحياة، فالزوج قد تنقل بين كثير من الفلسفات الطائشة والأفكار المحلقة، في حين أن الزوجة شخصية تقليدية ملتزمة على جميع المستويات. يحاول الزوج قدر طاقته التمثيل ومجاراتها، عكس اتجاهه الحقيقي، حتى يضيق ذرعاً بعملية التمثيل أو القناع ويمل ذلك الأداء، فيصارحها بعد أن أنجبت منه بحقيقة فلسفته في الحياة؛ تغضب الزوجة وتترك المنزل، ويحاول أصدقاؤه جاهدين إعادتها إليه، ولكن بلا جدوى.
ويخلص المؤلف إلى أن محفوظ أبرز القناع وكشفه للتعبير عن مأزق شخصية الزوج الذي ألف معايشة المتناقضات، ففي أثناء حواراته مع زوجته كان يظهر القناع، على عكس ما يبطن. ولذا كان يذكر نفسه دوماً بشخصية الممثل الذي يتهادى على المسرح وحده، ما يشير إلى أن مشكلة البون الشاسع بين القناع والحقيقة تعد المدخل الأساسي للصحة النفسية، ومدى تكيف الفرد مع الوسط الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه.



مصر لتطوير منطقة آثار سقارة لتلائم قيمتها التاريخية

منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)
منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لتطوير منطقة آثار سقارة لتلائم قيمتها التاريخية

منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)
منطقة آثار سقارة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، عن إطلاق مشروع لتطوير خدمات الزائرين بمنطقة آثار سقارة، وذلك في إطار استراتيجية الوزارة الرامية إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة في المواقع الأثرية وتحسين تجربة الزائر.

ويتضمن المشروع رفع كفاءة الطرق الداخلية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة بالمنطقة، بما يتناسب مع قيمتها التاريخية، بما يُعزز جاهزيتها لاستقبال الأعداد المتزايدة من الزائرين من داخل مصر وخارجها، وفقاً لبيان صادر عن وزارة السياحة والآثار.

وترجع تسمية منطقة سقارة الأثرية إلى إله الجبانة «سوكر». وتُعد المنطقة إحدى المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة «اليونيسكو» منذ عام 1979. ومن أبرز معالمها هرم «زوسر»، الذي يُعد أول بناء حجري معروف في التاريخ. كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاكتشافات الأثرية المهمة، ويصفها علماء المصريات بأنها «منطقة واعدة أثرياً لم تُكشف جميع أسرارها بعد».

بدوره، أكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، أن «المشروع يأتي في إطار رؤية الدولة لتطوير المواقع الأثرية وفق منهج متكامل يوازن بين الحفاظ على القيمة الأثرية الفريدة للموقع والارتقاء بالبنية التحتية والخدمات المقدمة به، ما يُعزز من مكانة المنطقة بوصفها من أبرز الوجهات السياحية والمواقع الأثرية على مستوى العالم».

وتسعى مصر، من خلال تطوير الخدمات بسقارة، إلى «زيادة قدرة المنطقة على استيعاب الحركة السياحية المتنامية، بما ينعكس إيجاباً على تجربة الزائر»؛ حيث تستهدف مصر زيادة عدد السائحين إلى 30 مليوناً بحلول عام 2030، وقد استقبلت نحو 19 مليون سائح العام الماضي.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إن «المشروع يهدف إلى تطوير شبكة الطرق الداخلية بالمنطقة الأثرية لتسهيل حركة التنقل بين مختلف المزارات، مع الالتزام الكامل بالمعايير الفنية والهندسية العالمية والمعمول بها في المواقع الأثرية»، حسب البيان،

وأوضح مدير عام منطقة آثار سقارة، الدكتور عمرو الطيبي، في البيان، أن المشروع يتضمن تنفيذ مجموعة متكاملة من أعمال تطوير الخدمات، تشمل توفير مقاعد للاستراحة، وإنشاء مظلات في عدد من النقاط الحيوية للحماية من أشعة الشمس، إلى جانب تطوير مختلف عناصر الخدمات.

كما يتضمن المشروع تنفيذ مسارات مخصصة لذوي الهمم من مستخدمي الكراسي المتحركة، لتسهيل تنقلهم داخل المنطقة الأثرية، في إطار التوجه المصري نحو تعزيز مفهوم السياحة الميسرة، وإتاحة تجربة سياحية أكثر شمولاً.

وفي إطار المساعي المصرية لزيادة عدد السائحين الوافدين للبلاد نفّذت خلال الآونة الأخيرة مشروعات تطوير للخدمات بعدة مناطق أثرية، على رأسها منطقة الأهرامات.

وتسعى مصر إلى تطوير المناطق السياحية والأثرية وفق خطتها الترويجية التي أطلقتها تحت عنوان «مصر تنوع لا يضاهى»، معتمدة على تنوع الأنماط السياحية، وفي مقدمتها السياحة الثقافية بالمتاحف والمواقع الأثرية.


أميرات مصر القديمة كنَّ محاربات ماهرات

سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)
سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)
TT

أميرات مصر القديمة كنَّ محاربات ماهرات

سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)
سهام الأميرة نوب حوتب (باحثو الدراسة)

لعقود، اختلف العلماء حول دلالة الأسلحة التي عُثر عليها في مقابر بعض أميرات مصر القديمة؛ هل كانت أدوات رمزية أو عملية؟ إلى أن أظهرت دراسة جديدة أعادت تقييم خمس مومياوات لأميرات من عصر الدولة الوسطى، أن بعض الأميرات المدفونات مع أسلحة كنّ قادرات على استخدامها.

وكشفت نتائج الدراسة المنشورة في مجلة «فرونتيرز إن إنفيرومنتال آركيولوجي»، الجمعة، أن أميرات مصر القديمة اللواتي عشن قبل نحو 4 آلاف عام كنّ راميات ماهرات.

وقالت الدكتورة زينب حشيش، الأستاذة المساعدة في قسم الآثار بجامعة بني سويف في مصر، والمؤلفة الرئيسية للمقال المنشور، الجمعة: «كان أفراد العائلة المالكة، خصوصاً النساء، يشاركون في أنشطة تتطلب مهارة وجهداً بدنياً كبيراً، مثل الرماية والصيد. ويدعم هذا الاستنتاج الطريقة التي تطورت بها عظامهن لتحمل الاستخدام المكثف للعضلات، وهو ما يتوافق تماماً مع الأسلحة المكتشفة في مقابرهن».

ارتباط العضلات بعظام ذراع الأميرة نوب حوتب بحركات الرماية (مجلة فرونتيرز إن إنفيرومنتال آركيولوجي)

ووفق نتائج الدراسة، تشير قوة العضلات وشفاء الكسور إلى أن نساء العائلة المالكة كنّ قادرات على استخدام الأسلحة التي دُفنّ معها، وأن مكانتهن الرفيعة لم تمنعهنّ من مواجهة المصاعب.

ودرس الباحثون ست مومياوات ملكية عُثر عليها في دهشور، إحدى القرى التابعة لمركز البدرشين في محافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، وهو مجمع جنائزي من الأهرامات والمقابر المجوفة، في تسعينات القرن التاسع عشر. فُقدت هذه المومياوات لسنوات، وأُعيد اكتشافها في المتحف المصري خلال مشروع ترميم عام 2020.

أربع من المومياوات الست كنّ شقيقات؛ بنات الفرعون أمنمحات الثاني، دُفنّ في غرف تحت الأرض متطابقة: الأميرة إيتا بجوار الأميرة خنمت، والأميرة إيتاويرت بجانب امرأة مجهولة الهوية يُعتقد مبدئياً أنها الأميرة ساتاثورميريت، وقد دُفنّ مع أدوات مثل الأقواس والسهام التي تُنسب تقليدياً إلى الرجال، واحتوى نعش الأميرة إيتا على خنجر بالغ الجمال. ودُفنت أدوات ملكية مماثلة مع المومياوات الملكية الأخرى التي خضعت للتقييم.

مكّنت العظام المتبقية علماء الآثار من تقدير أعمار الأفراد عند الوفاة، وأطوالهم، وجنسهم، بالإضافة إلى الكشف عن أدلة على أمراض أو إصابات.

وقالت زينب حشيش: «كانت الأميرة إيتا شابة يتراوح عمرها بين 28 و34 عاماً، وتتمتع بعضلات قوية في الجزء العلوي من جسمها، مما يشير إلى أنها كانت تستخدم أسلحة مثل الهراوات أو الخناجر بشكل معتاد. أما الأميرة خنمت، فكانت امرأة في أواخر الثلاثينات أو الأربعينات من عمرها، وقد ظهرت عليها علامات ترقق العظام، ولكن كانت أربطتها قوية للغاية. وكانت الأميرة إيتاويرت شابة عمرها بين 20 و34 عاماً، ونجت من كسور في الأضلاع والقدم، ويُظهر هيكلها العظمي أنها كانت رامية سهام ماهرة».

وتشير قوة العضلات في عظام الشقيقات إلى أنهن كنّ نشيطات بدنياً للغاية، وهو ما يتوافق مع استخدام الأسلحة في مدافنهن. وتُظهر أدلة مماثلة أن الأميرة نوب حوتب والملك حور كانا أيضاً راميين للسهام.

الخنجر المدفون مع الأميرة إيتا (سامح عبد المحسن - المتحف المصري)

وأوضحت الباحثة: «وجدنا نمواً ملحوظاً في الأطراف العلوية لهؤلاء الأفراد، وهو ما يتوافق مع حركات متكررة وعالية الشدة، مثل شد وتر القوس أو تثبيت السلاح، ما يثبت أن هذه الأنشطة كانت جزءاً من حياتهن».

وأضافت: «يفسر هذا بشكل مباشر وجود الأقواس والسهام والهراوات في مقابر النساء؛ فلم تكن مجرد هدايا رمزية، بل أدوات استخدمنها فعلياً».

وكانت الإصابات، مثل كسور أضلاع الأميرة إيتاويرت - والتي يُرجح أنها ناجمة عن ضربة أو سقوط من مكان مرتفع - شائعة، في حين عانى العديد من الأفراد من التهابات ونقص في التغذية.

وقالت حشيش: «من المرجح أن هذه الإصابات ناجمة عن حوادث أو سقوط أو ضربات قوية أو غيرها من الصدمات المرتبطة بنمط حياة نشط، سواء من خلال الصيد أو التدريب العسكري أو غيرهما من الأنشطة الشاقة». وأضافت: «اللافت للنظر هو أن الإصابات شُفيت بشكل جيد، مما يشير إلى أنهن كنّ يتمتعن بإمكانية الوصول إلى رعاية طبية متقدمة في ذلك الوقت».

وأضافت الباحثة: «حلمنا هو تجاوز مجرد تحديد هوية أفراد العائلة المالكة في دهشور. نسعى إلى سرد قصص حياتهم كاملة، وعائلاتهم، وصحتهم، وحتى أدوارهم السياسية، بأكبر قدر ممكن من التفصيل. إضافةً إلى الجانب العلمي».

وتابعت: «سنحافظ على الرفات، ونُنشئ نماذج ثلاثية الأبعاد لأغراض التدريس والمعارض الافتراضية، ونعرضها إلى جانب مجوهراتهم وأسلحتهم ومقتنياتهم الجنائزية. كل هذا سيتم مع ضمان عرض الرفات بطريقة أخلاقية، كما دُفنت في الأصل».


المصايف القديمة والتقليدية بمصر... لمن؟ وبِكَم؟

أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)
أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)
TT

المصايف القديمة والتقليدية بمصر... لمن؟ وبِكَم؟

أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)
أكثر من مليوني مصطاف في الإسكندرية خلال يوم واحد (محافظة الإسكندرية)

لا يبدو أن «المباراة» السنوية بين الساحل الشمالي بمنتجعاته الفاخرة، والمصايف التقليدية آخذة في التراجع، فمنذ سنوات تتجدد عبر منصات عدة سجالات «الساحل الطيب» و«الساحل الشرير»، التي تحولت إلى «ترند صيفي» يعكس اختلاف أنماط قضاء العطلات، وما تكشف عنه من مفارقات اقتصادية واجتماعية في اختيارات المصريين لوجهاتهم الصيفية.

وفي خضمّ هذا الموسم الحار، تشهد المصايف التقليدية، مثل الإسكندرية ومرسى مطروح ورأس البر وجمصة وبلطيم وفايد، ذروة الإقبال مع انتصاف يوليو (تموز) لا سيما مع انتهاء موسم الامتحانات الدراسية، مستفيدةً من انخفاض تكاليفها مقارنةً بالوجهات الأكثر فخامة، لتظل الخيار الأول لملايين الأسر الباحثة عن إجازة صيفية تناسب ميزانياتها.

تكدس الشواطئ خلال عطلة الأسبوع بالإسكندرية (محافظة الإسكندرية)

تأتي مدينة الإسكندرية الساحلية على رأس تلك الوجهات خصوصاً في العطلات الأسبوعية، بعد أن أعلنت محافظة الإسكندرية، حسب وسائل إعلام محلية، السبت، عن «استقبال نحو 2.15 مليون زائر، خلال يوم الجمعة، بينما بلغت نسبة الإشغال في جميع شواطئ القطاع الشرقي 100 في المائة، وسجل شاطئ الهانوفيل المجاني الإشغال الكامل، ووصلت نسبة الإشغال في شواطئ القطاع الغربي إلى نحو 85 في المائة، وفق بيانات الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية. ويرى الخبير السياحي محمود عطا أن الإقبال على المصايف التقليدية لا يقتصر على الإسكندرية، وإنما يمتد إلى وجهات أخرى مثل مرسى مطروح، ورأس البر، وفايد، وجمصة، وبلطيم، التي لا تزال تستقطب أعداداً كبيرة من الأسر المصرية بفضل انخفاض تكلفة الإقامة وسهولة الوصول إليها مقارنةً بالمنتجعات السياحية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات «اليوم الواحد» تُعد من أكثر البرامج السياحية التي تستقطب المصطافين خلال فصل الصيف، إذ تتيح للزائر قضاء يوم كامل على الشاطئ دون تحمل تكلفة الإقامة، فيما يلجأ آخرون إلى استئجار شقق مفروشة بأسعار مناسبة، وتقاسم تكلفتها بين أكثر من أسرة.

ويضيف أن «أسعار الإقامة اليومية في الشقق الشعبية في الإسكندرية بمناطق مثل ميامي تبدأ من نحو 150 إلى 300 جنيه، (الدولار يساوي نحو 50.50 جنيه). بينما تتراوح إيجارات الشقق المطلة على البحر أو الوحدات الفندقية بين 500 وألف جنيه أو أكثر في الليلة الواحدة، حسب الموقع ومستوى التجهيز، مما يجعل هذه الوجهات في متناول شريحة واسعة من محدودي ومتوسطي الدخل».

انخفاض تكلفة ارتياد الشواطئ يسهم في ارتفاع أعداد المصطافين (محافظة الإسكندرية)

وتقول نسرين محمود، من سكان الإسكندرية، إن «المدينة تتحمل خلال موسم الصيف أعباءً كبيرة نتيجة التدفق الكثيف للمصطافين، لا سيما في مناطق سيدي بشر، والمندرة، والعصافرة، وميامي، التي تشهد ازدحاماً يمتد حتى ساعات الفجر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الإقبال لا ينعكس فقط على ازدحام الشواطئ، بل يمتد إلى الحركة المرورية ووسائل النقل والمرافق العامة»، وتشير إلى أن مناطق مثل ميامي وخالد بن الوليد ومحطة الرمل تتحول إلى نقاط تجمع كثيفة رئيسية لرحلات المصطافين من المحافظات، «فضلاً عن ارتفاع المخلفات وبقايا الأطعمة على الشواطئ، بما يفرض أعباء إضافية على المرافق»، على حد تعبيرها. ولعل ما تشير إليه نسرين يتردد صداه لدى كثير من مواطني الإسكندرية عبر تداول منشورات وصور تعكس تكدس شواطئ المدينة، تحت شعار «الإسكندرية ليست لنا».

ويعود عطا ليؤكد أن هذا المشهد «يعكس استمرار جاذبية المصايف التقليدية»، موضحاً أن انخفاض تكلفة الرحلة والإقامة يظل العامل الأكثر تأثيراً في اختيار ملايين المصريين وجهاتهم الصيفية»، ويضيف أن «أسعار دخول كثير من الشواطئ العامة تتراوح بين 20 و 30 جنيهاً، شاملةً الكرسي والمظلة والخدمات، مما يسهم في استمرار الإقبال الكثيف عليها عاماً بعد آخر، لكنه يفرض في المقابل تحديات متزايدة تتعلق بإدارة الشواطئ، واستيعاب الأعداد الكبيرة كل عام».

Your Premium trial has ended