اتفاق مغربي ـ إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية

ترمب يعلن اعتراف واشنطن بسيادة الرباط على الصحراء... ومحمد السادس يؤكد التزامه الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني

الرئيس الأميركي ترمب أعلن التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ترمب أعلن التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل (أ.ف.ب)
TT

اتفاق مغربي ـ إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية

الرئيس الأميركي ترمب أعلن التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ترمب أعلن التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، اتفاقاً بين المغرب وإسرائيل على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وهو ما يُعد رابع اتفاق عربي - إسرائيلي خلال الأشهر الأربع الأخيرة قبل أن تنتهي ولاية ترمب في يناير (كانون الثاني) المقبل. وأكد العاهل المغربي الملك محمد السادس، من جهته، التزامه الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ومجدداً دعمه لحل الدولتين.
وقال ترمب عبر «تويتر» أمس: «اختراق تاريخي آخر اليوم. اثنان من أعظم أصدقائنا، إسرائيل ومملكة المغرب وافقتا على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، هذا اختراق كبير لعملية السلام في الشرق الأوسط». وأشار ترمب، في تغريدة أخرى، إلى أنه وقّع إشعاراً باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهي الأراضي التي كانت تحتلها إسبانيا في جنوب المغرب.
وقال جاريد كوشنر، مهندس عمليات السلام والتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، في مؤتمر هاتفي بالبيت الأبيض، ظهر أمس (الخميس)، إن الاتفاق ينص على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين المغرب وإسرائيل، بما يشمل فتح خطوط طيران بين الرباط وتل أبيب وفتح سفارتين فوراً، وإقامة علاقات اقتصادية بين الشركات من البلدين.
وقال كوشنر للصحافيين إن هذا الاتفاق يأتي ثمرة مناقشات دبلوماسية استمرت أربع سنوات، وتم خلالها نقاش حول وضع الصحراء الغربية وسيادة المغرب عليها، وكانت رؤية الإدارة الأميركية تأييد ذلك بما يجلب الوضوح والسلام والتفاهم في الإقليم. وقال: «زرت المغرب منذ عامين، وأوضحت هدف أميركا في المنطقة في مكافحة الإرهاب والمتشددين، وإحلال السلام ودفع الجهود لتحقيق الرخاء، وهذا يوم عظيم لكل من المغرب وإسرائيل».
وأكد كوشنر أن هناك ترحيباً غير مسبوق باتفاقات التطبيع والسلام و«اتفاق إبراهيم» والدعوات المستمرة من إسرائيل لبقية الدول العربية للدخول في اتفاقات مماثلة. وقال: «الثقافة في منطقة الشرق الأوسط تغيرت، والترحيب غير مسبوق باتفاقات سلام مع إسرائيل، والجميع يرى النجاح في العلاقات والقيام بالصفقات، وكثير من الدول تريد ذلك. وسنستمر في دفع دول الإقليم للقيام بهذه الخطوة، وهذا سيجلب المسلمين والمسيحيين واليهود إلى التوحد، وقد كان ذلك هدفاً واضحاً في أول زيارة يقوم بها الرئيس ترمب إلى المنطقة، وزيارته للمملكة العربية السعودية وإسرائيل والفاتيكان».
وفي سؤال حول جهود ضم دول عربية أخرى للتطبيع مع إسرائيل، قال كوشنر إن «ما حدث حتى الآن يعد إنجازاً تاريخياً لم يكن أحد يتصوره أو يتوقعه منذ أربع سنوات». وأشار إلى أن بلاده تسعى إلى حل النزاع الخليجي حتى يعمل الجميع على منع صعود الإرهابيين والمتشددين، وكسب المعركة الآيديولوجية ضد التشدد والإرهاب.
وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس ترمب تحدث هاتفياً صباح الخميس مع الملك محمد السادس، الذي وافق، خلال المحادثة، على استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وتوسيع التعاون الاقتصادي والثقافي لدفع الاستقرار الإقليمي. وأقر العاهل المغربي بأواصر الصداقة القوية بين شعبي وحكومتي المغرب والولايات المتحدة.
وقال بيان البيت الأبيض إن ترمب أكد دعمه الجاد للمغرب، وإقرار السلام والاستقرار، وتعزيز الفرص الاقتصادية، كما اعترف الرئيس الأميركي بالسيادة المغربية على كامل أراضي الصحراء الغربية. وأضاف البيان أن الزعيمين ناقشا التعاون في مكافحة فيروس «كورونا» وسبل تقليل تداعياته الاقتصادية والمصالح المشتركة في القضايا الإقليمية الحاسمة.
ونشر البيت الأبيض نص إعلان الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، حيث قال ترمب في الإعلان إن بلاده ترى اقتراح المغرب لإقرار الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع على أراضي الصحراء الغربية، وإنه اعتباراً من (أمس) الخميس، تعترف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على كامل أراضي الصحراء. وأضاف الإعلان: «تعتقد الولايات المتحدة أن قيام دولة صحراوية مستقلة ليس خياراً واقعياً لحل النزاع، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن، ونحث الطرفين على الانخراط في مناقشات دون تأخير واستخدام خطة الحكم الذاتي، كإطار وحيد للتفاوض على حل مقبول للطرفين». وتابع الإعلان أنه «لتحقيق هذا الهدف، فإن الولايات المتحدة تشجع التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما في ذلك إقليم الصحراء الغربية، وستقوم بفتح قنصلية أميركية في إقليم الصحراء الغربية في الداخلة، لتعزيز الفرص الاقتصادية والتجارية للمغرب».
وبهذا الإعلان ينضم المغرب إلى قافلة الدول المعترفة بدولة إسرائيل في إطار «اتفاق إبراهيم» الذي وقعت عليه قبل شهرين الإمارات والبحرين في حفل تاريخي بالبيت الأبيض، برعاية الرئيس ترمب، ثم انضم السودان لاحقاً إلى مسار التطبيع. ويحاول مسؤولون في الإدارة الأميركية حث دول عربية أخرى على تطبيع العلاقات مع إسرائيل التي لديها سابقاً اتفاق سلام مع كل من مصر والأردن. وأقامت إسرائيل والمغرب علاقات دبلوماسية منخفضة المستوى خلال التسعينات من القرن الماضي، في أعقاب اتفاق السلام المؤقت بين إسرائيل والفلسطينيين. لكن المغرب علّق تلك العلاقات بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.
وفي الرباط، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس أمس أن ترسيخ مغربية الصحراء لن يكون على حساب الشعب الفلسطيني، وذلك في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء وتأكيده موافقة المغرب وإسرائيل على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بينهما.
وأشار ترمب في سلسلة تغريدات أمس إلى أنه وقّع إعلاناً - يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية -، مشيراً إلى أن المغرب اعترف عام 1777 بالولايات المتحدة، ومن المناسب أن نعترف بسيادته على الصحراء الغربية. وكان المغرب أول دولة في العالم تعترف بالولايات المتحدة.
في سياق ذلك، أجرى العاهل المغربي الملك محمد السادس، أمس، اتصالاً هاتفياً مع الرئيس ترمب. وقال بيان للديوان الملكي المغربي إنه خلال هذا الاتصال، أخبر الرئيس ترمب الملك محمد السادس بأنه أصدر مرسوماً رئاسياً، بما له من قوة قانونية وسياسية ثابتة، وبأثره الفوري، يقضي باعتراف الولايات المتحدة، لأول مرة في تاريخها، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على جميع منطقة الصحراء المغربية. وأشار الملك محمد السادس أثناء المكالمة الهاتفية مع ترمب إلى «استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الدبلوماسية في أقرب الآجال» مع إسرائيل، وفق ما جاء في بيان صادر عن الديوان الملكي.
تجدر الإشارة إلى أن المغرب والولايات المتحدة سيحتفلان العام المقبل بمرور 200 سنة على الصداقة التاريخية بين البلدين، وذلك احتفاء بتأسيس أقدم مقّر دبلوماسي أميركي في العالم، وهو المفوضية الأميركية في طنجة.
وجاء في بيان آخر صدر عن الديوان الملكي المغربي أن الملك محمد السادس أجرى أمس اتصالاً هاتفياً مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) وأطلعه على مضمون الاتصال الهاتفي الذي جمعه بالرئيس ترمب، اعتبارا للتقدير الذي يخص به الرئيس الفلسطيني. وأوضح البيان أن الملك محمد السادس أكد للرئيس عباس أن موقف بلاده الداعم للقضية الفلسطينية ثابت لا يتغير. وقد ورثه عن والده الملك الراحل الحسن الثاني.
في سياق ذلك، أبرز العاهل المغربي لعباس أن المغرب مع حل الدولتين، وأن المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع.
وبصفته رئيسا للجنة القدس، المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، أشار البيان إلى أن العاهل المغربي ما فتئ يؤكد على ضرورة الحفاظ على الوضع الخاص لمدينة القدس الشريف، وعلى احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وحماية الطابع الإسلامي للمدينة المقدسة وحرمة المسجد الأقصى. كما شدد الملك محمد السادس على أن المغرب يضع دائما القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبداً، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة.
وأوضح الملك محمد السادس لعباس بأن ملك المغرب له وضع خاص، وتربطه علاقات متميزة بالجالية اليهودية من أصل مغربي، ومنهم مئات الآلاف من اليهود المغاربة الموجودين في إسرائيل. وأضاف الملك محمد السادس «أن المغرب سيوظف كل التدابير والاتصالات التي اتفق عليها مع الرئيس الأميركي، من أجل دعم السلام بالمنطقة، وأن ذلك لا يمس بأي حال من الأحوال، الالتزام الدائم والموصول بالدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة».
وخلص البيان إلى أن الملك محمد السادس أكد لعباس، أن المغرب الذي يضع القضية الفلسطينية في صدارة انشغالاته، لن يتخلى أبدا عن دوره في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأنه سيظل «كما كان دائما، ملكا وحكومة وشعبا، إلى جانب أشقائنا الفلسطينيين، وسيواصل انخراطه البناء من أجل إقرار سلام عادل ودائم بمنطقة الشرق الأوسط».
في غضون ذلك، علمت «الشرق الأوسط» أن مساعد وزير الخارجيّة الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، الذي زار المغرب يوم 20 أكتوبر ( تشرين الأول) الماضي، حل بالرباط وفي صدارة أجندة مباحثاته إقامة المغرب علاقة دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.
ورغم أن شينكر أعلن وقتذاك في تصريحات صحافية أنّ احتمال اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء مقابل تطبيع المغرب مع إسرائيل «ليس مطروحاً على الطاولة في الوقت الحالي»، فإن الموضوع كان ضمن مباحثاته مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة.
وفي تل أبيب، رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي باستئناف العلاقات مع المغرب. وخلال كلمة ألقاها في باحة حائط المبكى (البراق) في القدس الشرقية المحتلة، وبحضور السفير الأميركي، ديفيد فريدمان، قدم نتنياهو شكره باسم شعب إسرائيل إلى الرئيس ترمب على جهوده لإقامة السلام مع الدول العربية. وقال نتنياهو: «آمنت دائماً بهذا السلام».
ووجه شكره للملك محمد السادس على تجاوبه مع مبادرة ترمب، وقراره التاريخي إقامة سلام تاريخي مع إسرائيل. وقال إن اتفاقاً بهذا الشأن سيوقع في القريب، وإن حكومته تنوي السير نحو علاقات دبلوماسية كاملة مع الرباط، وتفعيل خط طيران مباشر بينها وبين تل أبيب.
في غضون ذلك، اعتبرت حركة «حماس» قرار تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل «خطيئة سياسية».

 



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».