دول الغرب تناضل لوقف تدفق مواطنيها على مناطق الحروب

ألف مسلح يسافرون للقتال إلى سوريا والعراق شهريا.. وقوانين جديدة لمكافحة الإرهاب في أوروبا

شهدت فرنسا التي تضم 5 ملايين مسلم دعوات متزايدة تحث على السفر إلى «داعش» وجبهة النصرة
شهدت فرنسا التي تضم 5 ملايين مسلم دعوات متزايدة تحث على السفر إلى «داعش» وجبهة النصرة
TT

دول الغرب تناضل لوقف تدفق مواطنيها على مناطق الحروب

شهدت فرنسا التي تضم 5 ملايين مسلم دعوات متزايدة تحث على السفر إلى «داعش» وجبهة النصرة
شهدت فرنسا التي تضم 5 ملايين مسلم دعوات متزايدة تحث على السفر إلى «داعش» وجبهة النصرة

لأكثر من عقد، ناضلت حكومات غربية لوقف تدفق مواطنيها المتجهين لمناطق حروب في دول مسلمة، وتعزيز جهود مراقبة أولئك الذين أبدوا اهتماما بالانضمام للمتطرفين، وابتكار برامج حاسب آلي لتعقب أنماط السفر المريبة، إضافة لإجراءات أخرى.
بيد أن الهجمات التي تعرضت لها باريس الأسبوع الماضي، ونفذها رجل واحد على الأقل سافر لليمن عام 2011 للتدريب بجانب الجماعة التابعة لتنظيم «القاعدة» هناك، ذكرت الجميع بأن مثل هذه الإجراءات لم تحقق سوى القليل نسبيا لتقليص حجم الخطر القائم. ولا تزال الأعداد التي تسافر للخارج للقتال بدول أخرى في تزايد مستمر، مع انضمام قرابة 1.000 مسلح للقتال في سوريا والعراق شهريا، تبعا لأحدث التقديرات الرسمية الصادرة عن الولايات المتحدة.
وانطلاقا من مخاوفهم من إمكانية وجود هؤلاء المسلحين العائدين لسنوات من دون لفت الانتباه، يناضل مسؤولو مكافحة الإرهاب الأميركيين والأوروبيين للتوصل لسبل جديدة لمنع المقيمين بأراضيهم من السفر للقتال بالخارج، وهي جهود اكتسبت مستوى جديدا من الإلحاحية في ضوء أعمال القتل التي شهدتها فرنسا.
وبالفعل، جرى تمرير قوانين جديدة أو معدلة لمكافحة الإرهاب بدول مثل ألبانيا وأستراليا وفرنسا وكوسوفا ومقدونيا وصربيا، حظرت السفر للمشاركة بالقتال في صراع أجنبي، مثل ما يدور باليمن وسوريا والعراق.
كما أصدرت ماليزيا والسعودية قرارات تحظر على مواطنيها الانضمام لتنظيم داعش. وازدادت وتيرة عمليات إلقاء القبض على الأفراد المشتبه في انتمائهم لجماعات مسلحة في النمسا والمغرب، وجرت مؤخرا محاكمة مقاتلين أجانب في ألمانيا وهولندا.
داخل الولايات المتحدة، حيث حاول قرابة 150 شخصا أو بالفعل ذهبوا للقتال في سوريا، ركز مسؤولون فيدراليون معنيون بفرض القانون ليس فقط على مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي بنشاط أكبر، وإنما أصدروا كذلك توجيهات لسلطات الولايات والسلطات المحلية بخصوص سبل رصد المسافرين المحتملين لمناطق الصراعات.
يذكر أن وزير الأمن الداخلي جيه جونسون سافر خلال الشهور الأخيرة لشيكاغو ولوس أنجليس ومينابوليس ومدن أخرى للترويج لإقامة شراكات بين الحكومة الفيدرالية وجماعات على مستوى الولايات وأخرى محلية قادرة على رصد المسلحين المحتملين في الأوساط المحيطة بها.
من جانبها، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنه بحلول 12 يناير (كانون الثاني)، سافر أكثر من 18 ألف مقاتل أجنبي لسوريا، بينهم 3 آلاف غربي على الأقل. وقال مسؤول بارز بالوزارة يتابع هذه القضية عن كثب «عجزنا عن وقف التدفق، لكننا زدنا صعوبة السفر».
ورغم تحسن أداء وكالات فرض القانون والأخرى الاستخباراتية في رصد ومنع الأميركيين من السفر لسوريا، فإن مسؤولين أميركيين اعترفوا بأنه لا تزال هناك فرصة لبذل مزيد من الجهود.
وقد أبدت واشنطن اهتماما كبيرا بالقضية في سبتمبر (أيلول) الماضي، ونجحت في تمرير قانون ملزم عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجبر جميع الدول على اتخاذ خطوات «لمنع ووقف» تدفق مواطنيها على جماعات تعد تنظيمات إرهابية.
وجرى التركيز بصورة خاصة على دول مثل تركيا، التي سمحت حدودها سهلة الاختراق الممتدة لمسافة 500 ميل بعبور آلاف المسلحين لداخل سوريا والعراق للانضمام إلى «داعش» وجبهة النصرة. عام 2013، منعت تركيا دخول 4 آلاف شخص لأراضيها واحتجزت أكثر من 92 ألف شخص على حدودها.
وبينما أشاد بعض المسؤولين الأميركيين بتشديد الحكومة التركية جهودها لضبط حدودها مع سوريا، قال آخرون إنه من غير المحتمل أن تتمكن تركيا قط من تأمين حدودها.
تبعا لتقديرات الاستخبارات الأميركية، فإن نحو 18 ألف مقاتل أجنبي، بينهم 3 آلاف من أصول أوروبية وغربية أخرى، سافروا للقتال في سوريا منذ اندلاع الصراع بها عام 2011. وعاد أكثر من 500 مقاتل من سوريا لأوروبا، تبعا لما أفاد به ريتشارد باريت، ضابط الاستخبارات البريطانية السابق الذي عكف على دراسة الأرقام المتعلقة بالقضية لحساب «سوفان غروب»، وهي شركة استشارات. وعلى ما يبدو، فإن أرقام المقاتلين المتجهين لسوريا في تزايد، بل وربما تشير هجمات باريس أيضا لتحول مثير للقلق في تكتيكات الجماعات الإرهابية.
يذكر أن فرع «القاعدة» في اليمن كان هناك خوف منه منذ فترة بعيدة لتركيزه على مهاجمة الطائرات، مثل محاولة تفجير طائرة ركاب يوم الكريسماس عام 2009. إلا أن مسؤولين أفادوا بأن سعيد كواشي، الشقيق الأكبر بين الاثنين المشتبه في قتلهما 12 شخصا داخل صحيفة ساخرة فرنسية الأسبوع الماضي، سافر لليمن حيث تلقى تدريبا على استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية، مما يكشف عن حدوث تطور سريع لهذه الجماعة.
عن هذا، أوضح دانييل بنجامين، المسؤول البارز السابق بمجال مكافحة الإرهاب لدى وزارة الخارجية الأميركية، أنه «من المثير للقلق فكرة أن تجد جماعة متطرفة اعتادت تاريخيا استخدام التفجيرات الانتحارية في الهجوم بأسلحة آلية عملا عنيفا ذا مغزى». كما تعمل مناطق الحروب مثل اليمن أو سوريا بمثابة حاضنات للإرهابيين الناشئين، حيث خلصت دراسة أصدرها معهد بروكنغز مؤخرا حول المقاتلين الأجانب ووضعها دانييل بايمان وجيرمي شابيرو، إلى أن مثل هؤلاء الإرهابيين الناشئين «سيقيمون شبكات مع مسلمين غربيين آخرين ويبنون روابط مع متشددين من مختلف أرجاء العالم».
الواضح أن العدد الكبير للمقاتلين الذين يعودون لأوطانهم يجعل من العسير تعقبهم، وقد أوضح مسؤولون أميركيون أن الاستخبارات الفرنسية ووكالات فرض القانون راقبت الشقيقين كواشي لبعض الوقت بعد عودة سعيد من اليمن عام 2011، لكنها توقفت بعد ذلك وحولت اهتمامها لمصادر تهديد أخرى.
وتعود ظاهرة سفر مسلحين متشددين للقتال في صراعات أجنبية للمتطرفين الذين سافروا لأفغانستان في ثمانينات القرن الماضي لقتال الجيش السوفياتي هناك.
ويرى الخبراء المعنيون بالإرهاب أن الاختلاف اليوم يكمن في حجم تدفق المقاتلين والأسباب المتنوعة التي تدفع الشباب من الرجال المسلمين، علاوة لأعداد متزايدة من النساء والأسر، للسفر لسوريا. وذكر متخصصون بمجال مكافحة الإرهاب أن شبابا من البوسنة وكوسوفا يسافرون لسوريا لنيل مكاسب مالية، منها مكافآت تجنيد تعرضها بعض الجماعات. وهناك آخرون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينجذبون أكثر للآيديولوجية وإعلان «داعش» عن نفسه كممثل «للدولة الإسلامية».
وقد تفاقمت المخاوف من إمكانية تورط المقاتلين السابقين في هجمات داخل بلدانهم الأصلية منذ إقدام مهدي نموش (29 عاما)، فرنسي مسلم، على قتل أربعة أشخاص داخل المتحف اليهودي ببروكسل مايو (أيار) الماضي بعد أن قضى عاما في سوريا.
من جانبها، شهدت فرنسا، التي تضم 5 ملايين مسلم، وهي أكبر جالية مسلمة بأوروبا الغربية، دعوات متزايدة تحث على السفر إلى «داعش» وجبهة النصرة. وقد سافر أو خطط للسفر أكثر من 1.000 فرنسي للانضمام لجماعات متطرفة في سوريا أو العراق، تبعا لما ذكرته وزارة الداخلية الفرنسية. وتشير تقديرات إلى أن قرابة 180 منهم عادوا لفرنسا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.