التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة

مصير «ديناصورات السياسة» في ختام ماراثون المفاوضات الطويلة

التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة
TT

التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة

التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة

«هنالك في مدينة نالوت بغرب ليبيا ترقد الديناصورات بسلام»... لكن الدبلوماسية الأميركية السابقة ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة بالإنابة، خيّرت «ديناصورات السياسة» الأسبوع الماضي بين الانقراض... والتعاطي بإيجابية مع الحلول السياسية التي تتبناها البعثة، ومن ثم، المجتمع الدولي لإيجاد حل للأزمة الليبية.
في يناير (كانون الثاني) عام 1998، كان الأخوان عاشور ومسعود المشائخ يمارسان عملهما في الحفر بالمحجر الرملي في وادي المردوات (شمال شرقي نالوت)، عندما اكتشفا في المدينة - التي يتكلّم سكانها اللغة الأمازيغية، وتعد من أكبر مدن الجبل الغربي وآخرها على بعد نحو 270 كيلومتراً من العاصمة طرابلس - بقايا عظام متحجرة ذات أحجام وأنواع مختلفة. واتضح لاحقاً أنها لديناصورات منقرضة عاشت هناك قبل ملايين السنين.
خلال الأسبوع الماضي، احتاجت وليامز إلى تسع سنوات بعد سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، لتكتشف أن «ديناصورات السياسة» ما زالت على قيد الحياة، في بلد فقد مئات الآلاف ما بين قتيل وجريح بعد كل ما جرى عام 2011.
من على منصة «ملتقى الحوار السياسي الليبي» في تونس، خاطبت ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة، الليبيين قائلة «كما تعلمون، لقد انقرضت الديناصورات، والديناصورات السياسية تواجه وبصراحة مصير الانقراض ذاته، في حال لم تثبت أهميتها. لا تزال تملك فرصة لإثبات ذلك بالارتقاء لمستوى الأحداث أو تحذو حذو الديناصورات بالانقراض».
التعبير الصادم، ألجم الجميع وألزمه الصمت، فلم يعقّب سوى عدد محدود من السياسيين الليبيين على التهديدات المبطنة للمبعوثة الأممية، التي تأتي في سياق ماراثون طويل ومرير من المفاوضات السياسية والعسكرية داخل ليبيا وخارجها بحثاً عن حل.
وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الأممية لم تحدد أسماء المقصودين بتعبير الديناصورات، فلأن «كل لبيب بالإشارة يفهم»، ولأن «العَبدُ يُقرعُ بالعصا - والحُرُّ تكفيهِ الإِشارَة»، كما قال أحدهم، فقد اعتبر الدكتور محمد الذويب، أستاذ اللغات القديمة، في قراءته تصريحات مَن وصفها بالحاكمة الأميركية لليبيا التي «فضّلت مصطلح الديناصور، وجعلته سياسياً؛ لأنها استندت إلى دلالته في الإنجليزية التي تذهب إلى ما وراء صفات هذه الزواحف من رعب وقوة لتدل على فساد حال وفشل وعدم صلاحية وعيش خارج الزمن».
الذويب تابع في تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» «وإمعاناً في إذلال هؤلاء رفعت من نبرة صوتها عندما أوردت المثل وأشارت بالسبابة تخويفاً لهم، ثم استعملت أصابع يدها اليمنى كاملة مع إيماءات رفع الحاجبين و(التفنيص) عندما قالت فليذهبوا في الطريق نفسه (أي طريق الانقراض)». وتساءل «هل سيذهب هؤلاء إلى الانقراض سريعاً، أم سننتظر 160 مليون سنة أخرى؟».
السؤال المنطقي، عصفت به رياح السياسة وتحالفاتها غير المنطقية الباحثة عن مقعد في سلطة جديدة يراد لها أن تتشكل في نهاية رحلة التفاوض التي ترعاها البعثة الأممية.
لكن عن أي ديناصورات نتحدث هنا؟
يقول دبلوماسي غربي «أعتقد أن المستهدفين هم من حافظوا على مقاعدهم في السلطة أو على مسافة قريبة منها على مدى السنوات التسع الماضية». وتابع الدبلوماسي - الرافض الإشارة إلى اسمه - قائلاً «وليامز لم تحدد من المقصود بالمصطلح الذي استخدمته، لكن هؤلاء يعرفون أنفسهم تماماً... والشارع الليبي يعرف أيضاً».
في أحاجي السياسة الليبية، فإن كل النخبة التي تمارسها، على المحك، فطموح الاستمرار في مواقعها يصطدم بخريطة جديدة ترسمها محادثات تتنقل بين الداخل والخارج، على أمل الوصول إلى مائدة مفاوضات أخيرة، للحسم.
يراد إذن، تغيير المشهد برمته، ويحمل هؤلاء لقب مسؤول سابق، لكن الأمر ليس بتلك البساطة. وهنا يعرب دبلوماسي مصري مخضرم سابق عن اعتقاده؛ لأن «الموجودين راهناً في السلطة لن يتخلوا بسهولة عنها»، ثم يضيف «هناك حاجة إلى التغيير نعم، لكن إقصاء هؤلاء بشكل كامل صعب في هذه المرحلة».
- اجتماعات طنجة التشاورية
الاجتماعات التشاورية التي عقدها أعضاء مجلس النواب (البرلمان) الليبي في مدينة طنجة (بأقصى شمال غربي المغرب)، حضرها 111 نائباً، منهم أكثر من 35 من أعضاء مجلس النواب المنعقد في طبرق وآخرون في العاصمة طرابلس. وفيها كان الهدف المعلن هو تغيير رئاسة المجلس الذي جرى انتخابه في الرابع من شهر أغسطس (آب) من عام 2014.
البرلمان، الذي كان يفترض به أن يضم 200 عضو، انتخب له 188 عضواً فقط، بعدما تعذر انتخاب 12 عضواً يمثلون مناطق أوضاعها الأمنية متدهورة. وفي المقابل، حالت استقالة بعض النواب ووفاة بعضهم الآخر دون توفير عدد دقيق لعدد البرلمانيين في ليبيا.
بيد أن اجتماع طنجة، الذي يأتي استجابة لدعوة من البرلمان المغربي بهدف «توحيد البرلمان الليبي المنقسم»؛ تمهيداً لاجتماع موسع يُعقد في مدينة غدامس، غرب ليبيا، قفز إلى ما هو أبعد من توحيد المؤسسة التشريعية في البلاد.
الحديث هنا بشكل صريح، يعني إنهاء ولاية المستشار عقيلة صالح، الرئيس الحالي للمجلس، الذي يتأهب للوصول إلى العاصمة المصرية القاهرة آتياً من العاصمة الروسية موسكو. والجدير بالذكر، أن اسم صالح يتردد جدياً كرئيس محتمل للمجلس الرئاسي الجديد، المتوقع أن يخلف المجلس الحالي الذي يقوده رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج في طرابلس.
صالح، كان دائماً في الآونة الأخيرة منفتحاً، في الواقع على المبادرات التي طرحتها البعثة الأممية، وكذلك وحكومة السراج والقيادي الإخواني خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، ويخطط للبقاء. ويقول أحد المقربين منه «حكومة أو سلطة جديدة من دون عقيلة تشبه تماماً، حلم إبليس في الجنة»، وهذه العبارة القاطعة ذات المغزى العميق تعني أن رئيس مجلس النواب باقٍ ويتمدد، وفقاً للتعبير الشائع والدارج لدى مواطنيه الليبيين.
ويتابع المصدر، الذي طلب إغفال اسمه، «لن ينجح النواب المجتمعون في المغرب في إقالة عقيلة أو انتخاب رئيس جديد للبرلمان». ومن دون أن يفصح هذا المصدر عن مبررات هذا التأكيد، فإنه أشار إلى أن عقيلة صالح سيكون جزءاً رئيساً في المشهد السياسي الليبي الجديد، وإلا فإن الحرب قادمة لا محالة.
- ماذا تريد موسكو؟
من جهة أخرى، في موسكو، استمع المستشار عقيلة صالح إلى عبارات التطمين على الدور الرئيس لمجلس النواب الليبي في المرحلة المقبلة، من دون أن تتورط الدبلوماسية الروسية في إعلان دعمها المباشر لبقائه لاحقاً ضمن السلطة الجديدة. ومن السياسي البريطاني الراحل المخضرم وينستون تشرتشل، يقتبس عبد الباسط البدري، سفير ليبيا السابق لدى روسيا، التعبير الشهير «لا يمكنني أن أتوقع لكم عمل روسيا»، قائلاً عبر تغريدة له «إنه لغز، ملفوف في لغز داخل لغز... وفعلاً هذا ما يحدث في ليبيا حالياً».
البدري، الذي أرفق صورة له مع من وصفه بـ«الصديق العزيز» سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسية، خلص إلى أنه «ربما يوجد مفتاح لحل الأزمة الليبية حيث سيكون المفتاح هو المصلحة الوطنية الليبية». وبشكل أو بآخر، فإن البدري، الذي يلعب دور «صانع الرؤساء» حالياً في ساحة السياسة الليبية، يدرك أكثر من غيره أن «الحلول ممكنة... وإن كانت معقدة».
على صعيد آخر، بإعلانه اعتزامه الاستقالة من منصبه، يخرج فائز السراج من السباق نحو السلطة الجديدة، ليبقى وزير داخليته الطموح ذو الأصول التركية فتحي باش أغا (باشاغا)، ليحل مكانه رئيساً للحكومة التي ستشكّل.
أغا، ابن مصراتة ليس مرشحها الوحيد، إلا أنه أبرزهم حظوظاً، بفعل تنقلاته الجوية ما بين القاهرة وباريس سعياً وراء دعم... وربما موافقة ضمنية.
تحرك أغا باتجاه حلفاء المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، يعكس براغماتيته السياسية، كما يعتقد مقربون منه. ويضيف هؤلاء «طبيعي جدا أن يقوم بزيارات إلى العواصم الفاعلة في المشهد الليبي، عند هذه المرحلة الحساسة في تاريخ البلاد». ولكن ثمة من يرى أن فتحي باش أغا، المحسوب إلى حد ما على جماعة الإخوان المسلمين، يبحث لنفسه عن مكان تحت شمس السلطة الجديدة؛ ضماناً لولاء حلفائه المحليين وتجديداً لتحالفاته الخارجية.
هذه هي المعادلة في ليبيا، التي يصدق فيها تماماً لقب «رهينة المحبسين»، التدخل الخارجي، ولاحقاً المرتزقة الأجانب والميليشيات المسلحة المنتشرة في كل مفاصل الدولة... إذ تتبادل السيطرة عليها في إطار الصراع الدائم بحثاً عن النفوذ والهيمنة والثروة.
- أين يقف حفتر؟
من جانبه، استبق المشير خليفة حفتر الخريطة الجديدة للكيان المتوقع للسلطة المحتملة، بإبقاء «الجيش الوطني الليبي» بعيداً عن حسابات الخريطة المعقدة. ولقد استخدم حفتر للمرة الأولى لدى استقباله وفداً من القبائل المحلية، في مقره العتيد بالرجمة، خارج مدينة بنغازي، كبرى مدن الشرق الليبي، تعبيراً غير مألوف. وذلك حين تحدث على لسان الوفد قائلاً، إن «الجيش الوطني خط أحمر ولا يندرج مصيره تحت أي حوار منعقد». وأردف أنه «جيش لكل الليبيين، وأخرج كل عناصره من دوائر الصراع، وكان سباقاً في الدعوة للسلام قبل الجميع».
إذا كانت المؤسسة العسكرية، وفقاً لهذا المنطق، خارج سياق المفاوضات... فإن الأمر نفسه لا بد أن ينطبق على قيادتها أيضاً. وهذا هو المهم.
حقيقة الأمر، أنه لا يوجد من بين مستشاري حفتر والمقربين منه مَن يستطيع التكهن بالخطوة التالية التي يعتزم القيام بها. غير أن المشير، حين كان لا يزال برتبة لواء، قد قال في حوار مطول لـ«الشرق الأوسط» معرّفاً بنفسه «أنا ضابط في القوات المسلحة، حريص على أداء واجبي تجاه شعبي. وبالتالي، دائماً نسأل أنفسنا ما الذي نستطيع أن نقدمه لشعبنا، الذي قدم لنا كل شيء؟ وهذه هي المهمة الوحيدة عندي، وأنا على استعداد دائماً لتقديم ما يريد».
حفتر قال أيضاً «هذه مهمة أمامنا، ونريد أن نبني جيشاً يحمي المواطن والبلاد، ويحمي الدستور في حالة اكتماله والانتهاء منه»، معتبراً أنه «لا يسعى للسلطة، ولكن إذا كُلّفنا أو إذا رأى شعبنا هذا من خلال صناديق الاقتراع».
ومع أن مفاوضات توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء فوضى السلاح في ليبيا لم تصل بعد إلى بر الأمان المطلوب، فإن ثمة شبه إجماع على بقاء حفتر على رأس هذه المؤسسة... حتى إشعار آخر.
ما يستحق الإشارة هنا، أنه إبان المباحثات التي أجريت قبل سنتين في القاهرة، ولم تكلل بالنجاح لجهة إعلان توحيد الجيش تحت قيادة واحدة ومسيطرة، كانت المسألة «محسومة تقريباً لصالح بقاء المشير قائداً عاماً للجيش الوطني»، وفقاً لما أبلغه مسؤول بالجيش لـ«الشرق الأوسط».
وأضاف المسؤول، الذي طلب حجب هويته «لم تكن هناك خلافات حول هذه النقطة. ولم يطرح وفد قوات حكومة الوفاق في المباحثات أي أسماء أخرى لقيادة الجيش. وبالتالي، فإن القضية محسومة»، على حد تعبيره.
وفق هذا المعطيات، على الأقل، سيبقى المشير حفتر قائداً لـ«الجيش الوطني الليبي» في مرحلة انتقالية تضمن انتهاء ولاية «حكومة الوفاق»، والوصول إلى أجواء تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في البلاد. ولكن، مع ذلك فإن أطرافاً في «حكومة الوفاق» وأخرى متحالفة معها تسعى منذ الآن إلى إقناع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، بدعمها ضد حفتر؛ وذلك بهدف «تكثيف» تركيز واشنطن على ليبيا، وتقديم ضربة قاضية لطموحات حفتر السياسية، وفقاً لتقارير غربية.
على صعيد آخر، إذا كانت الجولة الأولى لـ«ملتقى الحوار الليبي» في تونس قد خلصت إلى تحديد تاريخ يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) من العام المقبل، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، ورغم اتفاق المجتمعين على تحديد صلاحيات المجلس الرئاسي والحكومة، فإن ثمة «ملفات لا تزال عالقة، أبرزها تحديد شروط الترشح للمناصب السيادية»، وفقاً لما تقوله وكالة «الأناضول» التركية. مقابل ذلك، يعتقد مسؤول عسكري في «الجيش الوطني الليبي» أن تركيا «التي نجحت في الآونة الأخيرة عبر حكومة الوفاق وتفاهماتهما العسكرية المشبوهة، في فرض نفسها لاعباً أساسياً في ليبيا يصعب ترويضه سياسياً، تسعى إلى صدام عسكري».
وهكذا، ما بين مخاوف اندلاع الحرب وحدوث هذا الصدام، فإن العملية السياسية تظل على قيد الحياة إلى حين إشعار أخر...
فهل تصمد «الديناصورات» التي يحتفظ متحف «نالوت» ببقايا عظامها، أم تراها ستنقرض تماماً على مسرح السياسة؟
هذا، حقاً، السؤال الأصعب في المشهد الراهن. أما بخصوص الإجابة عنه، فقصة أخرى، كما يقال.
- وفق تقديرات «البنتاغون»... الوضع في ليبيا هش وخطر
> يعتقد مراقبون للساحة الليبية، أنه على الرغم من شبه الحسم الذي يظهر أنه طال «الجيش الوطني الليبي»، فهو لم يصل بعد إلى أروقة السياسيين. إذ ما زال هناك من كل أجزاء وجوانب السلطة... الأصلي والموازي له. فثمة برلمان موازٍ في العاصمة طرابلس لمجلس النواب (الأصلي) الموجود مقره في طبرق، بأقصى الشرق الليبي، كما أن «حكومة الوفاق» (برئاسة السراج) في طرابلس... في مواجهة «حكومة» عبد الله الثني التي تدير المنطقة الشرقية، أضف إلى ذلك وجود مجالس متنافسة في مؤسسة النفط والمصرف المركزي.
بناءً على كل هذا، فإن معالجة «تفكك الدولة الليبية» كان العنوان الأبرز للمرحلة السابقة التي تسعى بعثة الأمم المتحدة لإنهائها بأقل الخسائر الممكنة. فالوضع الأمني والعسكري، وفقاً لتقديرات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ما زال مهزوزاً وعلى حالة مقلقة من الهشاشة والخطورة، لدرجة لا تسمح باستمرار التجاذب السياسي الحاصل حالياً. ولكن، في المقابل، يبقى الحسم السياسي مرهوناً أيضاً بما يجري على الأرض...
على الأرض الليبية ما زال هناك مَن يدق طبول الحرب باستمرار. وأيضاً، يُسمع كلام إعلامي متواتر عن استعدادات تحشيدية عسكرية متبادلة، وعمليات استعراض للقوة ميدانياً عبر مناورات عسكرية يجريها طرفا الصراع الأساسيان بالذخيرة الحية. وبالتالي، بين الآمال العريضة التي تعكسها بيانات البعثة الأممية والمجتمع الدولي حول إمكانية أن توفر المباحثات السياسة الراهنة الأرضية المناسبة لحل الأزمة، لا تزال هناك مخاوف جدية من انهيار كل ذلك بشكل مفاجئ.
مسؤول رفيع المستوى في البرلمان الليبي، فضّل إغفال ذكر اسمه، قال صراحة «إذا تعذّر الوصول إلى حل، وتعثرت العملية السياسية، فإن العد التنازلي للحرب القادمة، سيكون بديلاً». وتابع هذا المسؤول لافتاً إلى أن «التفاهمات الروسية - التركية بشأن وقف إطلاق النار، والالتزام بالخط الأحمر الذي حدّده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أشهر عدة، متمثلاً في وقوف قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق عند مدينة سرت الاستراتيجية ومنطقة الجفرة المجاورة، أمور قد لا تدوم». واستطرد قائلاً «كلما تأخرت البعثة الأممية في الحسم السياسي، كانت فرص اندلاع حرب جديدة، قائمة».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».