ترمب يدق أبواب المحكمة العليا... وأولى ملامح إدارة بايدن الثلاثاء

الرئيس يكاد يستنفد كل جهوده أمام القضاء

الرئيس ترمب يتوجّه لممارسة رياضة الغولف أمس (أ.ب)
الرئيس ترمب يتوجّه لممارسة رياضة الغولف أمس (أ.ب)
TT

ترمب يدق أبواب المحكمة العليا... وأولى ملامح إدارة بايدن الثلاثاء

الرئيس ترمب يتوجّه لممارسة رياضة الغولف أمس (أ.ب)
الرئيس ترمب يتوجّه لممارسة رياضة الغولف أمس (أ.ب)

غداة رفض قاض فيدرالي دعوى لمنع المصادقة على نتائج الانتخابات في ولاية بنسلفانيا، اعتبر كبير وكلاء الدفاع عن حملة الرئيس دونالد ترمب المحامي رودي جولياني أن الحكم يساعد استراتيجيتهم في نقل القضية «على وجه السرعة» إلى المحكمة العليا. فيما تزايد عدد المسؤولين الجمهوريين الذين يعبرون صراحة عن رغبتهم في المضي نحو العملية الانتقالية، معترفين ضمناً بانتصار الرئيس المنتخب جو بايدن.
وإذ دق للمرة الأولى علناً أبواب المحكمة العليا أملاً في البقاء أربع سنوات إضافية في البيت الأبيض من خلال إجهاض فوز بايدن، لجأ ترمب كعادته إلى حسابه على «تويتر» خلال عطلة نهاية الأسبوع لإطلاق سلسلة من التغريدات التي أكد فيها أنه ماض في جهوده لإلغاء نتائج الانتخابات، رغم أنه خسر حتى الآن 32 دعوى أمام محاكم الولايات المحلية والفيدرالية. وتساءل في تغريدة: «لماذا يقوم جو بايدن بتشكيل حكومته بهذه السرعة، بينما وجد المحققون التابعون لي مئات الآلاف من الأصوات المزورة، بما يكفي لقلب أربع ولايات على الأقل، وهذا أكثر من كاف للفوز في الانتخابات؟!»، مضيفاً: «نأمل أن يكون لدى المحاكم و/ أو الهيئات التشريعية الشجاعة للقيام بما يجب القيام به للحفاظ على نزاهة انتخاباتنا، والولايات المتحدة نفسها. العالم يراقب!!!».
وفي حكم وُصف بأنه «قارص» مؤلف من 37 صفحة، ويمثل أكبر هزائم حملة ترمب في المحاكم منذ يوم الانتخابات في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وافق القاضي الفيدرالي ماثيو بران على التماس قدمته وزيرة بنسلفانيا كاثي بوكفار لرفض دعوى ترمب، التي تتضمن ادعاء أن الناخبين الجمهوريين أعيقوا بشكل غير قانوني لأن المقاطعات في الولاية سمحت للناخبين بتعديل الأخطاء في بطاقات الاقتراع البريدية. وكتب أن حملة ترمب حاولت استبعاد عدد كبير من الأصوات باستخدام «حجج قانونية عائبة تتضمن اتهامات غير جديرة (مبنية على) تكهنات».
ويسمح حكم القاضي بران لمسؤولي الانتخابات بالمصادقة المرتقبة اليوم الاثنين على فوز بايدن في الولاية، حيث تقدم الرئيس المنتخب بنسبة 1.2 في المائة (نحو 81 ألف صوت) على ترمب. وقال القاضي إن قضية ترمب غير «مدعمة بشكل كبير بحجج قانونية مقنعة، وإثبات واقعي للفساد المستشري»، بالإضافة إلى أنها «لا يمكن أن تبرر حرمان ناخب واحد من حق التصويت، ناهيك من جميع ناخبي الولاية السادسة من حيث عدد السكان». ورفض بران، الذي عينه الرئيس السابق باراك أوباما بعدما كان سابقاً مسؤولاً في الحزب الجمهوري وعضواً في الجمعية الفيدرالية المحافظة، حجج الادعاء، واصفاً إياها بأنها مثل «وحش فرانكشتاين» الذي «خيط عشوائياً».

«ترحيب» جولياني
وسارع جولياني إلى «الترحيب» بالحكم، معتبراً أنه «سيساعدنا في استراتيجيتنا للوصول على وجه السرعة إلى المحكمة العليا الأميركية». وأضاف أنه «رغم أننا نختلف تماماً مع هذا الرأي، فإننا نشكر القاضي الذي عينه أوباما على اتخاذ هذا القرار المتوقع بسرعة، بدلاً من مجرد محاولة تضييع الوقت». وادّعى مجدداً أن «هناك الكثير من الأدلة على أنه، في ولاية بنسلفانيا، ألغى الديمقراطيون فرصتنا لتقديم 50 شاهداً وأدلة أخرى على أن مسؤولي الانتخابات تجاهلوا بشكل صارخ قانون بنسلفانيا لنكران المراجعة المستقلة». وأشار إلى أن الخطوة التالية لحملة ترمب ستكون السعي إلى تقديم استئناف عاجل أمام الدائرة الثالثة، معبراً عن «خيبة لأننا لم ننل على الأقل فرصة لتقديم أدلتنا في جلسة استماع». وأمل في أن «تكون الدائرة الثالثة رؤوفة مثل القاضي بران، في البت في استئنافنا بطريقة أو بأخرى في أسرع ما يمكن»، معتبراً أن «هذه قضية أخرى يبدو أنها تنتقل بسرعة إلى المحكمة العليا الأميركية».
من جهته، وصف المدعي العام لبنسلفانيا جوش شابيرو الدعوى القضائية لحملة ترمب بأنها «غير جديرة منذ البداية، ولا حتى لشخص واحد». وتعد محاولة إيصال شكاوى ترمب إلى المحكمة العليا الأميركية بمثابة الطلقة الأخيرة في جعبته للبقاء في البيت الأبيض أربع سنوات إضافية.

قلق جمهوري
أفاد السيناتور الجمهوري عن بنسلفانيا، بات تومي، في بيان، بأن ترمب «استنفد كل الخيارات القانونية المعقولة» للطعن في النتائج في الولاية، مضيفاً أن بنتيجة ذلك «تأكد فوز جو بايدن في انتخابات 2020». وإذ هنأ الرئيس المنتخب ونائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس على فوزهما، حض ترمب على «تقبل النتيجة» صوناً لإرثه و«المساعدة على توحيد بلادنا». ورد ترمب بتغريدة، واصفاً تومي بأنه «ليس صديقاً لي»، مؤكداً في الوقت ذاته أنه سيستأنف القرار.
وفي مقابلة تلفزيونية، أشارت السيناتورة الجمهورية مارشا بلاكبورن إلى بايدن وكامالا هاريس باعتبارهما «الرئيس المنتخب» و«نائبة الرئيس المنتخبة». وقالت النائبة كاي غرانجر إن لديها «مخاوف كبيرة» حيال جهود ترمب لقلب نتائج الانتخابات، مضيفة أنه «حان الوقت للمضي قدماً». وصار السيناتور لامار ألكسندر أبرز مشرع جمهوري يضغط على ترمب لبدء العملية الانتقالية، قائلاً إنه يبدو أن أمام بايدن «فرصة جيدة جداً» للفوز.

الولايات الحاسمة
لم تنجح أي من الدعاوى القضائية الأخرى التي رفعتها الحملة في ويسكونسن وميشيغان ونيفادا وأريزونا وجورجيا إلى حد كبير حتى الآن، علماً بأن محتوى هذا الدعاوى وما تتضمنه من ادعاءات أضيق من الاتهامات العلنية التي يطلقها ترمب، الذي يحتاج إلى قلب النتائج فيما لا يقل عن ثلاث ولايات - ويسكونسن وميشيغان وبنسلفانيا - لتجاوز خط الفوز الحالي لبايدن الذي حصل على 306 من أصوات المجمع الانتخابي مقابل 232 صوتاً حالياً لترمب الذي يرفض الإقرار بهزيمته. ولكن مع استعداد بنسلفانيا وميشيغان للمصادقة على نتائجهما، اليوم الاثنين، سيصير طريق ترمب نحو النصر ضيقاً للغاية.
وكتب قبل ذلك على «تويتر» أيضاً أن هناك «معلومات تزوير كبيرة للناخبين في جورجيا. ترقبوا!». لكنه تلقى في الواقع ضربة أخرى في محاولاته تقويض نتائج الانتخابات. وأعلن وزير الولاية براد رافنسبيرغر أن بايدن هزم ترمب بفارق 12670 صوتاً. وقال الحاكم الجمهوري براين كمب أيضاً إنه سيصادق على النتيجة، رغم غضب ترمب.
وطلبت حملة ترمب مجدداً السبت إعادة فرز الأصوات بالكامل في جورجيا، رغم المصادقة على فوز بعد إعادة فرز الأصوات بشكل يدوي.
في غضون ذلك، طلبت ممثلة الحزب الجمهوري في ميشيغان رونا مكدانيال ورئيسة الحزب في الولاية لورا كوكس من مجلس مفوضي الولاية تأخير المصادقة على نتائج الانتخابات في ميشيغان لمدة 14 يوماً. ومن المقرر أن يجتمع أعضاء المجلس المؤلف من جمهوريين اثنين وديمقراطيين اثنين للنظر في المصادقة على النتائج اليوم الاثنين. وبينما أكد خبراء قانونيون أن وظيفة المجلس روتينية لمراجعة النتائج التي جرت المصادقة عليها بالفعل في المقاطعات الـ83 في الولاية، ضغط الجمهوريون بقيادة ترمب لوقف المصادقة.

ملامح إدارة بايدن
يعلن الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، غداً (الثلاثاء)، أسماء أول الأعضاء في إدارته المقبلة، وفق ما أورد مستشاره المقرب رون كلاين أمس. ويمضي بايدن في استعداداته لتسلم الحكم في يناير (كانون الثاني) رغم تحرك ترمب على جبهات متعددة لمحاولة تغيير النتائج.
وقال كلاين الذي سيترأس مكتب بايدن لشبكة «إيه بي سي»: «سترون التعيينات الأولى لحكومة الرئيس المنتخب الثلاثاء المقبل»، من دون أن يشأ تحديد الحقائب المعنية أو بعض الأسماء، مضيفاً: «ينبغي انتظار أن يقوم الرئيس المنتخب بذلك بنفسه الثلاثاء»، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وتابع كلاين أنّ «دونالد ترمب يرفض الديمقراطية... فهو يطلق ادّعاءات لا أساس لها عن تزوير الأصوات ودعاوى لا أساس لها رفضتها 34 محكمة». واعتبر أن الأمر «مزعج وضار»، لكنه أكّد أنّه «لن يغير نتيجة ما سيحدث هنا في الساعة الثانية عشرة ظهر 20 يناير؛ سيصبح جو بايدن الرئيس المقبل للولايات المتحدة».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».