إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما

الخلاف بين «مؤسسة السلطة» في تل أبيب من جهة ونتنياهو من جهة ثانية

إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما
TT

إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما

إسرائيل وبايدن... لا مشكلة حقيقية بينهما

«إذا كان لا بد من عمل ضروري لجعل العلاقات الأميركية - الإسرائيلية في عهد الرئيس المنتخب جو بايدن، علاقات جيدة، فعلينا أن نجري مفاوضات بين إسرائيل كدولة ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. نحن لا نخاف على إسرائيل من بايدن؛ فهو صديق وحليف قديم رصيده زاخر بالأحداث التي أثبت خلالها إخلاصه للحلف الاستراتيجي مع إسرائيل. أما مشكلتنا فهي مع نتنياهو، الذي نخشى أن يحاول تكرار صداماته مع البيت الأبيض إبان عهد باراك أوباما. لقد كان بايدن هناك في البيت الأبيض، كنائب للرئيس، شاهداً حيّاً على الكثير من المحادثات الهاتفية الساخنة بين تل أبيب وواشنطن. وعندما كان أوباما يغلق الخط، كان بايدن يسمعه يشتم بكلمات من الوزن الثقيل. وهو بالتأكيد كان يتمنى لو أن نتنياهو غير موجود في رأس هرم الحكم الإسرائيلي، ويحسب ألف حساب للتعامل معه. ومع ذلك فإنه سيواصل العمل بحذر حتى لا يكون سبباً في خلافات معه»... بهذه الكلمات لخّص متحدّث صورة الموقف السياسي في تل أبيب وواشنطن هذه الأيام، عشية دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض.
قائل الكلمات أعلاه هو أحد الجنرالات السابقين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ولقد دخل الحلبة السياسية وغادرها بسرعة، ويعمل في مجال الأبحاث السياسية والاستراتيجية. واليوم يسمح الرجل لنفسه بأن يقول: «إذا كان هناك تنافس بين بنيامين نتنياهو وجو بايدن فإنني ممن يتمنون ألا يكون الفوز من نصيبنا. لأن لدينا رئيس حكومة يكرّس كل شيء، أيضاً في العلاقات الخارجية، لمصلحة معركته الشخصية».
لكن منذ أن تجرأ بنيامين نتنياهو على الاعتراف بنتائج الانتخابات الأميركية واتصل ليهنئ الرئيس الجديد بايدن، تبذل جهود كثيرة لإقناعه بضرورة أخذ زمام المبادرة وفتح صفحة جديدة معه ومع الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة. ويقف وراء هذه الجهود كثيرون: قادة يهود الولايات المتحدة، وأنصار إسرائيل في الحزب الديمقراطي، ومسؤولون في أجهزة الأمن في البلدين، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، رون دريمر، وعدد من رجال الأعمال في البلدين، ورئيس «المؤتمر اليهودي العالمي» رون لاودر، ورئيس «الوكالة اليهودية» يتسحاك هيرتسوغ... وغيرهم. هؤلاء جميعاً يرون أن مصلحة إسرائيل تقتضي تحسين علاقاتها مع بايدن.
وكما يقول الدكتور إلداد شافيت، الباحث الاستراتيجي في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، فإن انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة يحتّم على إسرائيل إعادة النظر في سياساتها وأساليب تعاونها مع إدارته الجديدة. ويقول: «لا أحد ينكر أنه طيلة السنوات التي عمل خلالها في الميدان السياسي وتولى منصب نائب الرئيس، أظهر الرئيس المنتخب تعاطفاً والتزاماً تجاه إسرائيل وحاجاتها الأمنية ومصالحها. وفي الوقت نفسه، اعتادت إسرائيل وقيادتها على إدارة رئاسية مختلفة تماماً عن إدارة باراك أوباما خلال السنوات الأربع الماضية. ففي ظل إدارة ترمب تطابقت المواقف في معظم الأحيان، وقُدّمت هدايا أميركية كثيرة لنتنياهو، كالاعتراف بالقدس عاصمة ونقل السفارة الأميركية إليها من تل أبيب، والاعتراف بضم الجولان، وتشريع الاستيطان، وغير ذلك. ولكن، مع تسلّم إدارة جديدة، ستضطر الدولتان إلى أن تتعلما مجدداً كيفية العمل معاً. ومن وجهة نظر إسرائيل، سيكون من الضروري تضييق الفجوات التي تبدأ على ما يبدو بالظهور بين البلدين».
- إسرائيل وإيران والفلسطينيون
من الصعب القول، في أي مجال، إن «إسرائيل تريد هذا أو ذاك»، لأن إسرائيل ليست كتلة موحّدة في مواقفها، حتى إزاء القضايا الاستراتيجية. وكما هي الولايات المتحدة ممزّقة بين تيارين في الحكم، يمثلهما الحزبان الجمهوري والديمقراطي، في إسرائيل تمزّق أكبر. وثمة صراعات بين عدة تيارات: اليمين يفكر بطريقة واليسار مضاد له، والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لها حسابات مختلفة، ورئيس الوزراء نتنياهو يُعتبر تياراً مختلفاً عن الجميع، يتحكم به وضعه القضائي ومحاكمته بتهمة الفساد.
حكومة نتنياهو، اليوم، تريد من إدارة بايدن اتخاذ مواقف متشددة من المشروع النووي الإيراني وإحباطه، وتقييد قدرات طهران على إنتاج صواريخ باليستية بعيدة المدى. كذلك تريد مساندة أميركية لها في عملياتها المثابرة في ضرب التموضع الإيراني في سوريا، والسعي لإخلاء الشام من الوجود العسكري الإيراني المباشر، وضرب الميليشيات الإيرانية، بما في ذلك «حزب الله»، كي لا يجعل من الجولان الشرقي جبهة حرب جديدة مع إسرائيل. وأخيراً، تريد أيضاً مواصلة دعمها للضغوط على «حزب الله» في لبنان.
هذه الحكومة تعرف تماماً أن بايدن ليس ترمب ولن يكون كذلك. ومع هذا فإنها تريد منه، أولاً، ألا يلغي شيئاً من المواقف التي اتخذها ترمب، وكانت بمثابة هدية لنتنياهو، مثل قضايا القدس والجولان والاستيطان. وأيضاً الاستمرار في التوصل إلى اتفاقيات السلام مع العالم العربي. وعموماً، أن تكون سياسته أقرب ما يمكن لسياسة ترمب. وحقاً، أطلق نتنياهو تصريحات واضحة بشأن بعض المواضيع تدل على أنه لن يتنازل عن طروحاته. وفي الموضوع الإيراني يقال إن اغتيال عالم الذرة في قيادة «الحرس الثوري» محسن فخري زادة - الذي تنسبه جهات أجنبية إلى إسرائيل - جاء رسالة من نتنياهو لبايدن مفادها أن لديه وسائل ضغط ومسار عمل مستقلاً مع طهران.
في الموضوع السوري لا يقف نتنياهو وحده، بل تشاركه «المؤسسة الأمنية»، أي الجيش والاستخبارات، الرأي بضرورة محاربة التموضع الإيراني العسكري. وإذا كان ثمة اكتفاء قبل سنتين بإبعاد القوات الإيرانية عن حدود وقف إطلاق النار مع إسرائيل في الجولان لمسافة 70 - 80 كلم، فإن مطلب نتنياهو و«المؤسسة» بات اليوم يتجاوز الإخلاء ليصل إلى الانسحاب التام من سوريا. وبالذات، إبعاد الميليشيات التابعة لإيران من الجنوب السوري تماماً. ويعلن الفريقان أن كل فرد من الميليشيات في هذه المنطقة وكل موقع، سيكون هدفاً للتصفية.
وحقاً، وحسب مصدر عسكري كبير في الجيش الإسرائيلي، فإن القصف الذي تنفذه إسرائيل في سوريا «يحتوي على رسالة يفهمها جيداً النظام السوري والقادة الإيرانيون وقيادة (حزب الله) أيضاً، مفادها أن أي حراك أو استفزاز أو ضربة توجه لإسرائيل سيأتي الرد عليها أقسى بعشرات الأضعاف، وستكون موجهة إلى العناصر الثلاثة معاً: الجيش السوري ومواقع الوجود الإيراني والمواقع التي تنطلق منها العمليات». وضرب مثلاً على ذلك في القصف الأخير في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ اكتُشِف لغم قرب الحدود مع إسرائيل فقصفت ثمانية أهداف داخل سوريا، ما أدى لمقتل 11 شخصاً، بينهم سوريون وإيرانيون.
أما في الموضوع الفلسطيني، فالانطباع في إسرائيل أن بايدن لن يسارع لتقديم مقترحاته الخاصة. ولم يتضح إلى أي مدى سترى إدارته القادمة في «خطة القرن» التي طرحها ترمب، أو في مكوّناتها، أساساً لتجديد العملية السياسية. مع ذلك فإن نتنياهو يدرك أن بايدن سيعيد العلاقات بين الإدارة الأميركية والسلطة الفلسطينية، وسيعيد فتح مكاتب منظمة التحرير في واشنطن، وأيضاً سيخصّص مساعدات مالية سنوية، وسيسعى لتقييد المشروع الاستيطاني، وسيؤيد حل الدولتين ويبقيه على الأجندة الدولية. ولذا فإن حكومة نتنياهو تحاول الاستفادة مما تبقى من فترة ترمب لإقرار مشاريع استيطانية. وتستعد لمواجهة مطالب الإدارة الجديدة، مع الأمل بوقوع الفلسطينيين في أخطاء يسهل استغلالها لعرقلة التقدم في الحلول والتسويات.
أخيراً، هناك موضوع لا خشية في إسرائيل من تراجع فيه عند بايدن، وهو موضوع العلاقات الثنائية في المجال العسكري والأمني؛ فالدعم الأميركي السنوي بقيمة 38 مليار دولار، يعود أصلاً لعهد أوباما - بايدن وسيستمر. والجيش الإسرائيلي يقيم علاقات تعاون وشراكة مباشرة مع الجيش الأميركي، لا تتأثر بسوء العلاقات بين السياسيين، لأنها مبنية على تقييم مهني للمصالح المشتركة. والأمر نفسه ينطبق على التعاون الاستخباري والحرب «السيبرانية».
السؤال إذن هو: متى سيطرح موقف نتنياهو من هذه القضايا مع بايدن؟
- اتصالات غير مستفزة
أوساط سياسية عليمة، تؤكد أن رجال نتنياهو باشروا الاتصالات مع طاقم بايدن، ولكن بحذر شديد كي لا يغيظوا ترمب، وأن هذه الاتصالات ستزداد وثوقاً عندما يدخل بايدن رسمياً إلى البيت الأبيض، ثم إن نتنياهو سيواصل التقليد التاريخي بالقيام بزيارة رسمية إلى واشنطن في أقرب وقت ممكن، بعد تنصيب الرئيس الأميركي، وهو لن يكتفي بالعلاقات الثنائية معه، بل سيسعى إلى «تشكيل جبهة إيجابية مع الدول العربية التي تواجه الإشكاليات نفسها مع الإدارة الديمقراطية في واشنطن».
أحد المسؤولين في حزب «كحول لفان» (أزرق - أبيض)، يضع قضية العلاقة مع بايدن «كواحدة من القضايا التي توجب على نتنياهو الحفاظ على حكومته الحالية لكي تقوّي مركزه في واشنطن». ويقول إن بايدن أقرب بفكره إلى أبرز قادة «كحول لفان» بيني غانتس (رئيس الحكومة البديل ووزير الأمن) وغابي أشكنازي (وزير الخارجية)، مما هو من نتنياهو. ويرى أنه في حال استمرار الحكومة وتعذّر التوجه لانتخابات مبكرة، سيسعى غانتس وأشكنازي إلى إجراء حوار مهني جدّي وودود مع فريق بايدن. ثم يضيف «هناك أمور تحتاج بشكل ملح إلى مداولات إيجابية. إننا على دراية جيدة بتوجّه كان قد بدأ خلال عهد أوباما، واستمر في حقبة ترمب، وسيبقى على الأرجح خلال ولاية بايدن، ألا وهو: الحدّ، إلى أقصى درجة ممكنة، من الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وليس بوسع إسرائيل وضع حدّ لهذا التطور. لكن من وجهة نظرنا، ونظر الشركاء العرب، يجب ألا يُلحق هذا القرار الضرر بصورة الولايات المتحدة كقوة رائدة في المنطقة، وألا يتمّ اعتباره وكأنه يحدّ من التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في المنطقة، خصوصاً أن هناك من يسعى لملء الفراغ مثل روسيا والصين. وهناك القضية الإيرانية، التي نخشى أن يعيد بايدن فيها عقارب الساعة إلى الوراء فيعود إلى الاتفاق النووي. وهنا ينبغي أن يكون لنا وللشركاء العرب المتضرّرين من سياسة إيران وممارساتها، كلمة وتأثير. وإذا توجّهت إدارة بايدن لاتفاق جديد فنحن نريد اتفاقاً موسّعاً يشمل الصواريخ الباليستية واتفاقاً يمنع إيران من تطوير قدراتها النووية العسكرية بأي حال، وكذلك نريد نظام تفتيش صارماً... ولكي يحصل هذا ينبغي ألا يتوقف نظام العقوبات الشديدة».
- قلق بين الباحثين
في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، يوماً دراسياً حول العلاقة بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة جو بايدن، تضمنت «سيناريوهات» متعددة، وتجلّى خلالها القلق من تكرار الخلافات التي سادت إبّان عهد باراك أوباما.
شارك في المداولات مجموعة من الخبراء والاستراتيجيين والجنرالات السابقين في الجيش. وأكدوا أنه «بعد أربع سنوات من إدارة ترمب، التي كان لإسرائيل خلالها تأثير كبير على السياسة الأميركية، سيتوجب عليها إجراء تعديلات تلائم الواقع الجديد وصياغة استراتيجية محدثة لاتصالها مع الفريق الذي سيقود السياسة الخارجية المقبلة. ومع أن بايدن يُعد صديقاً لإسرائيل، فمن المتوقع أن يكون متشككاً إزاء نيات الحكومة الإسرائيلية بسبب الرواسب المتبقية من فترة نهاية عهد أوباما، والعلاقة الحميمة التي سادت بين نتنياهو وترمب. وبالتالي، يحتاج كلا الجانبين إلى تعلم العمل معاً مجدداً، ومن المحتمل أن تكون الإدارة الجديدة مهتمة بالمبادرة». لذا، مهم جداً (وفق الخبراء) أن تصل إسرائيل إلى الاجتماع مع الإدارة الجديدة «بأيدٍ نظيفة»، ومن المهم استيعابها السريع لحقيقة أن الواقع تغيّر، وأن عليها تكييف السلوك مع السياسة الأميركية المتبلوِرة وطريقة سلوك الرئيس المقبل والإدارة الجديدة.
ومن ثم خرج الباحثون بتوصيات مفصلة في أساسها «أن تحافظ إسرائيل، أقله في الأشهر المقبلة، على الحوار مع الإدارة الجديدة بتكتم، مع تجنب الانتقاد وتقديم النصائح على الملأ، وتجنب إجراءات التحدي بشكل خاص. ويجب عليها أيضاً الامتناع عن الظهور وكأنها تحاول تطويق الإدارة من خلال الكونغرس، خاصة إذا بقيت الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ومن المهم، كذلك، أن تجدول إسرائيل القضايا التي ستُطرح للنقاش وفقاً للأولويات. إذ يجب التركيز على القضية الإيرانية التي من المحتمل أن تنشأ الخلافات حولها. كما يجب على إسرائيل عرض خطوات يمكن دفعها قدماً، لا مجرد التركيز على رفض الأفكار التي تطرحها الإدارة. ومن المتوقع أيضاً أن تطفو الفجوات في القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق، يجب أن تركز الاستراتيجية الإسرائيلية على محاولة إقناع الإدارة الجديدة بالحفاظ على المكوّنات الإيجابية لـ(خطة القرن)، مع ضمان عدم رفض الإدارة للبرنامج بأكمله بفعل الرغبة بالتنكر لإرث ترمب».
من التوصيات أيضاً «عمل إسرائيل على تنسيق السياسة الإقليمية، لا سيما في سياق الخطوات التي تتخذها إسرائيل لكبح التوسع الإيراني. وعلى إسرائيل أيضاً تكييف علاقتها مع الولايات المتحدة بشأن التنافس بين القوى العظمى، وتكثيف التعاون التكنولوجي معها إلى حد إنشاء تحالف تكنولوجي يقف في طليعة الصراع بين القوى. أضف إلى ذلك، من المهم التركيز على الفور على بذل جهود قوية لاستعادة العلاقات مع الحزب الديمقراطي، بما في ذلك إنشاء خطوط اتصال مفتوحة مع الأعضاء المنتخبين في الحزب الديمقراطي، وكذلك مع الجالية اليهودية في الولايات المتحدة».
ولكن، ما يبقى ناقصاً في طرح هذه القضية هو الوضع السياسي غير المستقر في إسرائيل، فإذا دخلت إلى معركة انتخابات جديدة، فستتحول العلاقة مع إدارة ترمب إلى موضوع انتخابي تتغلّب فيه السياسة الحزبية على الصورة الشمولية وتحدياتها. وإذا بقيت الحكومة الحالية بقيادة نتنياهو، فإن المسألة ستكون موضع نقاشات وخلافات داخل الحكومة نفسها. وعليه، فإن الموقف الإسرائيلي سيحاط بالضبابية... وحتى واشنطن، بمكانتها وأدواتها، لن تستطيع الحصول على صورة واضحة للموقف الإسرائيلي.
- اليهود الأميركيون... هم الأكثر قلقاً
- الشروخ في العلاقات بين حكومة بنيامين نتنياهو وبين إدارة أوباما - بايدن، تسببت بشروخ كبيرة أيضا بين تل أبيب وبين يهود الولايات المتحدة. وحسب دراسة أجريت أخيراً في مقر «الوكالة اليهودية العالمية» في القدس الغربية، فإن يهود أميركا هم الأكثر قلقاً من خطر العودة إلى الصراعات القديمة. ولذلك فهم يستصرخون المسؤولين الإسرائيليين طالبين رأب الصدع في أسرع وقت ممكن.
اليهود الأميركيون، حقاً، شريحة مهمة في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. وبما أن معظمهم (77 في المائة) صوّتوا لصالح جو بايدن في الانتخابات الأخيرة، فإنهم لا يثقون بنتنياهو، ويتوجهون إلى «الوكالة اليهودية» و«المؤتمر الصهيوني العالمي» ورئيس الدولة في إسرائيل رؤوبين رفلين، طالبين إعادة اللحمة إلى اليهود، وإقناع نتنياهو ببذل جهد حقيقي لفتح صفحة جديدة مع الحزب الديمقراطي وزعيمه الرئيس بايدن، والامتناع عن تكرار الخلافات والصراعات التي سادت في عهد أوباما.
المعروف أن عدد اليهود في العالم يقارب 15 مليوناً، يعيش منهم في إسرائيل نحو 7 ملايين وفي الولايات المتحدة 6 ملايين. ولليهود الأميركيين تأثير على الحياة السياسية الأميركية وذلك نتيجة لانخراطهم في العمل السياسي وتبرّعاتهم السخية. ولكن خلافات سياسية كبيرة انفجرت بينهم وبين إسرائيل منذ حكومة بنيامين نتنياهو سنة 2009 وحتى اليوم، إذ إن الأخير كسر التقليد المبدئي للحركة الصهيونية بالالتزام بتحاشي الاصطفاف إلى جانب حزب ضد آخر في الولايات المتحدة، وبنى حلفاً صريحاً مع الحزب الجمهوري، ودخل في حرب علنية مع الرئيس الديمقراطي باراك أوباما. وطوال السنوات الأربع الأخيرة، بنى نتنياهو سياسته على التحالف مع الرئيس دونالد ترمب، غير المحبوب لدى يهود أميركا. والآن، مع انتخاب بايدن، ثمة قلق لدى العديد من الأوساط اليهودية في إسرائيل والولايات المتحدة من أن ينعكس التحيّز الإسرائيلي الرسمي سلباً على علاقة بايدن مع إسرائيل.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.