من التاريخ: المعركتان الفاصلتان في الحرب الأهلية الأميركية

من التاريخ: المعركتان الفاصلتان في الحرب الأهلية الأميركية
TT

من التاريخ: المعركتان الفاصلتان في الحرب الأهلية الأميركية

من التاريخ: المعركتان الفاصلتان في الحرب الأهلية الأميركية

لقد كان المشهد العسكري دمويا في الحرب الأهلية الأميركية بحلول عام 1863، حيث ظلت الجيوش الاتحادية تحت قيادة الرئيس لنكون على قوتها المترامية من خلال رصيد لا ينتهي من العدة والعتاد والجنود، بينما ظلت جيوش الكونفدرالية تحت القيادة العسكرية للجنرال ليي تعاني من مشكلات جمة على رأسها الندرة النسبية للجنود بسبب النقص العددي لهذه الولايات الجنوبية، وعدم وجود قاعدة صناعية بهذه الولايات مقارنة بالشمال، فضلا عن الحصار البحري المفروض علي موانئها من قبل البحرية الاتحادية، وهو ما أثر على تجارتها بما فيها وارداتها من السلاح، وظلت كل مساعي الكونفدرالية لإيجاد حلفاء في فرنسا وبريطانيا تذهب أدراج الريح، وقد انعكست كل هذه الحقائق على المسرح العسكري والذي ظل بدرجة أو بأخرى متكافئا بشكل نسبي من خلال معارك متفرقة في الشرق والغرب لم تحسم لصالح أي من الطرفين، ولكن الملاحظ خلال هذه الفترة أن جيوش الاتحاد كانت لها سيطرة ملحوظة بسبب الميزة النسبية لها رغم أنها مُنيت في الكثير من الأحيان بانتكاسات عسكرية، وهو ما دفعها إلى محاولة التركيز على الاستيلاء على النقاط الاستراتيجية لدى الكونفدرالية والدخول في معارك استنزاف واسعة النطاق، التي لم تحقق مكاسب عسكرية كبرى ولكنها كانت تستهلك قوة الجيوش الكونفدرالية، والتي كانت قيادتها العسكرية أفضل نسبيا من قيادة جيوش الاتحاد.
لقد ظل هذا الوضع حتى يوليو (تموز) 1863، وهو الشهر الذي يمكن القول إن جيوش الاتحاد حسمت فيه الحرب الأهلية لصالحها من خلال معركتين شهيرتين، الأولى في الأول من يوليو والمعروفة باسم فيكسبورغ (Vicksburg) والثانية معروفة باسم جيتيسبورج (Gettysburg)، فلقد أدرك الاتحاديون أن الحرب لن تحسم إلا من خلال الاستيلاء على مدينة فيكسبورغ الواقعة على نهر الميسيسيبي التي كانت مركزا للتجمع العسكري والتجارة وملتقى استراتيجي هام يكاد يكون أهم مركز للجنوب، ولو استولى عليه الاتحاديون لشطروا الكونفدرالية إلى نصفين، وقد سعت جيوش الاتحاد للسيطرة على هذه المدينة بأي ثمن بلا جدوى، فلقد استمرت المحاولات للاستيلاء على هذه المدينة لمدة أشهر، خصوصا من خلال البحرية الاتحادية، ولكن المدينة لم تستسلم بسبب موقعها الحصين المرتفع عن النهر، ولكن سقوط ولاية لويزيانا ساهم بشكل كبير في نقل مشاة الجيوش الاتحادية إلى هذه المنطقة، وقد كانت قيادة الجنرال يوليسيس غرانت والجنرال شيرمان حاسمة في هذا الأمر، فبعد محاولات كثيرة فاشلة للهجوم المباشر بثمن عالٍ للغاية، قرر غرانت أن يفرض الحصار على المدينة من كل الاتجاهات تاركا عاملَي الجوع ونفاد الذخيرة ليحسما الأمر، وبالفعل بعد 46 يوما من الحصار استسلمت المدينة في عيد الاستقلال (4 يوليو) وأصبحت الكونفدرالية منقسمة إلى شطرين وجيوش الاتحاد تستعد للتحرك غربا للقضاء على جيوش الكونفدرالية بعد أن حرمتها من أحد مراكزها الأساسية.
أما على المسرح الغربي فإن جيوش الاتحاد لم تكن في أحسن أحوالها، فلقد قرر الجنرال ليي أن يغامر بكل ما لديه من أجل الاستيلاء على العاصمة واشنطن ونقل الحرب إلى عقر دار الشمال، ولو نجحت جيوش الكونفدرالية في ذلك لأصبح وضع الاتحاد سيئا للغاية ولامتدت الحرب الأهلية لسنوات إضافية بالاستيلاء على عاصمتها وشرخ كيانها السياسي، وقد تحرك هذا الجيش الذي كان أكبر الجيوش الكونفدرالية نحو الشمال في مدينة جيتيزبورغ في ولاية بنسلفانيا، ودارت معركة قوية في المدينة فلم يستطع جيش الاتحاد الصمود طويلا أمام جحافل الخصم، وبدأ يتراجع صوب المرتفعات القريبة من المدينة، وهنا برزت عبقرية مييد (Meade) قائد الجيش الاتحادي، حيث جمع قواته في المرتفعات الجنوبية للمدينة ووضعها صفا مستقيما لمسافة 3 أميال ينزوي هذا الصف شمالا نحو اليمين في زاوية شبه مستقيمة لحماية ميمنة الجيش من أية التفافات للعدو، وقد كان مييد قائدا بارعا ذا خلفية هندسية وأدرك أن المرتفعات تمثل له وسيلة دفاعية جيدة أمام القوة الغالية للكونفدرالية، وكانت تعليماته واضحة، وهي أن المعركة ستكون دفاعية بالنسبة إلى جيشه، ولن يخطو نحو الهجوم إلا بعد كسر موجات هجومه واستنزافه، وكان المبدأ الأساسي الذي ذرعه لقادته هو عدم التنازل تحت أي ظرف عن المواقع المرتفعة والتحصينات.
بدأت المعركة بمناوشات على خطوط الجيش الاتحادي، وفي يوم 2 يوليو أمر ليي بهجوم على ميسرة الجيش الاتحادي في محاولة للالتفاف حوله، وقد كادت المحاولة تنجح لولا أن سلاح الفرسان فقد بوصلته العسكرية بسبب كثافة الأشجار، ولكن المعركة استمرت بشكل قوي للغاية خلال الساعات التالية على الجبهة كلها، ومع ذلك فقد كانت دفاعات جيش الاتحاد حصينة، إلى أن حدث بها شرخ قوي بسبب خروج أحد قواده ويدعى سيكلز (Sickles) عن تعليمات القيادة في محاولة عنترية حمقاء لنيل الشرف، فتقدم بلوائه من قلب الجيش ونزل عن المرتفعات العالية لمواجهة العدو تاركا هوة واسعة بينه وبين باقي الجيش، وهو ما دفع الجيش الكونفدرالي للهجوم عليه والسعي لحصاره بمعزل عن باقي الجيش. لو نجحت هذه العملية لأصبح الجيش الاتحادي منقسما إلى ميمنة وميسرة وبلا قوة تذكر في القلب، ولكن سرعان ما تدارك القائد مييد الموقف على الفور حيث ركز مدفعيته لضرب الجيش الكونفدرالي والدفع بالاحتياطي لتغطية الفجوة الناجمة عن هذا التحرك الأحمق لسيكلز فأرسل له المدد من الجيش، وجمع ما تيسر له من المدفعية نحو القلب لتوفير الحماية اللازمة لهذا اللواء المنشق، وعلى الرغم من سحق الهجوم الكونفدرالي المضاد، إلا أن هذا الخطأ التكتيكي أدى إلى استغلال القائد ليي للتحركات المختلفة للخصم لسد الفجوة في الوسط على حساب الميسرة التي بدأت تضعف، وهو ما دفعه إلى تجهيز هجوم خاطف على ميسرة جيش الاتحاد في جنح الليل، الذي كانت تحرسه قوات من 1400 جندي مقابل 4500 جندي كونفدرالي، ولكن استبسال المدافعين والظلام الدامس منع نجاح هذه المحاولة التي لو نجحت لأصبح وضع جيش الاتحاد شبه ميؤوس منه، حيث كان سيتم تطويقه على الفور، وهنا أدرك مييد انكشاف الميسرة فأرسل التعزيزات على الفور لردع أي هجوم جديد بحلول الصباح.
وعندما فشلت كل المناورات أمام جيش الكونفدرالية، فكر ليي في أن يدفع جنوده بهجوم مباشر على طول الجبهة مركزا على القلب مرة أخرى، لا سيما أن فرص التطويق باتت مستبعدة، وهنا يمكن القول إن ليي «اقترف» خطأ استراتيجيا بشنه هجوما مباشرا في الوقت الذي كان من المفترض ضرورة الانتظار لفتح ثغرة أخرى في دفاعات الاتحاديين، كذلك فقد كان يجب عليه أن يدرك أن جيشه كان مطالبا بتخطي ما يقرب من كيلومترين من المسافة قبل الوصول إلى الخصم، وهي مسافة كبيرة للغاية، خصوصا أن الخصم كان على تبة عالية، ومن ثم استحالة نجاح هذه المحاولة اليائسة، وقد دفع ليي ثمنا باهظا لهذا الخطأ التكتيكي، فقبل إدراك قواته لدفاعات الخصم للاشتباك معه كانت مدفعية الاتحاد من أعلى التبة قد أحاطت بقوات ليي المهاجمة، وهذه كانت العملية الفاصلة التي حسمت المعركة لصالح الاتحاديين وأدت إلى انسحاب فلول الكونفدرالية بعدما فقدوا القدرة على التجمع والسيطرة الميدانية، وتبع ذلك هجوم الجيش الاتحادي بكل قوته ودحر قوات الخصم، الذي فر تاركا مدينة جيتيزبورغ تحت رحمة الاتحاديين والذين استولوا عليها.
لقد أدت معركة جيتيزبورغ إلى هزيمة الجنرال ليي فكان لها أكبر الأثر في رفع الروح المعنوية لجيوش الاتحاديين في كل مسرح العمليات، كما أنها قوضت أية فرصة للكونفدرالية لنقل القتال إلى الشمال، وباتت هزيمة الكونفدرالية في شهر يوليو 1863 مسألة وقت لا غير، رغم استمرار جيوشها شرقا وغربا، ومن هذه الخطوة بدأت قواتها تتراجع أمام جيوش الاتحاد بشكل غير منظم، وأصبح الأمل في انتصار الكونفدرالية أمرا ميؤوسا منه مع مرور الوقت، خصوصا عندما أعلن الاتحاد إلغاء الرق وفتح المجال أمام انضمام الرقيق إلى الجيش الأميركي، وهي الخطوة التي ساهمت في تدمير القدرة الكونفدرالية على الصمود طويلا كما سنرى.



منطقة الساحل... ساحة صراع بين الغرب وروسيا

طائرة ميراج 2000 فرنسية في قاعدة بنيامي، عاصمة النيجر، يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)
طائرة ميراج 2000 فرنسية في قاعدة بنيامي، عاصمة النيجر، يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)
TT

منطقة الساحل... ساحة صراع بين الغرب وروسيا

طائرة ميراج 2000 فرنسية في قاعدة بنيامي، عاصمة النيجر، يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)
طائرة ميراج 2000 فرنسية في قاعدة بنيامي، عاصمة النيجر، يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)

يسدلُ الستارُ على آخر مشاهد عام 2024 في منطقة الساحل الأفريقي، ورغم أن هذه الصحراء الشاسعة ظلت رتيبة لعقود طويلة، فإن المشهد الأخير جاء ليكسر رتابتها، فلم يكن أحد يتوقع أن ينتهي العام والمنطقة خالية من القوات الفرنسية، وأن يحل محلها مئات المسلحين الروس، وأنّ موسكو ستكون أقربَ من باريس لكثير من أنظمة الحكم في العديد من بلدان القارة السمراء.ورغم أن الفرنسيين كانوا ينشرون في الساحل أكثر من 5 آلاف جندي لمحاربة الإرهاب، بينما أرسل الروس بدورهم مرتزقة شركة «فاغنر» للمساعدة في المهمة نفسها، التي فشل فيها الفرنسيون، فإن الإرهاب ما زال يتمدد، بل إنه ضرب في قلب دول الساحل هذا العام، كما لم يفعل من قبل.

لم يكن الإرهاب حجةً للتدخل العسكري الأجنبي فقط، وإنما كان حجة جيوش دول الساحل للهيمنة على الحكم في انقلابات عسكرية أدخلت الدول الثلاث، مالي، النيجر وبوركينا فاسو، في أزمة حادة مع جيرانها في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، انتهت بالقطيعة التامة وانسحاب الدول الثلاث من المنظمة الإقليمية التي كانت حتى وقت قريب تمثّلُ حلماً جميلاً بالاندماج والتكامل الاقتصادي.

بالإضافة إلى تصاعد الإرهاب والعزلة الإقليمية، حمل عام 2024 معه لدول الساحل تداعيات مدمرة للتغيّر المناخي، فضرب الجفاف كثيراً من المحاصيل الزراعية، وجاءت بعد ذلك فيضانات دمّرت ما بقي من حقول وقرى متناثرة في السافانا، وتسببت في موت الآلاف، وتشريد الملايين في النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو.

صورة وزعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي في أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

الخروج الفرنسي

الساحل الذي يصنّف واحدة من أفقر مناطق العالم وأكثرها هشاشة، كان يمثّلُ الجبهة الثانية للحرب الروسية - الأوكرانية، فكان مسرحاً للصراع بين الغرب وروسيا، وقد تصاعد هذا الصراع في عام 2024، وتجاوز النفوذ السياسي والاستراتيجي، إلى ما يشبه المواجهة المباشرة من أجل الهيمنة على مناجم الذهب واليورانيوم وحقول النفط، والموارد الهائلة المدفونة في قلب صحراء يقطنها قرابة 100 مليون إنسان، أغلبهم يعيشون في فقر مدقع.

يمكن القول إن عام 2024 محطة فاصلة في تاريخ الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، خصوصاً أن الفرنسيين دخلوا المنطقة مطلع القرن التاسع عشر، تحت غطاء تجاري واقتصادي، ولكن سرعان ما تحوّل إلى استعمار عسكري وسياسي، هيمن بموجبه الفرنسيون على المنطقة لأكثر من قرن من الزمان، وبعد استقلال هذه الدول، ظلت فرنسا موجودة عسكرياً بموجب اتفاقات للتعاون العسكري والأمني.

ازداد الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل بشكل واضح، عام 2013، بعد أن توجّه تنظيم «القاعدة» إلى منطقة الساحل الأفريقي، ليتخذ منها مركزاً لأنشطته بعد الضربات التي تلقاها في أفغانستان والعراق، ومستغلاً في الوقت ذاته الفوضى التي عمّت المنطقة عقب سقوط نظام العقيد الليبي معمر القذافي عام 2011. حينها أصبح الفرنسيون يقودون «الحرب العالمية على الإرهاب» في الساحل، وأطلقوا عملية «سيرفال» العسكرية في يناير (كانون الثاني) 2013، التي تحوّلت عام 2014 إلى عملية «برخان» العسكرية التي كان ينفق عليها الفرنسيون سنوياً مليار يورو، وينشرون فيها أكثر من 5 آلاف جندي في دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد.

على وقع هذه الحرب الطاحنة بين الفرنسيين وتنظيم «القاعدة»، وانتشار الجنود الفرنسيين بشكل لافت في شوارع المدن الأفريقية، تصاعد الشعور المعادي لفرنسا في الأوساط الشعبية، ما قاد إلى انهيار الأنظمة السياسية الموالية لباريس، وسيطر عسكريون شباب على الحكم في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وكان أول قرار اتخذوه هو «مراجعة» العلاقة مع فرنسا، وهي مراجعة انتهت بالقطيعة التامة.

حزمت القوات الفرنسية أمتعتها وغادرت مالي، ثم بوركينا فاسو والنيجر، ولكن المفاجأة الأكبر جاءت يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 حين قررت تشاد إنهاء اتفاقية التعاون العسكري مع فرنسا، وهي التي ظلت دوماً توصف بأنها «حليف استراتيجي» للفرنسيين والغرب في المنطقة.

وبالفعل بدأ الفرنسيون حزم أمتعتهم ومغادرة تشاد دون أي تأخير، وغادرت مقاتلات «ميراج» الفرنسية قاعدة عسكرية في عاصمة تشاد، إنجامينا، يوم الثلاثاء 10 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، في حين بدأ الحديث عن خطة زمنية لخروج أكثر من ألف جندي فرنسي كانوا يتمركزون في تشاد.

ربما كان تطور الأحداث خلال السنوات الأخيرة يوحي بأن الفرنسيين في طريقهم إلى فقدان نفوذهم التقليدي في منطقة الساحل، ولكن ما يمكن تأكيده هو أن عام 2024 شكّل «لحظة الإدراك» التي بدأ بعدها الفرنسيون يحاولون التحكم في صيغة «الخروج» من الساحل.

صورة جماعية لقادة دول "الإيكواس" خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

لقد قرَّر الفرنسيون التأقلم مع الوضع الجديد في أفريقيا، حين أدركوا حجم الجهد الضائع في محاولة المواجهة والضغط على الأنظمة العسكرية المتحالفة مع روسيا، فهذه الأنظمة لا تتوقف عن «إذلال» القوة الاستعمارية السابقة بقرارات «استفزازية» على غرار اعتقال 4 موظفين بالسفارة الفرنسية في بوركينا فاسو، واتهامهم بالتجسس، وبعد عام من السجن، أُفرج عنهم بوساطة قادها العاهل المغربي الملك محمد السادس يوم 19 ديسمبر 2024.

وفي النيجر، قرَّر المجلس العسكري الحاكم، في يونيو (حزيران) 2024، إلغاء رخصة شركة فرنسية كانت تستغل منجماً لليورانيوم شمال البلاد، وسبق أن قرَّرت النيجر، على غرار مالي وبوركينا فاسو، منع وسائل الإعلام الفرنسية من البث في البلاد بعد أن اتهمتها بنشر «أخبار كاذبة».

يدخل مثل هذه القرارات ضمن مسار يؤكد أن «النقمة» تجاه الفرنسيين في دول الساحل تحوّلت إلى قرار نهائي بالقطيعة والخروج من عباءة المستعمِر السابق. وفي ظل مخاوف من اتساع رقعة هذه القطيعة لتشمل دولاً أفريقية أخرى ما زالت قريبةً من باريس، وضع الفرنسيون خطةً لإعادة هيكلة وجودهم العسكري في أفريقيا، من خلال تخفيض قواتهم المتمركزة في السنغال، وكوت ديفوار، والغابون، وجيبوتي.

أسند الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مهمة إعداد هذه الخطة إلى جان-ماري بوكل، حين عيّنه في شهر فبراير (شباط) 2024 مبعوثاً خاصاً إلى أفريقيا، وهي المهمة التي انتهت في نحو 10 أشهر، قدّم بعدها تقريراً خاصاً سلّمه إلى ماكرون، يوم 27 نوفمبر الماضي، ينصح فيه بتقليص عدد القوات الفرنسية المتمركزة إلى الحد الأدنى، وتَحوُّل القواعد العسكرية إلى «مراكز» أكثر مرونة وخفة، هدفها التركيز على التدريب العسكري، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية.

الأميركيون أيضاً

حين كان الجميعُ يتحدَّث خلال العقدين الأخيرين عن الانتشار العسكري الفرنسي، والنفوذ الذي تتمتع به باريس في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، كان الأميركيون حاضرين ولكن بصمت، ينشرون مئات الجنود من قواتهم الخاصة في النيجر؛ لمساعدة هذا البلد في حربه ضد جماعات مثل «القاعدة»، و«بوكو حرام»، و«داعش». واستخدم الأميركيون في عملياتهم قاعدة جوية في منطقة «أغاديز» خاصة بالطائرات المسيّرة التي تمكِّنهم من مراقبة الصحراء الكبرى وتحركات «القاعدة» من جنوب ليبيا وصولاً إلى شمال مالي.

ولا يزال الأميركيون أوفياء لاستراتيجية الحضور العسكري الصامت في أفريقيا، على العكس من حلفائهم الفرنسيين وخصومهم الروس، ولكن التحولات الأخيرة في منطقة الساحل أرغمتهم على الخروج إلى العلن، خصوصاً حين بدأت مجموعة «فاغنر» تتمتع بالنفوذ في النيجر. حينها أبلغ الأميركيون نظام الحكم في نيامي بأنه لا مجال لدخول «فاغنر» إلى بلد هم موجودون فيه.

وحين اختارت النيجر التوجه نحو روسيا و«فاغنر»، قرَّر الأميركيون في شهر أغسطس (آب) 2024 سحب قواتهم من النيجر، وإغلاق قاعدتهم العسكرية الجوية الموجودة في شمال البلاد.

وأعلن الأميركيون خطةً لإعادة تموضع قواتهم في غرب أفريقيا، فتوجَّهت واشنطن نحو غانا وكوت ديفوار وبنين، وهي دول رفعت من مستوى تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، وتسلّمت مساعدات عسكرية كانت موجهة إلى النيجر، عبارة عن مدرعات وآليات حربية.

دبابة فرنسية على مقربة من نهر النيجر عند مدخل مدينة غاو بشمال مالي يوم 31 يناير 2013 (أ.ب)

البديل الروسي

لقد كانت روسيا جاهزة لاستغلال تراجع النفوذ الغربي في منطقة الساحل، وهي المتمركزة منذ سنوات في ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، فنشرت المئات من مقاتلي «فاغنر» في مالي أولاً، ثم في بوركينا فاسو والنيجر، كما عقدت صفقات سلاح كبيرة مع هذه الدول.

لكن موسكو حاولت في العام الماضي أن ترفع من مستوى تحالفها مع دول الساحل إلى مستويات جديدة. فبالإضافة إلى الشراكة الأمنية والعسكرية، كان الروس يطمحون إلى شراكة اقتصادية وتجارية.

ولعل الحدث الأبرز في هذا الاتجاه كان جولة قام بها وفد روسي بقيادة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، نهاية نوفمبر الماضي، وقادته إلى دول الساحل الثلاث: مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

كان الهدف من الجولة هو «تعزيز الشراكة الاقتصادية»، مع تركيز روسي واضح على مجال «الطاقة». فقد ضم الوفد الروسي رجال أعمال وفاعلين في قطاع الطاقة، وسط حديث عن اتفاقات لإقامة محطات لإنتاج الطاقة الشمسية، تتولى شركات روسية تنفيذها في الدول الثلاث.

وفي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وقَّع رؤساء مالي وبوركينا فاسو والنيجر اتفاقاً مع وكالة الفضاء الروسية، ستقدم بموجبه الوكالة الروسية لهذه الدول «صور الأقمار الاصطناعية»؛ من أجل تعزيز مراقبة الحدود وتحسين الاتصالات، أي أن روسيا أصبحت العين الرقيبة على دول الساحل بعد أن أُغمضت العين الفرنسية. هذا عدا عن نجاح روسيا في اللعب بورقة الأمن الغذائي، فكان القمح الروسي أهم سفير لموسكو لدى دول الساحل، وفي العام الماضي أصبحت موسكو أكبر مورِّد للحبوب لهذه الدول التي تواجه مشكلات كبيرة في توفير حاجياتها من الغذاء، فأصبح القمح الروسي يسيطر على سوق حجمها 100 مليون نسمة.

رغم المكاسب التي حققتها روسيا في منطقة الساحل الأفريقي، فإن عام 2024 حمل معه أول هزيمة تتعرَّض لها مجموعة «فاغنر» الخاصة، منذ أن بدأت القتال إلى جانب الجيش المالي، قبل سنوات عدة.

جاء ذلك حين تصاعدت وتيرة المعارك بين الجيش المالي والمتمردين الطوارق، إثر انسحاب مالي من اتفاقية الجزائر المُوقَّعة بين الطرفين عام 2015، ودخل الطرفان في هدنة بموجبها امتدت لقرابة 10 سنوات. لكن الهدنة انتهت حين قرر الماليون الزحف العسكري نحو الشمال حيث يتمركز المتمردون.

استطاع الجيش المالي، المدعوم من «فاغنر»، أن يسيطر سريعاً على كبريات مدن الشمال، حتى لم تتبقَّ في قبضة المتمردين سوى قرية صغيرة، اسمها تينزواتين، على الحدود مع الجزائر، وعلى مشارفها وقعت معركة نهاية يوليو (تموز) 2024، قُتل فيها العشرات من الجيش المالي و«فاغنر»، ووقع عدد منهم في الأسر.

كانت هزيمة مفاجئة ومذلة، خصوصاً حين نشر المتمردون مقاطع فيديو لعشرات الجثث المتفحمة، بعضها يعود لمقاتلين من «فاغنر»، كان من بينهم قائد الفرقة التي تقدّم الدعم للجيش المالي من أجل استعادة السيطرة على شمال البلاد.

طائرة ميراج فرنسية تُقلع من قاعدة في إنجامينا... (أ.ف.ب)

المفاجأة الأوكرانية

اللافت بعد هزيمة «فاغنر» والجيش المالي في «معركة تينزواتين» هو اكتشاف دور لعبته أوكرانيا في دعم المتمردين من أجل كسر كبرياء روسيا، من خلال إذلال «فاغنر»، وهو ما أكدته مصادر أمنية وعسكرية أوكرانية.

تحدَّثت مصادر عدة عن حصول المتمردين في شمال مالي على تدريب خاص في أوكرانيا، واستفادتهم من طائرات مسيّرة حصلوا عليها من كييف مكّنتهم من حسم المعركة بسرعة، بالإضافة إلى معلومات استخباراتية وفّرتها لهم المخابرات الأوكرانية وكان لها الأثر الكبير في الهزيمة التي لحقت بقوات «فاغنر» وجيش مالي.

لم يكن لأوكرانيا، في الواقع، أي نفوذ في منطقة الساحل الأفريقي، ولا يتجاوز حضورها سفارات شبه نائمة، لكنها وبشكل مفاجئ ألحقت بروسيا أول هزيمة على صحراء مالي، وأصبحت تطمح لما هو أكثر من ذلك. ولكن مالي أعلنت بعد مرور أسبوع على «معركة تينزواتين»، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أوكرانيا، وتبعتها في ذلك النيجر وبوركينا فاسو، كما تقدَّمت مالي بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي تتهم فيها أوكرانيا بدعم «الإرهاب» في منطقة الساحل الأفريقي.

رغم مكاسب روسيا في الساحل، إلا إن عام 2024 حمل معه أول هزيمة لمجموعة «فاغنر» منذ أن بدأت القتال إلى جانب جيش مالي

قادة مالي الكولونيل أسيمي غويتا، والنيجر الجنرال عبدالرحمن تياني، وبوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري خلال لقاء لـ "تحالف دول الساحل" في نيامي، عاصمة النيجر، يوم 6 يوليو الماضي (رويترز)

خطر الإرهاب

في 2024 كثّفت جيوش دول الساحل حربها ضد التنظيمات الإرهابية، ونجحت في تحقيق مكاسب مهمة، وقضت على مئات المقاتلين من تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وقد ساعدت على ذلك الشراكة مع روسيا، حيث حصلت جيوش الساحل على أسلحة روسية متطورة، كما كان هناك عامل حاسم تَمثَّل في مسيّرات «بيرقدار» التركية التي قضت على مئات المقاتلين.

لكن الخطوة الأهم في الحرب، جاءت يوم 6 مارس (آذار) 2024، حين أعلن قادة جيوش دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو إنشاء «قوة عسكرية مشتركة»؛ لمواجهة الجماعات الإرهابية التي تنشط في المنطقة، خصوصاً في المناطق الحدودية، ما قلّص من قدرة التنظيمات الإرهابية على التنقل عبر الحدود.

في هذه الأثناء قرَّرت دول الساحل رفع مستوى هذا التعاون مطلع يوليو 2024، من خلال تشكيل «تحالف دول الساحل»؛ بهدف توحيد جهودها في مجال محاربة الإرهاب، ولكن أيضاً مواقفها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، قبل أن تتجه نحو تشكيل عملة موحدة وجواز سفر موحد.

في غضون ذلك، لم تتوقف التنظيمات الإرهابية عن شنِّ هجماتها في الدول الثلاث، ولعل الهجوم الأهم في العام الماضي ذاك الذي نفَّذه تنظيم «القاعدة» يوم 17 سبتمبر الماضي ضد مطار عسكري ومدرسة للدرك في العاصمة المالية باماكو. شكّل الهجوم الذي خلّف أكثر من 70 قتيلاً، اختراقاً أمنياً خطيراً، أثبت من خلاله التنظيم الإرهابي قدرته على الوصول إلى واحدة من أكثر المناطق العسكرية حساسية في قلب دولة مالي.

في يوم 28 يناير 2024 أعلنت الأنظمة العسكرية الحاكمة، في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، التي فرضت عقوبات ضد دول الساحل إثر الانقلابات العسكرية التي وقعت فيها، وفي يوليو عادت لتُشكِّل «تحالف دول الساحل».

يؤكد التحالف الجديد رغبة هذه الدول في الانسحاب من المنظمة بشكل نهائي، ولكنه في المقابل يرسم ملامح الصراع الدولي في المنطقة. فتحالف دول الساحل يمثّل المحور الموالي لروسيا، أما منظمة «إيكواس» فهي الحليف التقليدي لفرنسا والغرب.

ورغم أن منظمة «إيكواس» في آخر قمة عقدتها خلال ديسمبر الحالي، تركت الباب مفتوحاً أمام تراجع دول الساحل عن القرار، ومنحتها مهلة 6 أشهر، إلا أن القادة العسكريين لدول الساحل ردوا على المنظمة بأن قرارهم «لا رجعة فيه».