«التّوجّه»... فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه

تسعى إلى فتح آفاق أمام تفكير الأفراد بدلاً من البحث عن حقائق كليّة

فيرنر ستيغماير
فيرنر ستيغماير
TT

«التّوجّه»... فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه

فيرنر ستيغماير
فيرنر ستيغماير

لقد تغيّر العالم كثيراً خلال وقت قصير. وعلى نحو دراماتيكي وجدت البشريّة نفسها بلا أسلحة نظريّة ولا ثوابت فكريّة أو طرائق عمل ذات قيمة فعليّة في مواجهة كارثة وباء «كوفيد - 19» وما يترّتب عليها. ولكن أين الفلسفة من هذا كلّه؟ ولماذا رغم كل الأموال التي تصرف على أكاديميات محبي الحكمة وكتبهم ومجلاتهم لم نجد - في وقت الأزمة - فلاسفة قادرين على توجيهنا للتعامل مع تقلبات الزّمن؟
الواقع أن الفلسفة المعاصرة ربّما كانت تستعد لمثل هذه التحوّلات بتمهّل، وكتب أحد المفكرين قبل سنوات قليلة تصوراته عن شكل العالم تالياً، معتبراً أن ساعة منتصف ليل البشريّة ستكون مع نهاية العقد الحالي، قبل أن تتدّخل «كورونا»، وتُعيد لخبطة جميع الأوراق. لكنها وكما انتهت إليه هذه الأيّام على يد الأكاديميّات الغربيّة أصبحت أكثر ارتباكاً وغموضاً من حالها في أي وقت مضى، وانقسمت إلى مجالات غير مترابطة: في مكان ما تسعى الآن إلى وضع معايير محددة للدّقة أو العدالة أو الحقيقة، وفي مكان آخر تعمل على معالجة قضايا نظرية أو عملية موغلة في التخصص، أو هي في بقيّة الأماكن لا تزيد عن اجترار مدرسي، وإعادة مضغ للتراث الفلسفي المتراكم منذ «جمهوريّة» أفلاطون، وعلى العموم باتت أشبه بمظلّة عريضة تجمع بين شلل متعارضة يمكن التنقل بينها دون تأزّم فكري، واسماً جليلاً عتيقاً أشبه بسيارة كلاسيكيّة لا قيمة فعليّة لها في الحياة اليوميّة سوى ما تثيره من ذكريات نوستالجيّة عن ماض كان أكثر تعقلاً من لحظتنا الرّاهنة.
وهكذا فلسنا وحدنا فقدنا الاتجاه في هذا العالم الذي نعيش، بل الفلسفة أيضاً أضاعت بوصلتها ولم تقدم للبشريّة في هذا المنعطف، ولو نظرة عامة أوليّة أو قليلاً من اليقين، مستقيلة من دورها الأساس - كبحث في أساسيات الوجود والتفكير والعمل - واستخلاص النتائج واقتراح توجهات حول كيفية تعاملنا بشكل أفضل مع عالم يتغير بلا هوادة، في الحياة اليومية وكذلك العلوم البحتة والإنسانية. وإذا كان ثمّة من يُلام على هذا التخلّي فلن يكون سوى الجامعات الغربيّة (الأنغلوفونيّة) ومنهجية التعليم فيها التي أُخضعت بالكامل للآيديولوجيا السياسيّة المهيمنة، ودفعت بالفلسفة إلى ركن عاجي للانشغال بقضايا نظريّة محضة دون أي تماس مع الواقع.
ومع ذلك، فإنّ هنالك أخباراً بارقة تأتي من ألمانيا - مهد الفلسفة الغربيّة قبل أن تنتقل مفاتيحها إلى خارج البرّ الأوروبي - وذلك بتشكّل مدرسة جديدة تطرح أفكاراً مثيرة للاهتمام بشأن الصيغة التي يمكن فيها للفرد - غير المتخصص - الاستفادة من الفلسفة في تحديد توجهات بشأن علاقته الشخصيّة بالعالم حوله في ظلّ أجواء انعدام اليقين واستحالة توقّع المستقبل بأي درجة مقبولة من الدّقة. ويطلق على هذه المدرسة اسم «فلسفة التوجه»، وهي تتمحور بشكل خاص حول أعمال البروفسور والفيلسوف الألماني المعاصر فيرنر ستيغماير (مواليد 1946)، لا سيّما بعد صدور كتابه «التوجّه: تحقيق فلسفيّ»، بالألمانيّة: «Philosophie der Orientierung»، عام 2008 لحظة الأزمة الماليّة العالميّة، مثيراً بعضاً من الجدل المتخصص في بلاده حصراً، إذ تجاهله العالم الأنغلوفوني لعقد تقريباً، ولم تتعاط بأفكاره الأكاديميّات قبل أن يكتشفه مايك هودجز، وهو مالك شركة لإدارة الاستثمارات والمضاربة الماليّة، الذي كلّف راينهارد مولر - صديق له من أصول ألمانيّة حاصل على دكتوراه بالفلسفة - بنقل الكتاب إلى الإنجليزيّة، وأسس وقفيّة خاصّة تتولى نشر أفكار ستيغماير في الولايات المتحدة وعبر البلاد الأنغلوفونيّة. وللحقيقة فإن النسخة الإنجليزيّة التي نشرتها الوقفيّة، وأُنجزت بتعاون وثيق مع المؤلّف لضمان ضبط المصطلح الفلسفي بين اللغتين جاءت تحديثاً مفيداً للنص الأصلي، فأزيلت منه الشروحات الأكاديميّة وبعض الموضوعات المتعلقة بحيثيّات ألمانيّة محليّة الطابع، كما الحواشي والقوائم وأسماء المراجع الألمانيّة العديدة، فيما أضيفت مقدّمة جديدة وفصول مستجدّة عن مسائل لم تعالجها نسخة 2008 كالرقمنة والعولمة، ليقترب الكتاب بالفعل من هدفه الأساس: عدّة عمل لتنوير القارئ العادي ومساعدته على التفكير في «توجهاته»، ومنحه القدرة على مواكبة العصر والقوة لاتخاذ القرارات في ظروف جديدة على الإطلاق على نحو يسمح بالاستمرار في طريق ما، أقلّه لبعض الوقت لحين يصبح اتخاذ توجهات مغايرة ضرورياً.
«التّوجه» في هذا السّياق أبعد ما يكون عن تمرين ترفٍ فكري - بل هو عمليّة تتحدى الفرد، وتدفعه للتفكير مليّاً في إيجاد مسارات عبر ظروف الحياة الإنسانيّة ليس فقط لناحية اليوميّات، ولكن أيضاً لأن البقاء في عالمنا الشديد التقلّب بات يعتمد وبشكل متزايد على حسن «التوجّه» الذي نتخذه.
إذا كان كل توجه هو في النهاية اختيار بين مسارات ممكنة تحت ظروف حالة معينة، خاصة أو اجتماعية، أو حتى عالمية، فإن «فلسفة التوجه» تتطلب دائماً من الفرد لتعظيم تلك المسارات حسماً مبكراً في تحديد المصطلحات وضبط المفاهيم كنقطة انطلاق لكل طريقة مجدية للتفكير أو التحدث أو التصرّف. وهي لذلك تعيد تعريف الدّور الذي ينبغي للفلسفة أن تلعبه اليوم عبر تقديمها للأفراد غير المتخصصين فرزاً وإعادة نظر في مجمل النتاج الفلسفي المتراكم وتعريفاً بقيمته التطبيقيّة، بالترافق مع إعادة توجيه بوصلة الممارسة الفلسفيّة - وبالتعاون مع العلوم - بعيداً عن المسائل المغرقة في التجريد بحثاً عن الكوني والنهائي والخالد إلى ساحة إعانة الأفراد على إدارة موضعهم من العالم، ومنحهم الأدوات للتعاطي مع المؤقت والعابر والمتغيّر، وتحسين قدرتهم على اتخاذ القرارات في أجواء عدم التيقّن الغالبة، ومن ثمّ التحقيق في كيفية تجلي توجهات الأفراد في الحياة الاجتماعية سلوكيّات: أي في تفاعلاتهم مع التغيّرات واتصالاتهم بالآخرين وفي نظم الاجتماع الوظيفية، مثل الاقتصاد والإعلام والسياسة والقانون والعلوم والفن والدين، ومحاولة القبض على الكيفيّة التي تكتسب فيها تلك التوجهات أهمية معنوية وأخلاقية، وكيف تتأثر بالظواهر المستجدة للعولمة والرّقمنة، وأسرار علاقتها بالميتافيزيقيا، ودائماً دون توقع أسباب أو مبررات أو تقييمات عالمية سرمديّة الطابع.
ولا شكّ بالطبع من أن منهج «فلسفة التوجه» هذا ليس مبتكراً بالمطلق - إذ لا يمكن بالفعل ابتداع فلسفة جديدة تماماً. فـ«التوجهات - وفق ستيغماير - هي دائماً نوع من إعادة التوجيه». وعلى نحو خاص، «فإن فلسفة التوجه» قريبة بشكل خاص من أفكار الفرنسي بليز باسكال (1623 - 1662) الذي أعرب مبكراً وبشكل لافت للنظر عن الحاجة إلى «التّوجه»، كما مباحث الألماني إيمانويل كانت (1724 - 1804) الذي وضع تلك الحاجة في خضم فلسفته النقدّية للعقل المحض، ومجادلات فريدريك نيتشه (1844 - 1900) قبل أن يكتسب المفهوم أول تشكلّ حقيقي له في المدرسة البراغماتية الأميركية - لا سيّما أعمال وليام جيمس (1842 - 1910) - في فضاءات التجريبية والنفعية، وبعيداً عن الحلول اللّفظية، والافتراضات المسبقة، والمبادئ الثابتة، والنظم المغلقة، والالتصاق المرضي بالمُطلَقات والأصول.
من خلال تأكيدها على فرديّة وزمانية التّوجه الإنساني، توسّع «فلسفة التوجه» آفاق التحقيق الفلسفي أمام تفكير الأفراد وتصرفاتهم في العالم، وبدلاً من إهدار أعمارهم القصيرة في البحث عن حقائق كليّة، تمنحهم الهدوء اللازم لتقييم الوقائع والأخبار الكاذبة معاً، لتكون المهمّة باستمرار أمامهم الاختيار بينهما. هذه القدرة على الاختيار تحرر توجهاتنا نحو آفاق جديدة من التفكير والسلوك وطرائق العيش قد تساعدنا على مواكبة تحولات الأزمنة. فـ«سعادة المكتشفين العظماء في سعيهم لليقين يمكن أن تتحول الآن إلى حبور بالعثور على عدم اليقين والمغامرة في كل مكان»، كما كتب نيتشه يوماً في دفتر ملاحظاته.



ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.