تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي: استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي

نموذج لإضعاف الإسلاميين واليساريين دون إقصائهم

تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي:  استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي
TT

تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي: استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي

تونس بعد 4 أعوام من إطاحة بن علي:  استفحال الأزمات رغم النجاح السياسي

بعد 4 أعوام من الإطاحة بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، يتساءل المراقبون في تونس وخارجها عن حصيلة «مرحلة الانتقال الديمقراطي»، التي عرفت فيها البلاد 5 حكومات، وهي تستعد لتنصيب السادسة تكريسا لنتائج انتخابات الأسابيع الماضية.
كما يتساءل المتابعون لإخفاقات «الثورات العربية» في ليبيا ومصر وسوريا واليمن إن كانت تونس نجحت فعلا في تقديم «استثناء سياسي تعددي وانتخابي نزيه» بفضل نخبها ومجتمعها المدني وعدد من ساستها الذين لجأوا إلى «التوافق» وخيار «التنازلات المتبادلة»، بهدف استبعاد سيناريو جر البلاد نحو «المنعرج الأمني والعسكري»، أم لا.. وكذلك عن الحصيلة النهائية لحكام تونس الجدد في مناخ إقليمي تبدو فيه بلادهم مهددة في موازناتها الاقتصادية وفي أمنها الاجتماعي والسياسي لأسباب معقدة، بينها «تعفن» المناخ الأمني حولها واستفحال مخاطر الإرهاب على حدودها.
حسب تأكيدات وزير التنمية الاقتصادية والتعاون الدولي التونسي السابق رياض بالطيب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن من بين أبرز التحديات التي تواجه تونس بعد سنوات من ثورتها مسألة إنقاذ الاقتصاد التونسي الذي «يغرق في بحر من الهزات والأزمات» منذ 4 أعوام لأسباب عديدة، من بينها «استفحال أزمة في دول الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال شريك تونس بنسبة 75 في المائة تصديرا وتوريدا واستثمارا وسياحة».
وأقر الوزير التونسي السابق بأن «من أوكد مطالب الفقراء والعاطلين عن العمل والشباب الذي ثار ضد السلطات قبل 4 أعوام ضرورة تقدم نخبه الحاكمة والمعارضة بمقترحات عملية لإخراج الاقتصاد التونسي من (عنق الزجاجة)، ومن تخبط الحكومات المتعاقبة والأطراف الاجتماعية والاقتصادية بين مشاكل ضعف النمو وارتفاع مؤشرات البطالة والفقر والتهميش واستفحال نسب التداين والتضخم». ويساير جل ساسة تونس من مختلف التيارات المتخوفين من حجم التحديات الاقتصادية الاجتماعية والأمنية، في بلد تضاعف فيه عدد العاطلين عن العمل منذ «ثورة الشباب والعاطلين» عوض أن يتقلص.. وناهز لأول مرة الـ700 ألف، بينهم 250 ألفا من حاملي الشهادات.
لكن الساسة «المتفائلين» بمستقبل تونس، مثل الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية الجديد وبعض مستشاريه مثل شاكر بسباس ومحمود بن رمضان وبوجمعة الرميلي، يقللون من حجم الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية «لحكومات ما بعد الثورة»، رغم انتقاداتهم اللاذعة لأداء حكومتي حركة النهضة بزعامة القياديين البارزين فيها حمادي الجبالي وعلي العريض.
ويلتقي هؤلاء مع خصومهم الإسلاميين وحلفائهم في «الترويكا» السابقة في التأكيد على أن الأعوام الأربعة الماضية كانت أساسا «للبناء السياسي ووضع أسس نظام ديمقراطي تعددي» و«دستور تقدمي توافقي» قبل البدء في مشوار «التنمية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الشاملة». والأهم بالنسبة لهؤلاء هو البرهنة على «عظمة الشعب» الذي «نجح في تنظيم 4 انتخابات عامة شفافة وتعددية في مدة ثلاثة أعوام، بينها 3 انتخابات برلمانية ورئاسية في ظرف شهرين»، على حد تعبير الجامعي شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة لتنظيم الانتخابات.
حكيم حمودة، وزير الاقتصاد والمالية في «حكومة التكنوقراط» بزعامة المهدي جمعة، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتخابات ومجمل الإصلاحات القانونية والدستورية وضعت القطار على سكته.. وعلى الحكام الجدد الذين أفرزتهم الانتخابات أن يتابعوا مشوار البناء ومعالجة ملفات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومن بينها التحكم في ملفات البطالة والمديونية.. إلى جانب المضي بقوة في خطة محاربة الإرهاب والتطرف».
فهل ستتحقق هذه المهمة في مرحلة لا تزال فيها الصراعات السياسية والآيديولوجية على أشدها داخل تونس وفي محيطها الإقليمي خاصة في جارتيها ليبيا وفرنسا؟
الإجابة عن مثل هذا التساؤل تظل في نظر مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الجامعة التونسية رضا الشكندالي «رهنا لتطورات الوضع الاقتصادي التونسي، بهشاشته نسبيا وبأزماته الهيكلية وبشركات صغرى ومتوسطة أغلبيتها الساحقة يمر بصعوبات»، وهي، حسب تأكيدات الوزير السابق للتنمية الاقتصادية رياض بالطيب «من صنف الشركات التي تتوقف عن التوظيف وعن التوسع بعد عامين من تأسيسها.. أي أنها تصبح عاجزة عن تطوير استثماراتها وقدراتها على إحداث موارد رزق جديدة».
ومن بين ما يشغل ساسة تونس، بعد 4 أعوام من سقوط بن علي، تراكم الاضطرابات الأمنية في الداخل، وفي البلدان المجاورة لها خاصة في ليبيا التي صدرت لها نحو ثلث سكانها منذ سقوط القذافي.. في وقت تزايدت فيه تخوفات ساسة تونس من رسميين ومعارضين من مخاطر «خنق الاقتصاد التونسي وتجفيف موارد عيش محافظات الجنوب التي تعتمد منذ عقود على الشراكة مع ليبيا، والتي أصبحت اليوم محرومة من تلك الموارد ومهددة بتدفق مزيد من الفارين من الحرب الأهلية الليبية ومن جرائم الجماعات الإرهابية والعصابات المسلحة التي انتعشت فيها بنسق سريع».
في الوقت نفسه، يعتقد كثير من السياسيين والخبراء التونسيين، مثل القيادي اليساري في حزب نداء تونس ناجي جلول، أن «من بين نقاط ضعف حكومات الأعوام الماضية خاصة حكومتي (الترويكا) إخفاقات سياستها الخارجية، وتدهور علاقاتها بعدد من العواصم العربية والإسلامية والدولية خاصة العواصم الخليجية والجزائر ومصر».
في السياق نفسه، اعتبر الخبير رضا الشكندالي أن «تونس فشلت خلال الأعوام الأربعة الماضية في أن تعوض خسائر البلاد في مرحلة الثورة وبعدها عبر الاعتماد على ذراع مالية عربية قوية قد تكون المملكة العربية السعودية أو الكويت أو بلدا أوروبيا قويا مثل ألمانيا».
كما قدر العميد السابق لكلية الحقوق والاقتصاد، الصادق بلعيد، أن «من بين إخفاقات حكومات الأعوام الماضية العجز عن رسم استراتيجية سياسية أمنية اقتصادية يمكن أن تصبح تونس بموجبها قاعدة مالية بين ليبيا والجزائر.. ويمكن أن تجد تمويلات من مصادر عربية ودولية مختلفة، لتمويل مؤسسات تأمين (رأس مال المخاطر)، وبورصة إقليمية قوية، ومؤسسات إسناد محلية وإقليمية».
واعتبر الوزير السابق رياض بالطيب أن «بناء المنوال الجديد للتنمية» يستوجب تنويع شركاء تونس الدوليين والانفتاح أكثر على «الاقتصادات الصاعدة» مثل الصين وتركيا واليابان وبلدان آسيا وأميركا اللاتينية، وعلى غرار ما ورد في تقرير البنك الدولي مؤخرا عن تونس «تقليص الفجوة بين الشركات المصدر كليا والمؤسسات الموجهة إلى السوق الداخلية».
إلا أنه رغم كل المؤشرات السلبية والدلائل على «فشل حكومات ما بعد الثورة» يعتقد عدد من الخبراء أن «الأوضاع مرشحة لأن تتحسن اقتصاديا واجتماعيا ومن ثم أمنيا وسياسيا بصفة جوهرية، بعد النجاحات السياسية، خاصة بعد حسن تنظيم الانتخابات وبروز دلائل على اختيار حكومة مستقرة قد تتمكن من القيام بإصلاحات كثيرة، وبينها تفعيل الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي خاصة مكاسب (خطة العمل) التي تكرس (اتفاقية الشريك المميز)». ويراهن المتفائلون بمستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية في تونس على أن تسهم الخطوات التي قطعتها مصالح الأمن التونسية بالشراكة مع الدول العربية والأوروبية خلال العامين الماضيين في القضاء على الإرهاب وخلاياه النائمة، وتجنب سقوط مزيد من الضحايا المدنيين والأمنيين والعسكريين في عمليات إرهابية.
ولئن كان التوافق بين الليبراليين والإسلاميين واليساريين من بين «نقاط القوة» في تونس، فإن «النموذج التونسي» شد الانتباه في كونه وفق بين «إبعاد الزعامات الإسلامية واليسارية والقومية عن الصدارة» دون إقصائهم من اللعبة، بل إن المنهج المتبع مكن من تحقيق تفوق للعلمانيين والليبراليين في الانتخابات مع فوز منافسيهم الإسلاميين واليساريين بالمرتبتين الثانية والثالثة.
في الأثناء، فإن التوافق بين زعيم المعارضة العلمانية سابقا الباجي قائد السبسي من جهة، وزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي من جهة ثانية، كان من أبرز أسباب «التهدئة» ونجاح «الحوار الوطني» العام الماضي في تونس بمشاركة النقابات وقادة أبرز الأحزاب. وإجمالا فإن «التوافقات والتنازلات المتبادلة بين الأغلبية والأقلية مكنت المجتمع المدني التونسي من أن يجنب البلاد سيناريوهات الانقلابات العسكرية والأمنية والصدامات العنيفة القديمة الجديدة بين الإسلاميين وخصومهم»، مثلما جاء على لسان الخبير علية العلاني.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.