نظم استشعار مطوّرة لرصد جودة الهواء وخزن الطاقة

أبحاث «كاوست» في علوم المواد تسهم في تقديم حلول للمشكلات المعاصرة

يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية
يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية
TT

نظم استشعار مطوّرة لرصد جودة الهواء وخزن الطاقة

يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية
يُمكّننا المجهر الإلكتروني النافذ - عالي الدقة ومنخفض الجرعة - من تحديد بنى معيبة متنوعة في مواد الأطر المعدنية العضوية

شهدت المراكز البحثية العالمية ومن ضمنها جامعة «كاوست» زيادة هائلة في إنتاج البحوث في مجال الهياكل المعدنية العضوية ذات التأثير على الاقتصاد الوطني والعالمي.
وفي إطار خطة المملكة العربية السعودية لتنويع اقتصادها، بعيدًا عن مجال صناعة النفط وبهدف خلق اقتصاد معرفي شهد المجال البحثي في السعودية أيضا تحولا كبيرا، إثر تأسيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) البحثية للدراسات العليا على شاطئ البحر الأحمر في عام 2009. وتعمل الجامعة على تعظيم مساهماتها في تحقيق رؤية المملكة 2030 والتركيز بصورة خاصة على أبحاث استراتيجية ذات أهمية عالمية، خاصةً في مجالات الطاقة، الغذاء، الماء والبيئة.
تطبيقات واعدة
ويجتهد علماء «كاوست» للبقاء في الطليعة في مختلف التخصصات ومن ضمنها مجال علوم «المواد أو الأطر أو الهياكل المعدنية العضوية» والتي تعد من مجالات الكيمياء المتقدمة في القرن الحادي والعشرين لما لها من تطبيقات واعدة في تخزين الطاقة واحتجاز ثاني أكسيد الكربون وفصل الغازات وبالتالي الإسهام في مواجهة تحديات التدهور البيئي.
وحينما نتحدث عن «الأطر المعدنية العضوية» فإننا نتحدث عن بلورات مسامية، تم اختراعها في أوائل التسعينات، وهي مواد تتميز بوجود مسام في هيكلها. تلك المسام ذات أبعاد كافية لتسمح باستضافة جزيئات أخرى وانتشارها عبرها. ويمكن للباحثين من خلال تغيير المعادن والروابط العضوية أن يتحكموا بدقة في شكل منظومة المسامات الميكروية في المادة، وحجمها، ووظائفها، والتي تؤثر بدورها على قدرة المادة على امتزاز بعض الجزيئات. وتسمح هذه الخصائص الفريدة للأطر المعدنية العضوية بحدوث تغيير كيميائي للتركيبة الداخلية بحيث يمكن استخدامها في فصل وتخزين الغاز والتحفيز الكيميائي والتطبيقات الطبية الحيوية.
وتمتاز المواد التي طورها باحثو «كاوست» بقيادة البروفسور محمد الداودي من قسم العلوم والهندسة، بإمكانية تحسين أبحاث الطاقة الخضراء خاصةً أن لديهم سجلا طويلا حافلا بالإنجازات شمل ثلاثة من مراكز أبحاث الجامعة، والمختبرات المركزية، بالإضافة إلى شركاء في الصين والمملكة المتحدة. وفيما يلي بعض أبرز الأبحاث والدراسات والابتكارات التي طورها علماء «كاوست» في مجال «الأطر المعدنية العضوية» خلال السنوات القليلة الماضية.
مواد متعددة الاستخدامات
أحدث الأبحاث التي أجراها الباحثون في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) تمثل في تطوير طريقة رائدة لتخليق العيوب في الأطر المعدنية العضوية وتصويرها والتحقيق في تأثيرها الكيميائي باستخدام مجهر إلكتروني نافذ. ورغم الاعتقاد السائد فقد أثبت هؤلاء العلماء بأن البلورات المثالية ليست بالضرورة الأكثر نفعًا، فالعيوب الموجودة في البناء البلوري المرتب للأطر المعدنية العضوية يمكن استغلالها في تكييف تلك المواد متعددة الاستخدامات، للاستعانة بها في تطبيقات محددة.
وسيمكن تخليق عيوب محددة في الأطر المعدنية العضوية باستخدام المعالجة الكيميائية ومراقبة كيفية تطور أنماطها من إجراء ضبط دقيق لها، بهدف تعديل خصائصها الكيميائية، كما سيأخذ هذا المجال إلى مستويات غير مسبوقة من التحكم.
ويمكن أن يخلق تغيير أنواع المعادن بهذه المجموعات المعدنية، وكذا تغيير بنية الروابط بينها، تنوعًا هائلًا في الأطر المعدنية العضوية من ناحية تفاوت شبكة المسام واختلاف الخصائص الكيميائية.
ويتمثل اثنان من التطبيقات الرئيسية الممكنة للأطر المعدنية العضوية في استخدامها كعوامل محفزة، وكمواد امتزاز وفصل للغازات على نحو شديد الانتقائية.
وعن آخر ما توصل إليه الباحثون في مجال الأطر المعدنية العضوية، يقول البروفسور يو هان، أستاذ علوم الكيمياء في «كاوست»: «أكبر مفاجأة نكشف عنها أن هناك عيوبًا متنوعة في جميع الأطر المعدنية العضوية تقريبًا، حتى تلك التي كانت تعد مثالية في السابق».
ويوضح هان أن التحقيق في أمر العيوب يمثل تحديًا لأن بلورات الأطر المعدنية العضوية تكون هشة ويمكن أن يتلفها بسهولة شعاع الإلكترونات المستخدم في المجهر الإلكتروني التقليدي.
وقد تغلب الفريق البحثي على هذه المشكلة باستخدام كاميرا العد الإلكتروني شديدة الحساسية، بالإضافة إلى طرق مصممة خصيصًا لتحليل الصور.
وباستخدام تلك الطريقة فائقة القدرة والدقة على النظر بعمق في الأطر المعدنية العضوية، كشف الباحثون عن نوعين من العيوب يمكن أن يوجدا معًا، بسبب الافتقار إلى مجموعات معدنية وروابط معينة.
كما استكشف الباحثون أيضًا كيفية تخليق العيوب في الأطر المعدنية العضوية باستخدام المعالجة الكيميائية ومراقبة كيفية تطور نمط العيوب. وهو ما يمكن من إجراء ضبط دقيق للعيوب بهدف تعديل الخصائص الكيميائية للأطر المعدنية العضوية.
وأثبت فريق «كاوست» قوة هذه الاستراتيجية باكتشاف أن أحد الأطر المعدنية العضوية - والذي يحتوي على عيب نقص المجموعات المعدنية - يكون أكثر نشاطًا من الناحية التحفيزية، مقارنة بالأطر المعدنية العضوية التي بها عيب الروابط المفقودة.

نظم استشعار مطورة
> ضبط جودة الهواء. تقدم آخر أحرزه باحثو «كاوست» في مواجهة أحد أبرز التحديات التي تواجه البشرية في هذا العصر وهو تلوث الهواء يجتهد العلماء في إيجاد حلول وتقنيات من أجل توفير جودة هواء عالية للعمل بأمان وفاعلية. وفي هذا الاتجاه نجح الباحثون في الجامعة في تطوير أجهزة استشعار إلكترونية ترصد في آن واحد ثلاثة عوامل محورية على الأقل بالغة الأهمية لمراقبة راحة الإنسان وسلامته وضمانهما خاصةً للعاملين في الأماكن المغلقة الصغيرة، بدايةً من رواد الفضاء وأفراد أطقم الغواصات وانتهاءً بعمال المناجم وعمال الإنقاذ.
وكان باحثو «كاوست» قد ابتكروا إطاراً معدنياً عضوياً يستطيع أن يراقب خصائصه بذاته يمكنه من امتصاص الرطوبة الزائدة في الغرفة ثم إطلاقها ثانيةً فقط عندما تنخفض الرطوبة.
يمكن للأطر المعدنية العضوية تلك التي طورها هؤلاء العلماء أن تنظم الأجواء ببراعة وتضبطها ضمن مستويات الرطوبة المريحة والصحية التي وضعتها الجمعية الأميركية لمهندسي التدفئة والتبريد والتكييف. كما يمكن استخدامها لتعديل مستويات الرطوبة في الأماكن المغلقة.
> رصد الغازات الضارة. وفي ذات الاتجاه طورت مجموعة بحثية أخرى في «كاوست» مادة مسامية ذات جيوب مصممة خصيصاً ومدمجة في بنيتها، وذات قدرة واعدة على استشعار الغازات الضارة.
ولصنع أداة استشعار إلكترونية يمكنها اكتشاف آثار غاز ثاني أكسيد الكبريت، قام الباحثون بطلاء طبقة رقيقة من تلك المادة على قطب كهربائي. وتعد أداة الاستشعار تلك خطوة مهمة نحو الوصول إلى أجهزة عملية تستطيع اكتشاف الغازات الخطرة في الهواء آنياً وفي الوقت الحقيقي.
> تنقية المواد البتروكيماوية. الإنجاز الآخر الذي حققه باحثو «كاوست» في أبحاث «الأطر المعدنية العضوية» تمثل في تطوير مواد مسامية تزيل البروبان (غاز ضار) من البروبيلين، وذلك لتحسين القدرة الإنتاجية للبوليبروبيلين. وجدير بالذكر فإن البوليبروبيلين يستخدم في ميادين صناعية عديدة تقدر بمليارات الدولارات، مثل حاويات المواد الغذائية والأثاث البلاستيكي، كما أن البروبيلين يعد المادة الخام الرئيسة في الصناعات البتروكيماوية.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».