«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

سلالاته في بريطانيا نشأت من 3 دول أوروبية

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة
TT

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

رغم طرح العلماء لفرضيات علمية عن ظهور فيروس «كورونا المستجد»، فقد نتجت عن جائحة «كوفيد-19» معلومات مضللة ونظريات مؤامرة حول حجم الوباء وأصل المرض والوقاية منه وتشخيصه وعلاجه. وانتشرت معلومات كاذبة بهدف التضليل المتعمد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية ووسائل الإعلام. كما وردت أنباء عن أن الفيروس انتشر من خلال عمليات سرية تدعمها الدول لإثارة الذعر لزرع الشكوك في البلدان الأخرى.
أصل الفيروس
ظهر «كوفيد-19» في أواخر عام 2019 في ووهان في الصين. ويرتبط جينوم كثير من حزمات الفيروس المعزولة منه منذ وقت مبكر عند اندلاع الوباء في ووهان ارتباطاً وثيقاً بواقع أن الفيروس ظهر مؤخراً في البشر، إذ يختلف جينوم «كوفيد-19» بشكلٍ كافٍ عن جميع فيروسات «كورونا» المعروفة. وهذا ما يدحض مزاعم أن جائحة فيروس كورونا نشأت عن طريق الإطلاق المتعمد أو العرضي لفيروس معروف، ويجعل من غير المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ عن طريق إنتاجه صناعياً في المختبر.ويرتبط فيروس كورونا المستجد ارتباطاً وثيقاً بفيروسات الخفافيش التاجية من الصين. ولكن حتى أقرب هذه الفيروسات تكون متباينة للغاية. ويعد تغيير الجينوم فيه بطيئاً، في مقابل معظم فيروسات RNA (فيروسات مركبة من الحمض النووي الريبوزي)، ولكن مع ذلك تظهر الطفرات التي يمكن استخدامها لتتبع انتشار الفيروس وتطوره. ويعد الجين الفيروسي الأكثر تنوعاً فيها هو الجين الذي يضع الرموز لبروتين «الأشواك»، وهو البروتين الذي يلعب دور الوسيط في ارتباط الفيروس بالخلايا الحية والدخول إليها. وهذا البروتين يمثل أيضاً المادة التي تستهدفها الأجسام المضادة لتحييد الفيروس، وهو يؤدي أيضاً إلى حدوث استجابة قوية من الخلايا التائية لجهاز المناعة.
تشير نتائج جديدة متعددة إلى أن طفرة واحدة قرب بداية الوباء أحدثت فرقًا كبيرا ، حيث ساعدت الفيروس على الانتشار بسهولة أكبر من شخص إلى آخر وجعل وقف الوباء أكثر صعوبة.
وتم اكتشاف الطفرة ، المعروفة باسم 614G ، لأول مرة في شرق الصين في يناير (كانون الثاني) الماضي ثم انتشرت بسرعة في جميع أنحاء أوروبا ومدينة نيويورك. في غضون أشهر ، سيطر المتغير على معظم العالم ، مما أدى إلى إزاحة المتغيرات الأخرى.

دحض نظريات المؤامرة
يقول جيفري سميث، الباحث في قسم علم الأمراض بجامعة كمبريدج البريطانية المؤلف الرئيسي للدراسة المنشورة في17 سبتمبر (أيلول) 2020 في دورية «The Royal Society»، إن تسلسل الجينوم الكامل لا يسمح لنا بمعرفة إصابة شخص ما بالعدوى فحسب، ولكن أيضاً تحديد سلالة الفيروس بدقة، ومن ثم معرفة مصدر العدوى المحتمل. كما يسمح لنا بتتبع سلالات الفيروس التي أصبحت مسيطرة، والتي قد تتكاثر أو تنتقل بشكل أكثر كفاءة.
ويضيف الباحث أنه تم الإبلاغ عن تلك النتائج في مراجعة سريعة للأدلة المنشورة المطبوعة مسبقاً على جينوم فيروس كورونا التي أجرتها مجموعة «مهام العلم في حالات الطوارئ: كوفيد-19» ( SET - C Science in Emergencies Tasking: COVID-19) التابعة للجمعية الملكية البريطانية. كما يفضح التحليل أيضاً الخرافات حول الأصل المحتمل للفيروس الذي يسبب «كوفيد-19».
ويخلص إلى أن الجينوم مختلف بشكلٍ كافٍ عن جميع فيروسات كورونا المعروفة لدحض تأكيد أن الجائحة نشأت عن طريق الإطلاق المتعمد أو العرضي لفيروس معروف، مما يجعل من غير المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ عن طريق إنتاجه صناعياً في المختبر. واستنتجت المراجعة أن أصل الفيروس كان من المحتمل أن يكون مباشرة من الخفافيش أو عن طريق مضيف ثديي وسيط غير معروف. وأضاف سميث عدم وجود شيء أو أدلة قوية على الأساطير التي ينشرها أصحاب نظريات المؤامرة، فمن المفهوم أنه عندما يظهر فيروس جديد، ستكون هناك تكهنات حول أصوله، لكن الوتيرة التي طور بها المجتمع العلمي العالمي فهمنا لعلم الوراثة لـفيروس كورونا كانت مذهلة. وقد سمح لنا ذلك بتتبع انتشاره، وتطوير الاختبارات التشخيصية واللقاحات المؤهلة.
وسمح لنا كذلك بكشف زيف بعض نظريات المؤامرة الأكثر غنى بالألوان. فقد أظهر تحليل جينوم الفيروس أيضاً أنه من منتصف فبراير (شباط) إلى منتصف مارس (آذار)، نشأت الغالبية العظمى من سلالات الفيروس في المملكة المتحدة من 3 دول أوروبية: إسبانيا (34 في المائة)، وفرنسا (29 في المائة)، وإيطاليا (14 في المائة)، عن طريق المسافرين القادمين منها، بينما في المقابل كانت نسبة المشتق من الصين أقل من 1 في المائة.
فرضيات مضللة
> شبكات الجيل الخامس. هناك مزاعم عن وجود صلة بين فيروس كورونا وشبكات الهاتف المحمول «جي 5» الجديدة، وهي تدعي أن تفشي الوباء في ووهان وفي سفينة «دايموند برنسيس» السياحية نتج بشكل مباشر عن المجالات الكهرومغناطيسية، وعن طريق إدخال «جي 5» والتقنيات اللاسلكية. وفي مارس (آذار) 2020، زعم توماس كوان من «المجلس الطبي» في كاليفورنيا أن «كوفيد-19» ناجم عن شبكة «جي-5»، وذلك بناءً على الادعاءات بأن البلدان الأفريقية لم تتأثر بشكل كبير بالوباء لعدم نشر الشبكة فيها.
وزعم كوان كذلك زوراً أن الفيروسات كانت نفايات من الخلايا التي تم تسميمها بواسطة الحقول الكهرومغناطيسية، لكن كثيراً من الباحثين دحضوها. وأكد البروفسور ستيف بويس، المدير الطبي الوطني لهيئة الخدمات الصحية الوطنية بإنجلترا، إلى عدم إمكانية انتقال الفيروسات عن طريق موجات الراديو. فقد انتشر «كوفيد-19»، واستمر في الانتشار في كثير من البلدان التي ليس لديها شبكات «جي 5». وأضاف أن صحة المواطنين في البلدان المتقدمة، مع وجود شبكات «جي 5»، أفضل من صحة المواطنين من البلدان الأقل تقدماً والفقيرة التي لا توجد فيها.
* المقاومة على أساس العرق. كانت هناك ادعاءات بأن أعراق معينة أكثر أو أقل عرضة للإصابة بــ«كوفيد-19»، حيث إنه مرض حيواني جديد، لذا لم يكن لدى السكان الوقت الكافي لتطوير مناعة السكان. ولا يوجد دليل يشير إلى أن الأفارقة أكثر مقاومة للفيروس. وهناك مزاعم عن ما سمي «مناعة هندية»؛ أي أن الشعب الهندي يتمتع بقدر أكبر من المناعة ضد فيروس «كوفيد-19» بسبب الظروف المعيشية في الهند، وهو ما عده أناند كريشنان، الأستاذ في مركز الطب المجتمعي التابع لمعهد عموم الهند للعلوم الطبية (AIIMS)، مجرد «هراء مطلق». وقال إنه لا توجد مناعة سكانية ضد فيروس «كوفيد-19» حتى الآن لأنه جديد، وليس من الواضح حتى ما إذا كان الأشخاص الذين تعافوا منه سيكون لديهم مناعة دائمة.
ومن ناحية أخرى، شنت هجمات معادية للأجانب مرتبطة بــ«كوفيد-19» ضد أفراد على أساس العرق، وتعرض الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم صينيين لاعتداءات لفظية وجسدية مرتبطة بــ«كوفيد-19» في كثير من البلدان الأخرى، غالباً من قبل الأشخاص الذين يتهمونهم بنقل الفيروس، في حين ألقت الحكومة الصينية باللوم على الحالات المستمرة في إعادة إدخال الفيروس من الخارج. وفي الهند، تم إلقاء اللوم على المسلمين على نطاق واسع ونبذهم، والتمييز ضدهم أدى إلى بعض الهجمات العنيفة، وسط مزاعم لا أساس لها تدعي أن المسلمين ينشرون الفيروس عمداً.
علاجات من دون برهان
> علاجات البرد والإنفلونزا. فقد طرحت ادعاءات بأن الأسبرين ومضادات الهيستامين ورذاذ الأنف هي علاجات لـ«كوفيد-19»، لكن لا توجد أي دراسة تؤكد تلك الادعاءات. كما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مخاوف من أن الإيبوبروفين يزيد من شدة الإصابة بفيروس كورونا، لكن وكالة الأدوية الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية أوصت مرضى «كوفيد-19» بالاستمرار في تناول الإيبوبروفين حسب التوجيهات، مشيرين إلى عدم وجود أدلة مقنعة على أي خطر.
> الشفاء الروحي. ادعى كينيث كوبلاند، الكاتب التلفزيوني الأميركي في تكساس، على قناة فيكتوري، خلال برنامج بعنوان «الوقوف ضد فيروس كورونا»، أنه يمكنه علاج مشاهدي التلفزيون من «كوفيد-19» مباشرة من استوديو التلفزيون، وكان على المشاهدين أن يلمسوا شاشة التلفاز ليحصلوا على الشفاء الروحي.
وأخيراً، وفي إطار جهود مكافحة التضليل، ذكرت منظمة الصحة العالمية (WHO)، منذ فبراير (شباط) الماضي 2020، أن هناك كماً هائلاً من المعلومات الخاطئة حول الفيروس التي «تجعل من الصعب على الناس العثور على مصادر موثوقة، وإرشادات موثوقة، عندما يكونون بحاجة إليها». وصرحت المنظمة بأن الطلب الكبير على المعلومات الموثوقة في الوقت المناسب قد حفز إنشاء خط ساخن مباشر لدحض تلك المعلومات، تابع لمنظمة الصحة العالمية، يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، حيث تقوم فرق الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي برصد المعلومات المضللة، والاستجابة لها من خلال موقعها على الويب وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.