ديبرصيون جبريميكئيل... الزعيم {الخجول} يقود تمرّد التيغراي ضد الحكم الإثيوبي

مدمن عمل يهوى التنس والاتصالات

ديبرصيون جبريميكئيل... الزعيم {الخجول} يقود تمرّد التيغراي ضد الحكم الإثيوبي
TT

ديبرصيون جبريميكئيل... الزعيم {الخجول} يقود تمرّد التيغراي ضد الحكم الإثيوبي

ديبرصيون جبريميكئيل... الزعيم {الخجول} يقود تمرّد التيغراي ضد الحكم الإثيوبي

لم يكن أحد يتوقع أن ذلك الرجل الذي يصفه أصدقاؤه بـ«مدمن العمل الخجول»، الذي يعشق العمل في الخفاء، والذي كان دائماً يقول إن «هدفه تحقيق التنمية التكنولوجية باعتبارها المحرك الرئيسي لتقدم شعبه»، سيكون اليوم تحت الأضواء بصفته محركاً للصراع في إقليم التيغراي الإثيوبي، وواحداً من الأسماء على قائمة المطلوبين
من قبل الحكومة الإثيوبية.
لكن على ما يبدو أن ديبرصيون جبريميكئيل، زعيم إقليم التيغراي، كان يعد لهذا الصراع منذ فترة، عندما دعا الشباب، في أحد المؤتمرات في ميكيلي، عاصمة الإقليم عام 2018، إلى «الاستعداد لكل الاحتمالات»؛ وذلك عقب هزيمته في الانتخابات أمام التحالف الحاكم الآن برئاسة آبي أحمد في أبريل (نيسان) 2018.
للعلم، معظم سكان إقليم التيغراي من المسيحيين الأرثوذكس، ويضم الإقليم الواقع في شمال إثيوبيا أنقاض مدينة أكسوم، إحدى المدن المسجلة على قائمة التراث العالمي، ويرجع تاريخها للفترة ما بين القرن الأول والقرن الثالث عشر، وتضم قلاعاً ومقابر ملكية وكنيسة، وتعتبر اللغة التيغرينية، هي اللغة الرئيسية في الإقليم، ومن أهم موارده
محصول السمسم.

ديبرصيون جبريميكئيل، الرجل الذي دفعت به الأحداث إلى واجهة السياسة الإثيوبية، من مواليد عام 1950 في إقليم التيغراي بشمال إثيوبيا. نشأ وترعرع في مدينة شيرا إندا بالإقليم، حيث عُرف بين أصدقائه بـ«فتى المدينة الذكي المتحفظ». وهو متزوج وأب لطفل، وهو إن كان يهوى ممارسة الرياضة – وبالأخص، كرة المضرب (التنس) – فإنه يعشق العمل والسياسة أكثر، حتى إنه كان يعمل في الإجازة، يوم السبت. وحقاً يصف جبريميكئيل حياته بأنها «غريبة»؛ إذ استطاع أن ينتقل من مقاتل غير نظامي، يختبئ في جبال التيغراي الوعرة، إلى سدة الحكم فيغدو وزيراً للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ونائباً لرئيس للوزراء، ورئيساً لإقليم التيغراي. وهو دينياً ينتمي إلى أسرة مسيحية أرثوذكسية، ويعني اسمه الأول «جبل صهيون»، بينما يعني اسم والده «خادم القديس ميخائيل».
- بداية النضال
تميّز جبريميكئيل منذ صغره بتحصيله العلمي؛ إذ كان يوصف بأنه «أفضل طلاب الإقليم، وكان دائماً يحصل على درجات ممتازة». ويقال إنه برع منذ صغره في التكنولوجيا، حيث كان يصلح البطاريات والمعدات الكهربائية، واستطاع أن يصنع مصباحاً من الخردة عندما طالب في المرحلة الابتدائية. لكن يبدو أن طموح فتى المدينة السياسي، كان أكبر من طموحه العلمي؛ إذ ترك جامعة أديس أبابا في عقد السبعينات من القرن الماضي، لينضم مراهقاً إلى صفوف المقاتلين في الحرب التي كانت تقودها جبهة تحرير التيغراي ضد نظام الحكم الماركسي في إثيوبيا في ذلك الوقت. ومعلوم، أن جبهة تحرير التيغراي هي حركة ثورية إثيوبية قادت حرباً ضروساً لمدة 17 سنة، ضد نظام الحكم الماركسي، واستطاعت الانتصار... ومن ثم السيطرة على السلطة منذ عام 1991 وحتى مجيء آبي أحمد في انتخابات عام 2018، عندما خسرت فيها الجبهة والتحالف الذي تمثله بعدما أصبحت نموذجاً للقمع السياسي على مدار أكثر من 27 سنة.
بعد ترك جبريميكئيل الجامعة وصعود السياسي والعسكري ضمن صفوف جبهة تحرير التيغراي في السبعينات، تولى عام 2005 منصب مدير هيئة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإثيوبية. وأطلق عام 2007 مشروعاً للبنية التحتية للاتصالات بتكلفة مليار ونصف المليار دولار، وفي عام 2012 عُيّن وزيراً للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ونائباً لرئيس لوزراء. وبعدها، في عام 2015 ساهم في إطلاق منطقة تجارة حرة مع السودان، وفي عام 2017 قاد مشروع إنشاء حديقة تكنولوجية، وكان عازماً على إنشاء المزيد من حدائق التكنولوجيا، وفي العام نفسه انتخب رئيساً لجبهة تحرير التيغراي، ثم في يناير (كانون الثاني) عام 2018 انتخب نائباً لرئيس إقليم التيغراي.
ويبدو أن تميز جبريميكئيل العلمي، دفع قادة الجبهة في وقت مبكر إلى ضمه للوحدة الفنية، وهناك ساهم في تطوير قدرات الجبهة الاستخباراتية، وبالذات لجهة التجسس على محادثات الجيش الإثيوبي، والتشويش على اتصالاته اللاسلكية، وهو ما لعب دوراً كبيراً في تمكين الجبهة من الانتصار في الحرب. وعن تلك المرحلة يقول جبريميكئيل، ضمن تصريحات منشورة في كتاب «سياسة الاتصالات في أفريقيا» لإيجينو غالياردوني، إن «الاتصالات كانت محور المعركة، بل كانت عنصراً أساسياً في كفاحنا». ويضيف «كنا نحتاج فعلاً لتحويل الناس لجعلهم يفكرون بطريقة مختلفة، ودون اتصالات جيدة وعميقة لن تتمكن من تغيير الناس».
- إذاعة صوت الثورة
وبالفعل، لتطوير مهاراته الفنية، أرسلته الجبهة إلى إيطاليا بجواز سفر مزور لدراسة تكنولوجيا الاتصالات. وفور عودته عمل مع فريق من أعضاء الجبهة على إطلاق إذاعة باسم «ديمتسي وياني» - التي تعني «صوت الثورة» – عام 1980، وقادت هذه الإذاعة حرباً دعائية ضد النظام الماركسي الحاكم في البلاد بقيادة منغستو هيلا مريام. واشتهر جبريميكئيل في تلك الفترة كأحد «أبرز المقرصنين الإلكترونيين» الذين كانوا يقودون عمليات التشويش والقرصنة على أنظمة بث الراديو والتلفزيون للنظام. كما «كانوا يحمّلون معدات البث الصغيرة على الحمير والجمال ويختبئون في الجبال من أجل تفادي تعقبهم»، بحسب ما ذكره نيكول ستريملو في كتابه «الإعلام، الصراع، والدولة في أفريقيا».
وللعلم، ما زالت هذه الإذاعة موجودة حتى الآن، جزءاً من مجموعة إعلامية متعددة اللغات، مقرها ميكيلي عاصمة إقليم التيغراي. ولعبت هذه الإذاعة دوراً يستحق الذكر إبان الصراع الأخير، حين أصدرت بيانات ضد آبي أحمد؛ ما عرّضها للتشويش، قبل أن تعود للبث مرة أخرى.
من ناحية أخرى، عقب انتصار جبهة تحرير التيغراي، في حربها التي استمرت 17 سنة، وسيطرتها على الحكم عام 1991، التحق جبريميكئيل بجامعة أديس أبابا مجدداً، وحصل منها على شهادة البكالوريوس والماجستير في الهندسة الإلكترونية، ووفق المعلومات المتوافرة فإنه حصل على دكتوراه عن بعد من جامعة كابيلا (جامعة أميركية ربحية) عام 2011، عن «اتجاهات مستخدمي التكنولوجيا وفاعلية التكنولوجيا في مكافحة الفقر في إثيوبيا». ويظهر في تصريحات جبريميكئيل المتكررة اهتمامه الكبير بالتكنولوجيا والتحول الرقمي، لكنه في الوقت ذاته يرى أن تغيير عقل البشر وطريقة تعاملهم مع التكنولوجيا هو أهم تحدٍ يواجه عملية التحول الرقمي.
- اتهامات بالقتل والتعذيب والتجسس
ولكن، بعيداً عن التكنولوجيا، كانت سياسة ديبرصيون جبريميكئيل وطريقته في الإدارة ولا تزالان محل خلاف بين أنصاره ومعارضيه؛ ما يجعلك المرء عندما يقرأ عنه يشعر وكأنه أمام شخصين مختلفين، فهو بين أنصاره رجل خجول، ومتحفظ، وودود، ومجامل، وبخاصة مع الأجانب. ولقد قاد برامج إصلاحية، وساهم في تنمية البلاد تكنولوجيا، ودائماً ما يقول إن «بابه مفتوح للجميع»... ثم إنه هو خبير اتصالات مؤمن بأهمية التكنولوجيا في تنمية المجتمع. وسبق له أن قال في أكثر من لقاء، إن «التكنولوجيا هي محرك التنمية، ولا بد معها من تغيير العقول والثقافة، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه عملية التحول التكنولوجي».
ومما لا شك فيه أنه ساهم في تحسين الخدمات العامة بإطلاق برنامج دعم القدرات التكنولوجية، كما تولى خلال فترة وجوده في الحكومة الإثيوبية إدارة تحالف الطاقة الكهربائية، وحاول تحديث قطاع الطاقة الذي يخدم 115 مليون شخص، وأشرف على مشروع «سد النهضة»، واستمر في منصبه حتى تولي آبي أحمد الحكم. كذلك كان له دور مهم دور في توسيع خدمات تغطية الهاتف المحمول، وإنشاء حديقة لتكنولوجيا المعلومات في أديس أبابا.
غير أن لمعارضيه آراء أخرى فيه، فهو بالنسبة لهم هذا الرجل الذي كان واحداً من القيادات في إدارة جبهة تحرير التيغراي الأمنية، وحمل اسم 06. وهذه الإدارة متهمة بتعذيب وقتل مقاتلي الجبهة الذين لا يعتنقون آيديولوجيتها، وأيضاً المدنيون الذين يرفضون دعم الجبهة وأفكارها، ويُقال إن جبريميكئيل شارك مع زملائه في الإدارة الأمنية في قتل عدد غير محدود من المقاتلين.
في أي حال، بعدما التحق جبريميكئيل بالعمل السياسي عام 2005، عُيّن مديراً لوكالة المعلومات وتنمية الاتصالات الإثيوبية – التي كانت قد أسست عام 1995، وكذلك تولى منصب نائب مدير هيئة الاستخبارات الوطنية، وكان مسؤولاً عن إدارة برنامج للتحكم في الخدمات التكنولوجية الحكومية، وهو ما أتاح له مراقبة الإيميلات والمعلومات الشخصية للمعارضة والصحافيين، والمدنيين، وفقاً لتقارير منظمات حقوق الإنسان. ومن ثم، فإنه يتهم بكونه جزءاً لا يتجزأ من «سياسة حكومية» تهدف للسيطرة على الاتصالات واحتكارها من قبل الدولة، وقطع خدمات الإنترنت عن الشعب إبان الاحتجاجات. ومع أنه أصبح «الرجل القوي» بعد وفاة مِلِس زيناوي، رئيس وزراء إثيوبيا في الفترة من عام 1995 وحتى 2012، فإن المراقبين يرون أن المقارنة بين الرجلين ليست في صالح جبريميكئيل؛ إذ إن زيناوي كان متحدثاً لبقاً ولسناً، بعكس جبريميكئيل الذي يوصف بالخجل والهدوء وقلة الكلام، كما أنه «لا يحظى بكاريزما سياسية تمكنه من جمع الناس حوله».
- في قيادة الإقليم
انتخب ديبرصيون جبريميكئيل – كما سبقت الإشارة – رئيساً لحزبه عام 2017، وأصبح رئيساً لإقليم التيغراي بعد انتخابات عقدت في سبتمبر (أيلول) الماضي، حاصلاً على نسبة 98 في المائة من الأصوات. إلا أن حكومة آبي أحمد ادعت أن تلك الانتخابات غير شرعية، إذ اتخذت الحكومة قراراً بتأجيلها بسبب تداعيات ڤيروس «كوفيد - 19»، وهو ما أشعل الصراع بين آبي أحمد وجبريميكئيل، ليصار على الأثر إلى وضع الأخير على قوائم المطلوبين الذين تلاحقهم الحكومة حالياً.
جبريميكئيل ما زال يرفض التفاوض، معلناً استمراره في الدفاع عن أرضه، وقائلاً «نحن رجال مبادئ ومستعدون للموت دفاعاً عن حقنا في إدارة منطقتنا». ولكونه يعتبر نفسه أحد المقاتلين الذين قدموا كل شيء من أجل مصلحة الشعب والأمة، فإنه يتحدى، مؤكداً «لا يمكنني التراجع، ومهما كانت الظروف سأبذل قصارى جهدي لأقدم المزيد».
جدير بالذكر، أن الصراع بين الرجلين يعود إلى عام 2018، عندما كان فاز آبي أحمد في المنافسة على منصب رئيس التحالف الحكومي، ويومذاك كان جبريميكئيل بين المرشحين، لكنه لم يحصل سوى على صوتين، وفي ذلك الحين علّق قائلاً «آبي أحمد غير ناضج، وهو ليس المرشح المناسب»، وفي الحقيقة، لم تكن هذه النتيجة غريبة بعد سنوات من حكم التحالف الذي تسيطر عليه جبهة تحرير التيغراي، بالديكتاتورية وقمع المعارضة.
لكن الهزيمة المتوقعة لم تمنع عبارات الود والترحيب المتبادلة في بداية حكم آبي أحمد، عندما قال رئيس الوزراء الإثيوبي، إن «التيغراي رحم إثيوبيا، وهي المكان الذي تعرّض فيها الغزاة للهزيمة، وفيه يُطهى تاريخنا»، بينما رحب جبريميكئيل باتفاق السلام الذي وقعه آبي أحمد مع إريتريا منهياً حالة الجمود السياسي بين البلدين، بعد سنوات النزاع الحدودي من 1998 و2000، وقال إنها «اتفاقية كبيرة ستوفر فرصاً هائلة للبلاد». وهنا، نذكر أنه كان هناك تحالف طال لمدة 17 سنة بين جبهة تحرير التيغراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، حيث خاضت الجبهتان الحرب معاً للإطاحة بحكم منغستو هيلا مريام... تلك الحرب التي راح ضحيتها نحو 60 ألف شخص، وتسببت في تشريد مئات الآلاف. وبعد انتهاء الحرب دعم مِلِس زيناوي، صديقه آسياس أفورقي (الزعيم الإريتري) للحصول على الاستقلال في مايو (أيار) 1991، إلا أن التحالف لم يدم طويلاً. إذ بدأت إريتريا المطالبة بترسيم الحدود، وهذا ما أشعل صراعاً بين البلدين في جولتين عامي 1998 وعام 2000، إلا أن جاء آبي أحمد ووقع اتفاق سلام لإنهاء حالة الجمود السياسي بين البلدين، وكوفئ على هذا الإنجاز بمنحه جائزة نوبل للسلام.
أيضاً، لم تدم حالة الود بين جبريميكئيل وآبي أحمد طويلاً. فعندما أقدم آبي أحمد على حل الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، وأسس حزب الازدهار، خلال العام الماضي - بهدف توحيد البلاد، بعيداً عن العرقيات - رفضت جبهة تحرير التيغراي الانضمام لحزب آبي أحمد الجديد، وانسحبت إلى إقليمها ليبدأ الصراع الخفي، ومن ثم اشتعل على الأرض قبل ثلاثة أسابيع.
- مخاوف الحرب الأهلية
مع أن ديبرصيون جبريميكئيل يعد من الزعماء الإصلاحيين في الإقليم، ودائماً ما يردد أنه «يسعى للتنمية وليس الحرب، حيث سمح لأربعة أحزاب جديدة بالظهور وخوض الانتخابات في إقليم التيغراي (وهي الانتخابات التي فاز بها برئاسة الإقليم)، إلا أنه على الأرض أصبح محركاً للصراع والحرب. هذه الحرب التي أجبرت نحو 40 ألف شخص من سكان إقليم التيغراي على الفرار إلى السودان، وشردت الآلاف، وأضرت بالبنية التحتية في المنطقة، وسط مخاوف من أن تدخل البلاد في حرب أهلية مدمرة.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.