التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة

مصير «ديناصورات السياسة» في ختام ماراثون المفاوضات الطويلة

التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة
TT

التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة

التوافق الوطني الليبي «رهين المحبسين»: التدخل الخارجي والمرتزقة

«هنالك في مدينة نالوت بغرب ليبيا ترقد الديناصورات بسلام»... لكن الدبلوماسية الأميركية السابقة ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة بالإنابة، خيّرت «ديناصورات السياسة» الأسبوع الماضي بين الانقراض... والتعاطي بإيجابية مع الحلول السياسية التي تتبناها البعثة، ومن ثم، المجتمع الدولي لإيجاد حل للأزمة الليبية.
في يناير (كانون الثاني) عام 1998، كان الأخوان عاشور ومسعود المشائخ يمارسان عملهما في الحفر بالمحجر الرملي في وادي المردوات (شمال شرقي نالوت)، عندما اكتشفا في المدينة - التي يتكلّم سكانها اللغة الأمازيغية، وتعد من أكبر مدن الجبل الغربي وآخرها على بعد نحو 270 كيلومتراً من العاصمة طرابلس - بقايا عظام متحجرة ذات أحجام وأنواع مختلفة. واتضح لاحقاً أنها لديناصورات منقرضة عاشت هناك قبل ملايين السنين.
خلال الأسبوع الماضي، احتاجت وليامز إلى تسع سنوات بعد سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، لتكتشف أن «ديناصورات السياسة» ما زالت على قيد الحياة، في بلد فقد مئات الآلاف ما بين قتيل وجريح بعد كل ما جرى عام 2011.
من على منصة «ملتقى الحوار السياسي الليبي» في تونس، خاطبت ستيفاني وليامز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة، الليبيين قائلة «كما تعلمون، لقد انقرضت الديناصورات، والديناصورات السياسية تواجه وبصراحة مصير الانقراض ذاته، في حال لم تثبت أهميتها. لا تزال تملك فرصة لإثبات ذلك بالارتقاء لمستوى الأحداث أو تحذو حذو الديناصورات بالانقراض».
التعبير الصادم، ألجم الجميع وألزمه الصمت، فلم يعقّب سوى عدد محدود من السياسيين الليبيين على التهديدات المبطنة للمبعوثة الأممية، التي تأتي في سياق ماراثون طويل ومرير من المفاوضات السياسية والعسكرية داخل ليبيا وخارجها بحثاً عن حل.
وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الأممية لم تحدد أسماء المقصودين بتعبير الديناصورات، فلأن «كل لبيب بالإشارة يفهم»، ولأن «العَبدُ يُقرعُ بالعصا - والحُرُّ تكفيهِ الإِشارَة»، كما قال أحدهم، فقد اعتبر الدكتور محمد الذويب، أستاذ اللغات القديمة، في قراءته تصريحات مَن وصفها بالحاكمة الأميركية لليبيا التي «فضّلت مصطلح الديناصور، وجعلته سياسياً؛ لأنها استندت إلى دلالته في الإنجليزية التي تذهب إلى ما وراء صفات هذه الزواحف من رعب وقوة لتدل على فساد حال وفشل وعدم صلاحية وعيش خارج الزمن».
الذويب تابع في تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» «وإمعاناً في إذلال هؤلاء رفعت من نبرة صوتها عندما أوردت المثل وأشارت بالسبابة تخويفاً لهم، ثم استعملت أصابع يدها اليمنى كاملة مع إيماءات رفع الحاجبين و(التفنيص) عندما قالت فليذهبوا في الطريق نفسه (أي طريق الانقراض)». وتساءل «هل سيذهب هؤلاء إلى الانقراض سريعاً، أم سننتظر 160 مليون سنة أخرى؟».
السؤال المنطقي، عصفت به رياح السياسة وتحالفاتها غير المنطقية الباحثة عن مقعد في سلطة جديدة يراد لها أن تتشكل في نهاية رحلة التفاوض التي ترعاها البعثة الأممية.
لكن عن أي ديناصورات نتحدث هنا؟
يقول دبلوماسي غربي «أعتقد أن المستهدفين هم من حافظوا على مقاعدهم في السلطة أو على مسافة قريبة منها على مدى السنوات التسع الماضية». وتابع الدبلوماسي - الرافض الإشارة إلى اسمه - قائلاً «وليامز لم تحدد من المقصود بالمصطلح الذي استخدمته، لكن هؤلاء يعرفون أنفسهم تماماً... والشارع الليبي يعرف أيضاً».
في أحاجي السياسة الليبية، فإن كل النخبة التي تمارسها، على المحك، فطموح الاستمرار في مواقعها يصطدم بخريطة جديدة ترسمها محادثات تتنقل بين الداخل والخارج، على أمل الوصول إلى مائدة مفاوضات أخيرة، للحسم.
يراد إذن، تغيير المشهد برمته، ويحمل هؤلاء لقب مسؤول سابق، لكن الأمر ليس بتلك البساطة. وهنا يعرب دبلوماسي مصري مخضرم سابق عن اعتقاده؛ لأن «الموجودين راهناً في السلطة لن يتخلوا بسهولة عنها»، ثم يضيف «هناك حاجة إلى التغيير نعم، لكن إقصاء هؤلاء بشكل كامل صعب في هذه المرحلة».
- اجتماعات طنجة التشاورية
الاجتماعات التشاورية التي عقدها أعضاء مجلس النواب (البرلمان) الليبي في مدينة طنجة (بأقصى شمال غربي المغرب)، حضرها 111 نائباً، منهم أكثر من 35 من أعضاء مجلس النواب المنعقد في طبرق وآخرون في العاصمة طرابلس. وفيها كان الهدف المعلن هو تغيير رئاسة المجلس الذي جرى انتخابه في الرابع من شهر أغسطس (آب) من عام 2014.
البرلمان، الذي كان يفترض به أن يضم 200 عضو، انتخب له 188 عضواً فقط، بعدما تعذر انتخاب 12 عضواً يمثلون مناطق أوضاعها الأمنية متدهورة. وفي المقابل، حالت استقالة بعض النواب ووفاة بعضهم الآخر دون توفير عدد دقيق لعدد البرلمانيين في ليبيا.
بيد أن اجتماع طنجة، الذي يأتي استجابة لدعوة من البرلمان المغربي بهدف «توحيد البرلمان الليبي المنقسم»؛ تمهيداً لاجتماع موسع يُعقد في مدينة غدامس، غرب ليبيا، قفز إلى ما هو أبعد من توحيد المؤسسة التشريعية في البلاد.
الحديث هنا بشكل صريح، يعني إنهاء ولاية المستشار عقيلة صالح، الرئيس الحالي للمجلس، الذي يتأهب للوصول إلى العاصمة المصرية القاهرة آتياً من العاصمة الروسية موسكو. والجدير بالذكر، أن اسم صالح يتردد جدياً كرئيس محتمل للمجلس الرئاسي الجديد، المتوقع أن يخلف المجلس الحالي الذي يقوده رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج في طرابلس.
صالح، كان دائماً في الآونة الأخيرة منفتحاً، في الواقع على المبادرات التي طرحتها البعثة الأممية، وكذلك وحكومة السراج والقيادي الإخواني خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، ويخطط للبقاء. ويقول أحد المقربين منه «حكومة أو سلطة جديدة من دون عقيلة تشبه تماماً، حلم إبليس في الجنة»، وهذه العبارة القاطعة ذات المغزى العميق تعني أن رئيس مجلس النواب باقٍ ويتمدد، وفقاً للتعبير الشائع والدارج لدى مواطنيه الليبيين.
ويتابع المصدر، الذي طلب إغفال اسمه، «لن ينجح النواب المجتمعون في المغرب في إقالة عقيلة أو انتخاب رئيس جديد للبرلمان». ومن دون أن يفصح هذا المصدر عن مبررات هذا التأكيد، فإنه أشار إلى أن عقيلة صالح سيكون جزءاً رئيساً في المشهد السياسي الليبي الجديد، وإلا فإن الحرب قادمة لا محالة.
- ماذا تريد موسكو؟
من جهة أخرى، في موسكو، استمع المستشار عقيلة صالح إلى عبارات التطمين على الدور الرئيس لمجلس النواب الليبي في المرحلة المقبلة، من دون أن تتورط الدبلوماسية الروسية في إعلان دعمها المباشر لبقائه لاحقاً ضمن السلطة الجديدة. ومن السياسي البريطاني الراحل المخضرم وينستون تشرتشل، يقتبس عبد الباسط البدري، سفير ليبيا السابق لدى روسيا، التعبير الشهير «لا يمكنني أن أتوقع لكم عمل روسيا»، قائلاً عبر تغريدة له «إنه لغز، ملفوف في لغز داخل لغز... وفعلاً هذا ما يحدث في ليبيا حالياً».
البدري، الذي أرفق صورة له مع من وصفه بـ«الصديق العزيز» سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسية، خلص إلى أنه «ربما يوجد مفتاح لحل الأزمة الليبية حيث سيكون المفتاح هو المصلحة الوطنية الليبية». وبشكل أو بآخر، فإن البدري، الذي يلعب دور «صانع الرؤساء» حالياً في ساحة السياسة الليبية، يدرك أكثر من غيره أن «الحلول ممكنة... وإن كانت معقدة».
على صعيد آخر، بإعلانه اعتزامه الاستقالة من منصبه، يخرج فائز السراج من السباق نحو السلطة الجديدة، ليبقى وزير داخليته الطموح ذو الأصول التركية فتحي باش أغا (باشاغا)، ليحل مكانه رئيساً للحكومة التي ستشكّل.
أغا، ابن مصراتة ليس مرشحها الوحيد، إلا أنه أبرزهم حظوظاً، بفعل تنقلاته الجوية ما بين القاهرة وباريس سعياً وراء دعم... وربما موافقة ضمنية.
تحرك أغا باتجاه حلفاء المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، يعكس براغماتيته السياسية، كما يعتقد مقربون منه. ويضيف هؤلاء «طبيعي جدا أن يقوم بزيارات إلى العواصم الفاعلة في المشهد الليبي، عند هذه المرحلة الحساسة في تاريخ البلاد». ولكن ثمة من يرى أن فتحي باش أغا، المحسوب إلى حد ما على جماعة الإخوان المسلمين، يبحث لنفسه عن مكان تحت شمس السلطة الجديدة؛ ضماناً لولاء حلفائه المحليين وتجديداً لتحالفاته الخارجية.
هذه هي المعادلة في ليبيا، التي يصدق فيها تماماً لقب «رهينة المحبسين»، التدخل الخارجي، ولاحقاً المرتزقة الأجانب والميليشيات المسلحة المنتشرة في كل مفاصل الدولة... إذ تتبادل السيطرة عليها في إطار الصراع الدائم بحثاً عن النفوذ والهيمنة والثروة.
- أين يقف حفتر؟
من جانبه، استبق المشير خليفة حفتر الخريطة الجديدة للكيان المتوقع للسلطة المحتملة، بإبقاء «الجيش الوطني الليبي» بعيداً عن حسابات الخريطة المعقدة. ولقد استخدم حفتر للمرة الأولى لدى استقباله وفداً من القبائل المحلية، في مقره العتيد بالرجمة، خارج مدينة بنغازي، كبرى مدن الشرق الليبي، تعبيراً غير مألوف. وذلك حين تحدث على لسان الوفد قائلاً، إن «الجيش الوطني خط أحمر ولا يندرج مصيره تحت أي حوار منعقد». وأردف أنه «جيش لكل الليبيين، وأخرج كل عناصره من دوائر الصراع، وكان سباقاً في الدعوة للسلام قبل الجميع».
إذا كانت المؤسسة العسكرية، وفقاً لهذا المنطق، خارج سياق المفاوضات... فإن الأمر نفسه لا بد أن ينطبق على قيادتها أيضاً. وهذا هو المهم.
حقيقة الأمر، أنه لا يوجد من بين مستشاري حفتر والمقربين منه مَن يستطيع التكهن بالخطوة التالية التي يعتزم القيام بها. غير أن المشير، حين كان لا يزال برتبة لواء، قد قال في حوار مطول لـ«الشرق الأوسط» معرّفاً بنفسه «أنا ضابط في القوات المسلحة، حريص على أداء واجبي تجاه شعبي. وبالتالي، دائماً نسأل أنفسنا ما الذي نستطيع أن نقدمه لشعبنا، الذي قدم لنا كل شيء؟ وهذه هي المهمة الوحيدة عندي، وأنا على استعداد دائماً لتقديم ما يريد».
حفتر قال أيضاً «هذه مهمة أمامنا، ونريد أن نبني جيشاً يحمي المواطن والبلاد، ويحمي الدستور في حالة اكتماله والانتهاء منه»، معتبراً أنه «لا يسعى للسلطة، ولكن إذا كُلّفنا أو إذا رأى شعبنا هذا من خلال صناديق الاقتراع».
ومع أن مفاوضات توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء فوضى السلاح في ليبيا لم تصل بعد إلى بر الأمان المطلوب، فإن ثمة شبه إجماع على بقاء حفتر على رأس هذه المؤسسة... حتى إشعار آخر.
ما يستحق الإشارة هنا، أنه إبان المباحثات التي أجريت قبل سنتين في القاهرة، ولم تكلل بالنجاح لجهة إعلان توحيد الجيش تحت قيادة واحدة ومسيطرة، كانت المسألة «محسومة تقريباً لصالح بقاء المشير قائداً عاماً للجيش الوطني»، وفقاً لما أبلغه مسؤول بالجيش لـ«الشرق الأوسط».
وأضاف المسؤول، الذي طلب حجب هويته «لم تكن هناك خلافات حول هذه النقطة. ولم يطرح وفد قوات حكومة الوفاق في المباحثات أي أسماء أخرى لقيادة الجيش. وبالتالي، فإن القضية محسومة»، على حد تعبيره.
وفق هذا المعطيات، على الأقل، سيبقى المشير حفتر قائداً لـ«الجيش الوطني الليبي» في مرحلة انتقالية تضمن انتهاء ولاية «حكومة الوفاق»، والوصول إلى أجواء تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في البلاد. ولكن، مع ذلك فإن أطرافاً في «حكومة الوفاق» وأخرى متحالفة معها تسعى منذ الآن إلى إقناع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، بدعمها ضد حفتر؛ وذلك بهدف «تكثيف» تركيز واشنطن على ليبيا، وتقديم ضربة قاضية لطموحات حفتر السياسية، وفقاً لتقارير غربية.
على صعيد آخر، إذا كانت الجولة الأولى لـ«ملتقى الحوار الليبي» في تونس قد خلصت إلى تحديد تاريخ يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) من العام المقبل، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، ورغم اتفاق المجتمعين على تحديد صلاحيات المجلس الرئاسي والحكومة، فإن ثمة «ملفات لا تزال عالقة، أبرزها تحديد شروط الترشح للمناصب السيادية»، وفقاً لما تقوله وكالة «الأناضول» التركية. مقابل ذلك، يعتقد مسؤول عسكري في «الجيش الوطني الليبي» أن تركيا «التي نجحت في الآونة الأخيرة عبر حكومة الوفاق وتفاهماتهما العسكرية المشبوهة، في فرض نفسها لاعباً أساسياً في ليبيا يصعب ترويضه سياسياً، تسعى إلى صدام عسكري».
وهكذا، ما بين مخاوف اندلاع الحرب وحدوث هذا الصدام، فإن العملية السياسية تظل على قيد الحياة إلى حين إشعار أخر...
فهل تصمد «الديناصورات» التي يحتفظ متحف «نالوت» ببقايا عظامها، أم تراها ستنقرض تماماً على مسرح السياسة؟
هذا، حقاً، السؤال الأصعب في المشهد الراهن. أما بخصوص الإجابة عنه، فقصة أخرى، كما يقال.
- وفق تقديرات «البنتاغون»... الوضع في ليبيا هش وخطر
> يعتقد مراقبون للساحة الليبية، أنه على الرغم من شبه الحسم الذي يظهر أنه طال «الجيش الوطني الليبي»، فهو لم يصل بعد إلى أروقة السياسيين. إذ ما زال هناك من كل أجزاء وجوانب السلطة... الأصلي والموازي له. فثمة برلمان موازٍ في العاصمة طرابلس لمجلس النواب (الأصلي) الموجود مقره في طبرق، بأقصى الشرق الليبي، كما أن «حكومة الوفاق» (برئاسة السراج) في طرابلس... في مواجهة «حكومة» عبد الله الثني التي تدير المنطقة الشرقية، أضف إلى ذلك وجود مجالس متنافسة في مؤسسة النفط والمصرف المركزي.
بناءً على كل هذا، فإن معالجة «تفكك الدولة الليبية» كان العنوان الأبرز للمرحلة السابقة التي تسعى بعثة الأمم المتحدة لإنهائها بأقل الخسائر الممكنة. فالوضع الأمني والعسكري، وفقاً لتقديرات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ما زال مهزوزاً وعلى حالة مقلقة من الهشاشة والخطورة، لدرجة لا تسمح باستمرار التجاذب السياسي الحاصل حالياً. ولكن، في المقابل، يبقى الحسم السياسي مرهوناً أيضاً بما يجري على الأرض...
على الأرض الليبية ما زال هناك مَن يدق طبول الحرب باستمرار. وأيضاً، يُسمع كلام إعلامي متواتر عن استعدادات تحشيدية عسكرية متبادلة، وعمليات استعراض للقوة ميدانياً عبر مناورات عسكرية يجريها طرفا الصراع الأساسيان بالذخيرة الحية. وبالتالي، بين الآمال العريضة التي تعكسها بيانات البعثة الأممية والمجتمع الدولي حول إمكانية أن توفر المباحثات السياسة الراهنة الأرضية المناسبة لحل الأزمة، لا تزال هناك مخاوف جدية من انهيار كل ذلك بشكل مفاجئ.
مسؤول رفيع المستوى في البرلمان الليبي، فضّل إغفال ذكر اسمه، قال صراحة «إذا تعذّر الوصول إلى حل، وتعثرت العملية السياسية، فإن العد التنازلي للحرب القادمة، سيكون بديلاً». وتابع هذا المسؤول لافتاً إلى أن «التفاهمات الروسية - التركية بشأن وقف إطلاق النار، والالتزام بالخط الأحمر الذي حدّده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أشهر عدة، متمثلاً في وقوف قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق عند مدينة سرت الاستراتيجية ومنطقة الجفرة المجاورة، أمور قد لا تدوم». واستطرد قائلاً «كلما تأخرت البعثة الأممية في الحسم السياسي، كانت فرص اندلاع حرب جديدة، قائمة».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.