السياسي بعد السلطة: فاليري جيسكار ديستان يروي شريط ذكرياته

غلاف مذكرات جيسكار ديستان
غلاف مذكرات جيسكار ديستان
TT

السياسي بعد السلطة: فاليري جيسكار ديستان يروي شريط ذكرياته

غلاف مذكرات جيسكار ديستان
غلاف مذكرات جيسكار ديستان

ماذا يفعل رجل السياسة بعد أن يترك منصبه؟ يكتب مذكراته. هذا ما فعله أوباما مؤخراً وحظي بنجاح غير مسبوق، حتماً بعشرات الملايين من الدولارات. وهذا ما فعله فاليري جيسكار ديستان بعد أن غادر قصر الإليزيه مُكرَهاً عام 1981. ما زلت أذكر كيف ودع الفرنسيين بكل حرقة ومرارة بعد هزيمته على يد فرنسوا ميتران الذي حل محله في قصر الإليزيه. لقد رأيناه يودعهم على شاشات التلفزيون وهو يكاد يبكي. ظلت حسرة في قلبه أنه خسر المعركة الانتخابية واضطر لمغادرة القصر تنفيذاً لإرادة الشعب الديمقراطية. وهذا ما لا يستطيع حتى الآن أن يقبل به شخص مثل دونالد ترمب. ما أصعب ترك الرئاسة بعد أن كنت قد ذقت حلاوة طعمها لبضع سنوات! ما أصعب أن تتركها لشخص آخر غيرك! أسهل من ذلك تجرع السم الزعاف!
لقد استمتعت كثيراً بقراءة كتاب «السلطة والحياة» لمؤلفه فاليري جيسكار ديستان. وهو في الواقع كتاب مذكرات، بل الحلقة الأخيرة في هذه المذكرات التي وصلت إلى ثلاثة أجزاء. وفيها يصب جام غضبه على جاك شيراك الذي غدر به وأتاح لميتران الانتصار. لم يغفر له جيسكار ذلك حتى آخر لحظة من حياته. نقول ذلك ونحن نعلم أن الحياة السياسية الفرنسية كانت خاضعة طيلة عشرات السنين لتنافس هذين الزعيمين الكبيرين: جيسكار - شيراك. وقد عانى اليمين الفرنسي كثيراً من هذه الظاهرة الانقسامية. ويرى الرئيس جيسكار ديستان أنه لولا خيانة شيراك لما وصل فرنسوا ميتران إلى سدة الحكم عام 1981. فانقسام اليمين الفرنسي على نفسه هو الذي أتاح وصول شخص اشتراكي إلى قصر الإليزيه. وهنا يدخل المؤلف في التفاصيل ويقول ما معناه: عندما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية عام 1980 كانت كل الدلائل واستطلاعات الرأي العام تشير إلى أني سأنتصر فيها على المرشح الاشتراكي أياً يكن. وبالتالي فقد ابتدأت سنة الترشيح بشكل جيد بالنسبة لي ولم يكن عندي أي قلق على المستقبل. كنت أعتقد جازماً أن الفرنسيين سيجددون لي مرة أخرى لسبع سنوات إضافية. ولكن بعد أن أعلن جاك شيراك ترشيحه وأخذ يهاجمني بعنف أصبح موقعي حرجاً أو ضعيفاً أمام فرنسوا ميتران. فالحزب الديغولي الذي يقوده شيراك يمثل أكبر حزب في جهة اليمين، وإذا كان لا يستطيع أن يوصل زعيمه، أي شيراك، إلى سدة الرئاسة آنذاك فإنه يستطيع أن يفشّل المرشح اليميني الآخر ذا الحظ في النجاح: أي أنا بالذات. وعلى هذا النحو ابتدأ شيراك مؤامراته علي لإسقاطي وإخراجي من قصر الإليزيه بعد أن أمضيت فيه سبع سنوات وحققت إصلاحات ونتائج لا يستهان بها بخاصة في ظل رئيس وزرائي آنذاك ريمون بار. ومعلوم أنه من أشهر علماء الاقتصاد في فرنسا، بل إن الصحافة لقبته بأفضل اقتصادي في البلاد.
ولكن كل ذلك لم يشفع لي لدى الرأي العام لأن شيراك استخدم كافة الوسائل لإضعافي وتشويه سمعتي بما فيها مساعدة عدوّه ميتران عليّ. وقد أصبح شيراك يخطط على النحو التالي: ما دام جيسكار ديستان في الحكم فإني لن أصل أنا أبدا إلى قصر الإليزيه. وبالتالي فأفضل طريقة للوصول هي أن أعمل على تنجيح ميتران الذي لن يدوم في الحكم طويلا لأن الاشتراكيين فاشلون من الناحية الاقتصادية ولم يدوموا في الحكم سابقا إلا لفترات قصيرة. وعندما يفشل ميتران ويسقط يصبح طريق الإليزيه مفتوحا على مصراعيه أمامي. على هذا النحو كان يفكر شيراك عامي 1979 - 1980، وقد استطاع أن يقنع حزبه بالمخطط الجهنمي ونجح في إسقاطي. ولكن المشكلة هي أن ميتران كان ثعلباً ماكراً فلم يسقط بعد سنة أو سنتين من حكمه كما كان يتوقع شيراك وإنما ظل في قصر الإليزيه لمدة أربعة عشر عاماً متواصلة: أي أكثر من ديغول نفسه! وهذا ما لم يكن يتوقعه جاك شيراك المستعجل جداً للوصول إلى قمة الحكم والسلطة.
ويتهم جيسكار ديستان جاك شيراك بأنه شخص مغامر لا يفكر إلا بالسلطة والنفوذ والتحكم بمصير فرنسا. إنه يريد السلطة من أجل السلطة وليس من أجل خدمة فرنسا. والدليل على ذلك هو أنه استطاع لاحقاً أن يصل إلى قصر الإليزيه ويبقى فيه اثني عشر عاماً متواصلة قبل أن يخرج مؤخراً وحصيلة حكمه مخيبة للآمال. فالزعيم الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يريد السلطة من أجل أن ينقذ البلاد أو أن يفعل شيئاً ما أو أن يحقق لشعبه إنجازات إيجابية وإضافية. وهذه هي حالة الجنرال ديغول مثلاً. فقد رفض السلطة بل ركلها برجله أكثر من مرة عندما شعر بأنه لا يستطيع أن يخدم المصلحة العامة العليا للبلاد. وهنا تكمن عظمة رجل السياسة. ولكن عندما شعر ديغول أن البلاد أصبحت بحاجة ماسة إليه لإنقاذها، فإنه سعى إلى السلطة وامتلكها وأنقذ فرنسا مرتين: مرة أثناء الحرب العالمية الثانية، ومرة ثانية إبان حرب الجزائر. وعندما شعر بأن مهمته قد انتهت غادر قصر الإليزيه معززاً مكرماً رغم أنه كان يستطيع أن يظل فيه لفترة إضافية أخرى. ولكنه لم يتمسك بالكرسي على عكس ميتران وشيراك. ولكن هل يمكن أن نقارن الأقزام بالعمالقة؟
مهما يكن من أمر فإن جيسكار ديستان يعتبر شيراك سبب انحطاط فرنسا في السنوات الأخيرة. ثم يعيب عليه شيئاً آخر ألا وهو نزعته الزبائنية الهادفة إلى التحكم بكل المناصب العليا في البلاد وإعطائها لجماعته المقربة منه. فالسلطة في نظره هي غنيمة. وعندما يصل إليها ينبغي أن تصبح مسخّرة ليس لخدمة الشعب الفرنسي (هذا كلام للاستهلاك المحلي) وإنما لخدمة عصابته وحزبه وجماعته فقط. وهذا أخطر شيء يمكن أن يصيب البلاد الديمقراطية، فالرئيس الحقيقي ليس هو ذلك الذي يضع جماعته في كل مناصب الدولة للاستفادة الشخصية منها وإنما هو ذلك الذي يضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وعلى هذا النحو تنجح البلاد اقتصادياً وسياسياً وتنموياً وكل شيء. أما شيراك فعنده مفهوم آخر للسلطة مختلف تماماً: إنه مفهوم انتهازي بالخالص. ولذلك تأخرت فرنسا في عهده ولم تحقق شيئاً. والآن أصبح ملاحقاً من قبل المحاكم في عدة قضايا تخص الرشى واستغلال المنصب لأهداف شخصية والثراء غير المشروع.
ثم يحمل جيسكار ديستان على غريمه السابق حملة شعواء عندما يتهمه بالخيانة والغدر فعندما اقترب موعد الانتخابات الحاسمة عام 1981 اكتشف جيسكار أن شيراك أعطى أوامر سرية لجماعته ليس لكي يمتنعوا عن التصويت، وإنما لكي يصوتوا للمرشح الاشتراكي ميتران! بالطبع فإنه صرح ظاهرياً بأنه سيصوت للرئيس جيسكار ديستان، ولكنه سراً أعطى أوامر معاكسة كما قلنا، وعندما سمع جيسكار بالنبأ جن جنونه ولم يكد يصدق في البداية. ولكي يقطع الشك باليقين فإنه راح يتصل شخصياً بمقر الحزب الديغولي الشيراكي في باريس. ولكيلا يعرفوا صوته أو يكتشفوه فإنه وضع منديلاً على سماعة التلفون لتغيير الصوت لأن صوت جيسكار متميز جداً ومعروف في كل أنحاء فرنسا. وقد ردت عليه في البداية سكرتيرة مناوبة في الحزب قائلة: ماذا تريد؟ قال لها: أنا عضو في الحزب من منطقة الشانزليزيه وأريد أن أعرف لمن ينبغي أن أصوت. فقالت له: ألم تسمع بالأوامر؟ قال: لا أبداً. قالت له: ليس لجيسكار! ثم طلبت منه أن ينتظر قليلاً لكي يتكلم معه أحد المسؤولين الكبار في الحزب، وبالفعل فقد أمسك هذا الأخير بسماعة التلفون وقال له بغضب: يا أخي أما قلنا لكم: صوتوا لميتران؟ نريد إسقاط هذا الرجل جيسكار ديستان! فقال له جيسكار: شكراً على هذه المعلومة وأغلق الخط.
لم يكشف الرئيس الفرنسي السابق الغطاء عن هذا الخبر إلا بعد مرور ربع قرن أو أكثر على مغادرته لقصر الإليزيه وقد كشفها في الوقت الذي كان فيه شيراك على أبواب الرحيل لتبيان مدى سوء نيته وميله إلى الخيانة والغدر. ولكن جيسكار نسي الحقيقة التالية وهي أنه لولا خيانة شيراك لجاك شابان ديلماس المرشح الديغولي عام 1974 لما وصل هو شخصياً إلى سدة الرئاسة الفرنسية. وبالتالي فشيراك مستعد لفعل أي شيء من أجل تحقيق مآربه الشخصية والوصول إلى السلطة بأي شكل. ولكن لماذا كل هذا الركض المحموم وراء السلطة؟ فقط من أجل الأبهة والمظاهر والاستمتاع بها إلى أقصى حد ممكن. هذا هو ملخص رأي جيسكار بالسلطة والحياة والغريم الذي أقض مضجعه: جاك شيراك!
أخيراً أعترف بأن أول شخصية رأيتها على التلفزيون عندما وصلت إلى فرنسا خريف عام 1976 كانت شخصية جيسكار ديستان، وذلك لأنه كان رئيساً للبلاد آنذاك. وقد فوجئت بمظهره النبيل المتعالي. كان يجسد الأرستقراطية الفرنسية في أعلى ذراها تألقاً. وفوجئت أكثر بمدى ذكائه وألمعيته وقدرته على جذب المشاهدين بطريقة معينة في الكلام. كان يسيطر على أفكاره بشكل منهجي وبيداغوجي مدهش. وبالتالي فقد ترك رحيله مؤخراً أثراً في نفسي لأنه اختلط بأولى ذكرياتي على الأرض الفرنسية. دائماً البدايات بهيجة. ولكن النهايات؟ الله يستر. الآتي أعظم. أين ذهبت البراءات الأولى؟ كل شيء تبخر. ولكن لماذا أحشر نفسي في كل شاردة وواردة وأنا أتحدث عن رحيل شخصية عالمية؟ ما علاقتي بالموضوع؟ ما هذه النرجسية التي لا تحتمل ولا تطاق؟



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.