أغلى مطعم في أميركا ليس أميركيا

سعر الطبق الياباني في «ماسا» يبدأ من 450 دولارا

ماسا أثناء تحضيره أحد أطباقه اليابانية في مطعمه في نيويورك
ماسا أثناء تحضيره أحد أطباقه اليابانية في مطعمه في نيويورك
TT

أغلى مطعم في أميركا ليس أميركيا

ماسا أثناء تحضيره أحد أطباقه اليابانية في مطعمه في نيويورك
ماسا أثناء تحضيره أحد أطباقه اليابانية في مطعمه في نيويورك

يقع مطعم «ماسا» في الطابق الرابع في مركز «تايم وارنر». هذا ربما أكبر مركز إعلامي في نيويورك، وفي الولايات المتحدة. ويجمع بين مجلة «تايم» وشقيقاتها، واستوديوهات وأفلام وكابلات «وارنر».
افتتح المطعم الياباني ماسا تاكاياما (ومن هنا اسم المطعم: «ماسا») في عام 2004، وهو واحد من أغلى المطاعم في العالم. وأغلى مطعم في نيويورك، وفي الولايات المتحدة.
في عام 2009 بعد نجاح مطعم نيويورك، فتح «ماسا» مطعما مماثلا في عاصمة القمار واللهو، لاس فيغاس (ولاية نيفادا).
تكلف الوجبة الواحدة في مطعم نيويورك 450 دولارا، من دون مشروبات، وضرائب، وبقشيش. وفي النهاية، يمكن أن تصل القيمة إلى 700، أو ألف دولار.
ينقسم المطعم إلى قسمين:
أولا: قاعة طعام (تقدم فيها كثير من المأكولات من طاولة متحركة، أو من فرن متحرك). وفيها 26 مائدة فقط. ولا بد من الحجز، ويجب أن يؤكد الحجز قبل شهرين.
ثانيا: بار «سوشي» (وجبة يابانية أصلية تتكون من قطعة صغيرة غير مطبوخة من سمك، أو روبيان، وقطع خضراوات صغيرة، وكمية قليلة من الأرز، ثم تلف كلها في لفافة من «سي ويدز» (ورق أعشاب البحر).
تكلف اللفافة الواحدة 50 دولارا، أو أكثر (حسب نوع الطعام في داخلها). وعادة، تتكون الوجبة من 5 أو 6 لفات. أي 300 دولار للوجبة الواحدة.
وربما يعذر الشخص ارتفاع سعر هذا «السوشي» إذا قيل له بأن خشب البار وكراسيه فقط كلفت أكثر من نصف مليون دولار. وأنه خشب من نوع «هينوكي» الذي لا يوجد في العالم غير في اليابان.
يوجد على طول خشبة البار 26 كرسيا فقط. ولكل كرسي رقم، وعلى كل كرسي معلومة عن تاريخه وأصله وفصله. ولا يجلس شخص على كرسي إلا بعد أن يحجز، ثم يؤكد الحجز قبل شهر تقريبا.
تقل فترة الحجز في «بار سوشي» عن فترة حجز شهرين بالنسبة لموائد قاعة الطعام الرئيسة. هناك، تكلف الوجبة الواحدة ألف دولار تقريبا.
لهذا، ربما يفضل الشخص كرسي الـ300 دولار على مائدة الألف دولار.
ولا يستغرب الشخص المحظوظ، الذي وجد حجزا على كرسي، إذا قيل له إنه لا توجد «منيو» (قائمة طعام)، وإن الشيف هو الذي يختار نوع «سوشي» الذي سيقدمه. ويقدر الشخص على مشاهدة طريقة تجهيز مواد «سوشي»، وطريقة إعداده. وهنا فقط، سيتكلم الشيف قليلا عما يفعل. وبسبب مشكلات في اللغة، أو لهجة اليابانيين، يجب ألا يتوقع الشخص معلومات كثيرة. بل، قدم صاحب المطعم: «ماسا»، تعليمات لطباخيه ألا يكثروا من الكلام، ولا باس إذا لم يتكلموا أبدا. وقال لمجلة «تايم»: «الصمت قوة في حد ذاته. والذي لا يصمت لا يقدر على إجادة عمله».
ويجب ألا يفاجأ الشخص إذا جاء إلى البار «ماسا» نفسه، وأعلن أنه سيجهز طبق «سوشي» خاصا بالشخص، وأنه سيستعمل مأكولات «غريبة» مثل: «ترافيلز» (كمأة) من فرنسا، ولحم بقر «كوبي» من اليابان. سيقول «ماسا» إن اللحم وصل صباح اليوم. ولم يجمد، ولا يوجد لحم مجمد في كل المطعم.
ربما هذا كل ما سيقوله «ماسا»، سيرا على تعليمات «قوة الصمت». لكنه، طبعا، في النهاية، لا بد أن يسأل عن رأي الشخص فيما أكل، ويدون ذلك، ليدرسه مع مساعديه.
وعندما يغادر الشخص المكان، ربما يهمس «ماسا» في أذنه بأنه هو الذي صمم الأطباق اللامعة التي قدم فيها «السوشي»، وهي مصنوعة من طين وفخار خاص في اليابان. وأيضا، صمم أكواب مشروب «ساكي» الياباني، وهي مصنوعة من خشب البامبو. وطبعا، أيضا، من اليابان.
في عام 2009، بعد 5 أعوام من تأسيس مطعم نيويورك، حصل «ماسا» على أكثر نجوم من «دليل ميشلين» (تصنيف المطاعم الذي تشرف عليه شركة «ميشيلين» الفرنسية لإطارات السيارات، خدمة للمسافرين. وبعد 100 عام، صار دليلا لأحسن المطاعم في كل دولة). ومنذ ذلك الوقت، أعلن «ماسا»: «نجوم أكثر، لا نجوم أقل» (إشارة إلى أن عدد نجوم «ميشيلين» صار مثل ميداليات أولمبية. وكل عام، تزيد، أو تقل).
خلال الأعوام القليلة الماضية، حصل «ماسا» على نجوم من مؤسسات أخرى: 3 نجوم (من جملة 5) من قسم الطعام في صحيفة «نيويورك تايمز». و5 نجوم (من جملة 5) من مجلة «فوربز» لرجال الأعمال، و4 نجوم (من جملة 5) من «دليل موبيل» (مثل «دليل ميشيلين»، تصدره شركة «موبيل أويل» الأميركية للتنقيب عن النفط، وتصنيعه، وبيعه).
وخلال الأعوام القليلة الماضية، ظلت مجلة «فوربز» (لرجال الأعمال)، ومجلة «ليشار» (للترفيه) تعلن أن «ماسا» هو أغلى مطعم في الولايات المتحدة، وأن «بار سوشي»، داخل المطعم، هو الأغلى من نوعه في العالم.

* من هو «ماسا»؟

* اسمه بالكامل: ماسا تاكاياما. ولد في اليابان عام 1950، في عائلة تصيد السمك، وتصنع «سوشي». في الصباح الباكر، قبل المدرسة، يساعد والده ووالدته في تقطيع السمك. وفي الظهر، بعد المدرسة، يستقل دراجة، ويوزع أطباق «سوشي» على زبائن والده في منازلهم.
بعد أن أكمل المدرسة الثانوية، صار طباخا متفرغا (في وقت لاحق قال لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه كان يريد أن يكون جراحا، ثم تبسم، وقال: «وجدت تحديا أكبر في جراحة السمك عن جراحة الناس»).
كان في المدرسة الثانوية يجرب أنواع «سوشي» على زملائه التلاميذ، وأيضا على أفراد عائلته. عندما بلغ عمره 20 عاما، صار طباخا ماهرا في مطعم «سوشيكو» في حي الملاهي الراقي، حي «جنزا» في طوكيو. وعندما بلغ عمره 30 عاما، انتقل إلى لوس أنجليس، وأسس فرعا لمطعم «سوشيكو». ومنذ ذلك الوقت، عام 1980، اشتهر المطعم بأنه الأغلى في الولايات المتحدة. (كانت قيمة الوجبة في ذلك الوقت 110 دولارات).
وفي عام 2005، أعلن استقلاله من مطاعم «سوشيكو»، وانتقل إلى نيويورك، وأسس «ماسا».
ولا بد أن يسترعي «أغلى مطعم في أميركا» الانتباه. ظهر في مسلسلات تلفزيونية كثيرة: عندما يريد رجل أعمال عقد صفقة تجارية، ويريد أن يسحر شريكه، يدعوه إلى «ماسا». وعندما يريد شخص مفأجاة حبيبته بطلب يدها، يجمع ثروة العمر، ويأخذها إلى «ماسا». وعندما يثري لص من مال نهبه، يحتفل بما فعل، ويذهب إلى «ماسا».
آخر أخبار «ماسا» الرجل:
قالت صحيفة «نيويورك بوست» إنه اشترى منزلا قريبا من المطعم بـ5 ملايين دولار. وتندر للصحيفة: «الوجبات هنا مجانا. لا يدفع ضيفي 300 دولار للسوشي، أو ألف دولار للوجبة الكاملة».
وآخر أخباره أيضا: طلق زوجته اليابانية، وتزوج أميركية، وصار يلعب رياضة «غولف».
The Shops at Columbus Circle، 10 Columbus Circle، New York، NY 10019. United States



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».