غليان الشارع الفرنسي مؤشر لعمق الأزمة واتساع الهوة بين السلطة والشعب

غليان الشارع الفرنسي مؤشر لعمق الأزمة واتساع الهوة بين السلطة والشعب

مظاهرات وأعمال عنف تستحضر أيام «السترات الصفراء»
الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 30 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15343]
من التظاهرات الفرنسية السبت (أ.ف.ب)

أعادت إلى الأذهان مشاهد السيارات المحروقة، والمواجهات بين رجال الأمن وملثمين، وعمليات الكر والفر، وعشرات الآلاف من المتظاهرين في الشوارع الفرنسية، صور المظاهرات والمواجهة العنيفة التي عاشتها المدن الفرنسية مع حراك «السترات الصفراء» في خريف وشتاء 2018 و2019. ورغم أن عنف بعد ظهر السبت اندلع في عدد محدود من المدن الفرنسية، على رأسها العاصمة باريس، حيث عاشت ساحة الباستيل الشهيرة ذات الرمزية الخاصة ساعات حرجة، فإنه جاء مؤشراً على عمق الأزمة، أو بالأحرى الأزمات التي تعرفها فرنسا هذه الأيام. وتكفي الأرقام لتبيان اتساع الهوة بين السلطات وقطاعات واسعة من الشعب. فأرقام منظمي مظاهرات السبت تفيد بأن نصف مليون مواطن نزلوا إلى الشوارع والساحات.

ومثل كل مناسبة من هذا النوع، تبرز الفروق بين معطيات المنظمين وأرقام وزارة الداخلية التي أفادت، أمس (الأحد)، بأنها أحصت «فقط» 130 ألف متظاهر. وبحسب الأرقام نفسها، فإن 62 رجل أمن (شرطة ودرك) أصيبوا بجروح، بينهم عدد في باريس وحدها التي عرفت أعنف المواجهات في نهاية المسيرة الاحتجاجية التي انطلقت من ساحة الريبوبليك حتى ساحة الباستيل.

وبعد أن رفضت مديرية الشرطة في العاصمة السماح بالمظاهرة بسبب وباء «كوفيد-19»، عدلت موقفها وأجازتها، شرط أن تنتهي في السادسة مساء. والحال أن المواجهات اندلعت مع سعي القوى الأمنية التي انتشرت بكثافة على طول مسيرة المظاهرة، خصوصاً في محيط ساحة الباستيل، إلى فض المظاهرة. وشأن كل مناسبة من هذا النوع، اندس المشاغبون وهاجموا القوى الأمنية، وأشعلوا الحرائق، منها حريق في واجهة فرع للمصرف المركزي. كما أضرموا النار في عدة سيارات وكل ما استطاعوا إشعاله. وبينت صور نقلت مباشرة اشتباكات بين مجموعات من الشباب التي هاجمت رجال الأمن بالحجارة والعصي والمفرقعات، بل الاستفراد بعدد من رجال الأمن الذين انهالوا عليهم ركلاً وضرباً، ما حرف المظاهرة عن أهدافها وأساء لها. وعمدت القوى الأمنية إلى إلقاء القبض على 81 شخصاً، كما تم توقيف العشرات منهم.

وفي حين ندد وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، في تغريدة، بالعنف الذي «لا يمكن قبوله، والذي استهدف رجال الأمن»، عد كريستوف كاستانير، وزير الداخلية السابق رئيس كتلة حزب «فرنسا إلى الأمام» البرلمانية «الرئاسي»، أن الذين «يفتكون برجال الأمن لا يدافعون عن الحرية، بل يدوسونها».

وحتى عصر أمس، لم تتوافر أرقام عن عدد الجرحى بين المتظاهرين، ولكن في باريس أصيب مصور سوري الجنسية اسمه أمير الحلبي (24 عاماً)، يعمل لصالح وكالة الصحافة الفرنسية ومجلة «بولكا» بجروح في ساحة الباستيل، كما اشتكى آخران لهيئة «التفتيش العام» التابعة لجهاز الشرطة لما أصابهما من جروح. وندد أمين عام منظمة «مراسلون بلا حدود» بعنف الشرطة «غير المقبول».

- شرارة الاحتجاجات

شرارة الاحتجاجات الجديدة مردها إلى مساعي الحكومة استصدار قانون من البرلمان تحت اسم «الأمن الشامل»، يتضمن فقرات تعد جهات مختلفة أنها تنسف حرية الصحافة، وتعيق عمل الصحافيين. ذلك أن الفقرة (24) من مشروع القانون تمنع بث صور لرجال الأمن في أثناء عملهم وأنشطتهم من شأنها الإضرار بهم «نفسياً أو جسدياً»، حيث إنها تمكن من التعرف إلى هوياتهم. والغرض من الفقرة المذكورة «حماية» هؤلاء، في إشارة ضمنية إلى قتل رجل أمن وزوجته في يونيو (حزيران) عام 2016 على يدي متطرف إسلاموي (عبد الله العروسي) أعلن انتماءه إلى «داعش» في مدينة مانيانفيل الواقعة على بعد 60 كلم غرب باريس. بيد أن ما فاقم معارضة المشروع الحكومي حادثتان حصلتا الأسبوع الماضي: الأولى، قيام الشرطة، بأمر من مديرها في العاصمة، بإخلاء مخيم عشوائي أقامه لاجئون، غالبيتهم من أفغانستان، في ساحة لاريبوبليك، وتخلله أحياناً لجوء إلى العنف المفرط؛ والثانية، حصلت السبت 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، واستهدف 4 رجال من شرطة العاصمة رجلاً أسود، اسمه ميشال زيكلر، وهو منتج موسيقى يعمل خصوصاً مع الشباب، بسبب عدم ارتدائه الكمامة لدى تنزهه في الشارع، حيث تقع مكاتبه. وقد لحق الأربعة بالرجل المذكور، ووضعوا اليد عليه على باب مكاتبه، وأشبعوه ضرباً ولكماً بطريقة وحشية، ثم جروه خارجاً ونقلوه إلى النظارة، وأدلوا بشهادة ملفقة بشأن ما جرى. وترافق ذلك مع إهانات وشتائم عنصرية، مثل «الأسود النتن». وذهب بعضهم إلى عده «جورج فلويد» الفرنسي. وكادت هذه الواقعة، كما تلك الخاصة بإخلاء المخيم العشوائي، أن تمر بصمت لولا وجود مقاطع فيديو تبين ما قامت به الشرطة في الحالتين. وفي حالة زيكلر، شاهد 12 مليون شخص، بمن فيهم رئيس الجمهورية، مقطع الفيديو الذي يظهر، خلال 8 دقائق، ما عانى منه وجعله مثخناً بالجراح على كل أنحاء وجهه وجسده. وكتب رئيس الجمهوري، في تغريدة، أن ما حصل «يندى له الجبين»، فيما عد دارمانان أن الأربعة «لوثوا» زي الشرطة. وأوقف الأربعة، ووجهت لهم تهم، وسيحالون إلى المحاكمة.

- تراكمات الأشهر

حقيقة الأمر أن تراكمات الأشهر الأخيرة جعلت كثيرين في فرنسا يعدون أن ماكرون وحكومته يجنحان باتجاه «الهيستيريا الأمنية»، وتكميم أفواه الصحافة التي يكفل الدستور حريتها التامة. وحتى الأسبوع الماضي، كان ماكرون يواجه أزمات متنوعة: أمنية (مع تواتر العمليات الإرهابية)، واقتصادية - اجتماعية (بسبب الإقفال والحجر)، وصحية (المترتبة على استمرار تفشي وباء «كوفيد-19»). ولكن أزمة جديدة أضيفت إلى الأزمات السابقة، هذه المرة سياسية الطابع؛ ذلك أن مشروع القانون لقي معارضة، خصوصاً بسبب الفقرة (24)، من نواب الحزب الرئاسي، فضلاً عن اليسار وبعض الوسط والخضر، إضافة إلى الجمعيات الصحافية، وتلك الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان، بل إن الأمم المتحدة انتقدت الجنوح الفرنسي نحو ما عد تقييداً لحرية الصحافة والرأي والإعلام، والحريات الأساسية بشكل عام. واللائمة في ذلك تقع بالأساس على وزير الداخلية الذي أصر على إدراج الفقرة المذكورة في مشروع القانون. وللخروج من المأزق، اقترح رئيس الحكومة تكليف لجنة «خارجية» بإعادة كتابة هذه الفقرة، ما أثار حفيظة البرلمانيين الذين رأوا في المقترح انتقاصاً من صلاحياتهم.

هكذا، وجدت الحكومة، ومعها ماكرون، نفسها في مأزق، خصوصاً أن مشروع القانون الذي يتضمن الفقرة الخلافية أقر في قراءة أولى في الجمعية الوطنية. وتتكاثر الدعوات لسحبه من التداول نهائياً، وهو ما يدعو إليه الرئيس السابق فرنسوا هولاند، أو على الأقل سحب الفقرة التي أشعلت الاحتجاجات في طيف واسع، يضم الصحافة (بالطبع)، ولكن أيضاً المدافعين عن حقوق الإنسان والنقابات واليسار والخضر. ويربط المراقبون بين انتهاج الحكومة خطاً يمينياً والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وأبرزها الرئاسية ربيع عام 2022. وحرص ماكرون على سحب البساط الأمني من تحت أرجل اليمين واليمين المتطرف، وهي المهمة التي أوكلت لوزير الداخلية. وفي هذا الإطار، سيطرح بعد 10 أيام مشروع قانون آخر لمحاربة ما يسميه ماكرون «الانفصالية الإسلاموية» من شأنه أن يثير مجدداً عاصفة من الاحتجاجات خارج فرنسا لأنه قد ينظر إليه على أنه معاد للإسلام، بينما تؤكد السلطات أنه فقط لمواجهة الإسلاموية والتطرف. وبين هذا وذاك، يقوى الجدل، وتتراكم متاعب الحكومة.


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة