تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي: استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي

نموذج لإضعاف الإسلاميين واليساريين دون إقصائهم

تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي:  استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي
TT

تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي: استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي

تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي:  استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي

بعد 4 أعوام من الإطاحة بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، يتساءل المراقبون في تونس وخارجها عن حصيلة «مرحلة الانتقال الديمقراطي»، التي عرفت فيها البلاد 5 حكومات، وهي تستعد لتنصيب السادسة تكريسا لنتائج انتخابات الأسابيع الماضية.
كما يتساءل المتابعون لإخفاقات «الثورات العربية» في ليبيا ومصر وسوريا واليمن إن كانت تونس نجحت فعلا في تقديم «استثناء سياسي تعددي وانتخابي نزيه» بفضل نخبها ومجتمعها المدني وعدد من ساستها الذين لجأوا إلى «التوافق» وخيار «التنازلات المتبادلة»، بهدف استبعاد سيناريو جر البلاد نحو «المنعرج الأمني والعسكري»، أم لا.. وكذلك عن الحصيلة النهائية لحكام تونس الجدد في مناخ إقليمي تبدو فيه بلادهم مهددة في موازناتها الاقتصادية وفي أمنها الاجتماعي والسياسي لأسباب معقدة، بينها «تعفن» المناخ الأمني حولها واستفحال مخاطر الإرهاب على حدودها.
حسب تأكيدات وزير التنمية الاقتصادية والتعاون الدولي التونسي السابق رياض بالطيب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن من بين أبرز التحديات التي تواجه تونس بعد سنوات من ثورتها مسألة إنقاذ الاقتصاد التونسي الذي «يغرق في بحر من الهزات والأزمات» منذ 4 أعوام لأسباب عديدة، من بينها «استفحال أزمة في دول الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال شريك تونس بنسبة 75 في المائة تصديرا وتوريدا واستثمارا وسياحة».
وأقر الوزير التونسي السابق بأن «من أوكد مطالب الفقراء والعاطلين عن العمل والشباب الذي ثار ضد السلطات قبل 4 أعوام ضرورة تقدم نخبه الحاكمة والمعارضة بمقترحات عملية لإخراج الاقتصاد التونسي من (عنق الزجاجة)، ومن تخبط الحكومات المتعاقبة والأطراف الاجتماعية والاقتصادية بين مشاكل ضعف النمو وارتفاع مؤشرات البطالة والفقر والتهميش واستفحال نسب التداين والتضخم». ويساير جل ساسة تونس من مختلف التيارات المتخوفين من حجم التحديات الاقتصادية الاجتماعية والأمنية، في بلد تضاعف فيه عدد العاطلين عن العمل منذ «ثورة الشباب والعاطلين» عوض أن يتقلص.. وناهز لأول مرة الـ700 ألف، بينهم 250 ألفا من حاملي الشهادات.
لكن الساسة «المتفائلين» بمستقبل تونس، مثل الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية الجديد وبعض مستشاريه مثل شاكر بسباس ومحمود بن رمضان وبوجمعة الرميلي، يقللون من حجم الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية «لحكومات ما بعد الثورة»، رغم انتقاداتهم اللاذعة لأداء حكومتي حركة النهضة بزعامة القياديين البارزين فيها حمادي الجبالي وعلي العريض.
ويلتقي هؤلاء مع خصومهم الإسلاميين وحلفائهم في «الترويكا» السابقة في التأكيد على أن الأعوام الأربعة الماضية كانت أساسا «للبناء السياسي ووضع أسس نظام ديمقراطي تعددي» و«دستور تقدمي توافقي» قبل البدء في مشوار «التنمية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الشاملة». والأهم بالنسبة لهؤلاء هو البرهنة على «عظمة الشعب» الذي «نجح في تنظيم 4 انتخابات عامة شفافة وتعددية في مدة ثلاثة أعوام، بينها 3 انتخابات برلمانية ورئاسية في ظرف شهرين»، على حد تعبير الجامعي شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة لتنظيم الانتخابات.
حكيم حمودة، وزير الاقتصاد والمالية في «حكومة التكنوقراط» بزعامة المهدي جمعة، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتخابات ومجمل الإصلاحات القانونية والدستورية وضعت القطار على سكته.. وعلى الحكام الجدد الذين أفرزتهم الانتخابات أن يتابعوا مشوار البناء ومعالجة ملفات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومن بينها التحكم في ملفات البطالة والمديونية.. إلى جانب المضي بقوة في خطة محاربة الإرهاب والتطرف».
فهل ستتحقق هذه المهمة في مرحلة لا تزال فيها الصراعات السياسية والآيديولوجية على أشدها داخل تونس وفي محيطها الإقليمي خاصة في جارتيها ليبيا وفرنسا؟
الإجابة عن مثل هذا التساؤل تظل في نظر مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الجامعة التونسية رضا الشكندالي «رهنا لتطورات الوضع الاقتصادي التونسي، بهشاشته نسبيا وبأزماته الهيكلية وبشركات صغرى ومتوسطة أغلبيتها الساحقة يمر بصعوبات»، وهي، حسب تأكيدات الوزير السابق للتنمية الاقتصادية رياض بالطيب «من صنف الشركات التي تتوقف عن التوظيف وعن التوسع بعد عامين من تأسيسها.. أي أنها تصبح عاجزة عن تطوير استثماراتها وقدراتها على إحداث موارد رزق جديدة».
ومن بين ما يشغل ساسة تونس، بعد 4 أعوام من سقوط بن علي، تراكم الاضطرابات الأمنية في الداخل، وفي البلدان المجاورة لها خاصة في ليبيا التي صدرت لها نحو ثلث سكانها منذ سقوط القذافي.. في وقت تزايدت فيه تخوفات ساسة تونس من رسميين ومعارضين من مخاطر «خنق الاقتصاد التونسي وتجفيف موارد عيش محافظات الجنوب التي تعتمد منذ عقود على الشراكة مع ليبيا، والتي أصبحت اليوم محرومة من تلك الموارد ومهددة بتدفق مزيد من الفارين من الحرب الأهلية الليبية ومن جرائم الجماعات الإرهابية والعصابات المسلحة التي انتعشت فيها بنسق سريع».
في الوقت نفسه، يعتقد كثير من السياسيين والخبراء التونسيين، مثل القيادي اليساري في حزب نداء تونس ناجي جلول، أن «من بين نقاط ضعف حكومات الأعوام الماضية خاصة حكومتي (الترويكا) إخفاقات سياستها الخارجية، وتدهور علاقاتها بعدد من العواصم العربية والإسلامية والدولية خاصة العواصم الخليجية والجزائر ومصر».
في السياق نفسه، اعتبر الخبير رضا الشكندالي أن «تونس فشلت خلال الأعوام الأربعة الماضية في أن تعوض خسائر البلاد في مرحلة الثورة وبعدها عبر الاعتماد على ذراع مالية عربية قوية قد تكون المملكة العربية السعودية أو الكويت أو بلدا أوروبيا قويا مثل ألمانيا».
كما قدر العميد السابق لكلية الحقوق والاقتصاد، الصادق بلعيد، أن «من بين إخفاقات حكومات الأعوام الماضية العجز عن رسم استراتيجية سياسية أمنية اقتصادية يمكن أن تصبح تونس بموجبها قاعدة مالية بين ليبيا والجزائر.. ويمكن أن تجد تمويلات من مصادر عربية ودولية مختلفة، لتمويل مؤسسات تأمين (رأس مال المخاطر)، وبورصة إقليمية قوية، ومؤسسات إسناد محلية وإقليمية».
واعتبر الوزير السابق رياض بالطيب أن «بناء المنوال الجديد للتنمية» يستوجب تنويع شركاء تونس الدوليين والانفتاح أكثر على «الاقتصادات الصاعدة» مثل الصين وتركيا واليابان وبلدان آسيا وأميركا اللاتينية، وعلى غرار ما ورد في تقرير البنك الدولي مؤخرا عن تونس «تقليص الفجوة بين الشركات المصدر كليا والمؤسسات الموجهة إلى السوق الداخلية».
إلا أنه رغم كل المؤشرات السلبية والدلائل على «فشل حكومات ما بعد الثورة» يعتقد عدد من الخبراء أن «الأوضاع مرشحة لأن تتحسن اقتصاديا واجتماعيا ومن ثم أمنيا وسياسيا بصفة جوهرية، بعد النجاحات السياسية، خاصة بعد حسن تنظيم الانتخابات وبروز دلائل على اختيار حكومة مستقرة قد تتمكن من القيام بإصلاحات كثيرة، وبينها تفعيل الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي خاصة مكاسب (خطة العمل) التي تكرس (اتفاقية الشريك المميز)». ويراهن المتفائلون بمستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية في تونس على أن تسهم الخطوات التي قطعتها مصالح الأمن التونسية بالشراكة مع الدول العربية والأوروبية خلال العامين الماضيين في القضاء على الإرهاب وخلاياه النائمة، وتجنب سقوط مزيد من الضحايا المدنيين والأمنيين والعسكريين في عمليات إرهابية.
ولئن كان التوافق بين الليبراليين والإسلاميين واليساريين من بين «نقاط القوة» في تونس، فإن «النموذج التونسي» شد الانتباه في كونه وفق بين «إبعاد الزعامات الإسلامية واليسارية والقومية عن الصدارة» دون إقصائهم من اللعبة، بل إن المنهج المتبع مكن من تحقيق تفوق للعلمانيين والليبراليين في الانتخابات مع فوز منافسيهم الإسلاميين واليساريين بالمرتبتين الثانية والثالثة.
في الأثناء، فإن التوافق بين زعيم المعارضة العلمانية سابقا الباجي قائد السبسي من جهة، وزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي من جهة ثانية، كان من أبرز أسباب «التهدئة» ونجاح «الحوار الوطني» العام الماضي في تونس بمشاركة النقابات وقادة أبرز الأحزاب. وإجمالا فإن «التوافقات والتنازلات المتبادلة بين الأغلبية والأقلية مكنت المجتمع المدني التونسي من أن يجنب البلاد سيناريوهات الانقلابات العسكرية والأمنية والصدامات العنيفة القديمة الجديدة بين الإسلاميين وخصومهم»، مثلما جاء على لسان الخبير علية العلاني.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.