مصدة ضد النسيان... منتخب من الشعر الأميركي الأسود

250 عاماً من الكفاح والغناء

لانغستر هيوز - جون جوردن - يونغ
لانغستر هيوز - جون جوردن - يونغ
TT

مصدة ضد النسيان... منتخب من الشعر الأميركي الأسود

لانغستر هيوز - جون جوردن - يونغ
لانغستر هيوز - جون جوردن - يونغ

تتذكر جون جوردان، في مقالتها المثيرة «أعجوبة الشعر الأميركي الأسود الصعبة»، أنها عملت محكمة نهائية لجائزة للشعر عام 1985. وفي أثناء تقليبها المجموعة الأخيرة من النصوص المخطوطة، بدأت تدون كلمات تتكرر: قمر، شجر الدردار، الليلك، أخدود، تندرة.
وقد لاحظت أن «ست عشرة مخطوطة من الشعر عام 1985 لم تستعمل واحدة منها عبارات تتصل بحياتي السوداء». كتب الشعراء، وهم جميعاً من البيض، عن مقابض المضخات والوز الثلجي، دون أن يشيروا مطلقاً إلى الرواتب المنخفضة، أو إطلاق البوليس النار، أو إلى الأحداث العالمية في تلك الفترة: التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والجوع في إثيوبيا.
تقول جوردان: «لن أدعي أنه يمكن لي أن أفرض قضاياي الملحة على الشعراء البيض الذين يكتبون في أميركا»، لكنها تعجبت من إصرار الشعراء السود، وإلحاحهم على الكتابة عن الحرية، حتى حين كان عملهم محل سخرية لكونه «موضوعاتياً» أو «شعاراتياً»: «هذه هي المعجزة الصعبة للشعر الأسود في أميركا: إننا نثابر، نُشرنا أم لم نُنشر، كنا محبوبين أم لم نكن؛ إننا نثابر».
المنتخب الجديد الذي نشرته «لايبرري أوف أميركا» (مكتبة أميركا)، بعنوان «الشعر الأفرو-أميركي: 250 عاماً من الكفاح والغناء»، بتحرير كيفن يونغ، إسهام هائل في ذلك الإصرار، ابتداءً من الفترة الاستعمارية حتى الوقت الحاضر. هو منتخب يتضمن قصائد عن الظلم والمضايقة والجوع -احتجاجات على الصفحة- ولكن أيضاً هناك قصائد منتشية مكرسة للموسيقى والطعام، للتحديق الأبله في الغرباء الحلوين، للملل وآلام الولادة وانقطاع الطمث، وأيضاً -لم لا؟- للقمر وشجر الدردار والليلك.
لقد نشر يونغ -وهو الذي وُصف بأنه «أكثر الشعراء الأميركيين انشغالاً»- كثيراً من المجاميع الشعرية والمقالية، وحرر منتخبات من الشعر حول الحزن والجاز. وهو محرر الشعر في مجلة «النيويوركر»، ومدير مركز «شومبرغ» للبحث في الثقافة السوداء التابع لمكتبة نيويورك العامة. وفي يناير (كانون الثاني)، سيبدأ عملاً جديداً في إدارة متحف السمثسونيان الوطني للتاريخ والثقافة الأفرو-أميركية.
مساعيه الكثيرة مرتبطة بمحاولته للإنقاذ، وتوفير السياق، والإشارة إلى مواضع الاستمرار، دون تخلٍ عن تعددية التجربة. إحدى إنجازات يونغ في هذا الكتاب الذي استغرق ست سنوات في الإنجاز، تتمثل في إبراز كتاب أقل شهرة -لا سيما الكاتبات من بينهم، مثل آن سبنسر ومي ف. كاودري؛ الشخصيات المنسية من عهد حركة «نهضة هارلم»، وفي مساءلة الأسباب التي أدت إلى غياب أعمالهم. هل يعود السبب إلى عدم نشرهم أي كتاب؟ هل عاشوا في زمن -مثل فترة الثمانينات- بدعم مؤسسي ضعيف للشعراء السود؟ هل وظفوا أشكالاً كتابية محتقرة؟ هل كانوا مجبرين على الاحتفاظ بكتاباتهم سراً؟
يمكن للمنتخبات أن تكون مصدة ضد النسيان. هنا قصائد تعد تابوهات في عصرها (قصائد أنجلينا ويلد غريمكي الغرامية الفاتنة الموجهة لامرأة أخرى)، أو المنتجة في أشكال تعد هامشية (قوافي لوسيل كليفتون الأشبه بالقفز على الحبل التي تنشر هنا للمرة الأولى).
منذ صفحاتها الأولى، أجبرتني هذه المجموعة أن أقرأ بطريقة غير طبيعية، طريقة بطيئة غير منتظمة -وهكذا حتى نهايتها (الكل يعلم أن الطريقة الصحيحة تكون على نحو اعتباطي تماماً، تبدأ بمن يفضلهم المرء -أو من يعدهم أعداءه- قضمة هنا وقضمة هناك). لكن هذه القصائد، رغم أنها رتبت بطريقة تقليدية، وقسمت إلى مجموعات منتظمة تاريخياً، ووزعت ألفبائياً حسب المؤلف، في الغالب، فإنها يعلق بعضها على بعض خفية.
تكتب ماري إيفانز في قصيدة «أنا امرأة سوداء»: «أنا/ امرأة سوداء/ طويلة مثل شجرة سرو/ انظر إلي وتجدد». وفي الصفحة المجاورة، تدفعنا قصيدة سارة ويبستر فابيو «سأكون لك مطراً» وهي متشبثة بنا: «سأكون لك مطراً/ مصرة، مستمرة، ومع ذلك متقطعة». تقول إن للجفاف «يدين أكثر حناناً». وتتبعها قصيدة جوليا فيلد «مترفة» بلامبالاتها الملكية تجاه شهية أي أحد آخر أو احتياجاته، فيما عدا شهية واحتياجات المتحدثة. تكتب: «أريد كؤوساً مشهِّية سامقة/ خططتني المدن/ وتصدقوا عليّ/ يكفي/ أريد أن أكون مترفة».
هذه لمحات ذكية لطيفة في كتاب تهيمن عليه فترات أكثر ظلاماً. وفي قصيدتها التي تعود إلى عام 1989: «حين ظهرت جثث نساء سود غير معروفات»، كتبت توي ديريكوت عن نساء سود قتلن، ثم اكتشفن في الحقول وعلى الطرق السريعة.
هل كنت مخطئة حين فكرت
بأنه لو عُرِّيت خمس نساء بيض،
وتُركن بائسات، فسيُسمع عويل أجراس الإنذار حتى
يُحدد اسم شخص ما؟
تنطلق آجا مونيه من هذه الصرخة في «قل اسمها»: «أنا امرأة تحمل نساء أخريات في فمها»، تسميهن: ريكيا بويد، ساندرا بلاند، بيرلي غولدن، وغيرهن.
حين يُقرأ بهذه الطريقة يبدو الكتاب مؤلفاً قوياً حول التاريخ الأميركي، يعلق فيه الشعراء على عصرهم، ابتداءً بفيليس ويتلي، أول شاعرة أميركية سوداء نُشرت لها أعمال. هنا ديفيد دريك، صانع الفخار الذي، حين كانت المعرفة بالكتابة والقراءة ممنوعة عن الرقيق، نقش شعره في شكل أبيات ثنائية حول الانفصال العائلي في أثناء العبودية (أتساءل أين كل أقاربي/ صداقة للجميع/ ولكل شعب). هنا مولد الجاز، محاكمة سكوتزبورو، قتل إيميت تل، حرب فيتنام، مقتل مالكوم إكس، مقتل مايكل براون، وريكيا بويد، وساندرا بلاند.
يخاطب الشعراء أميركا مباشرة. في عام 1853، كتب جيمس م. وايتفيلد: «أميركا، من أجلك/ أنت يا أرض الحرية المتباهية/ من أجلك أرفع أغنيتي/ أنت يا أرض الدماء والجريمة والخطأ». ويخاطب الشعراء بعضهم بعضاً. أكثر وجوه هذا المنتخب تأثيرا هي رؤية الكتاب في الأقسام الأولى -لانغستون هيوز، بول لورنس دُنبار، غويندولِن بروكس، جون جوردان- وهم يتحولون إلى أجداد محبوبين، يصيرون مناسبات لقصائد في الأقسام الأخيرة.
إذا كانت هذه المختارات تبدو شكلاً من التاريخ، فإنها أيضاً تاريخ للشكل؛ إنها تتبع أنهار الإنجليزية والموروثات الشعبية، وإيقاعات الجاز، وتأثير الحداثة و«حركة الفنون السوداء». مهما يكن الأسلوب، ومهما يكن شكل الإطار، تظل القوة المميزة للقصيدة واضحة. يمكن للقصيدة، كما لا يمكن لأي شكل آخر، أن تنقل باقتدار شعوراً بالتزامن؛ يستطيع الماضي أن يتخلل الحاضر، ويمكن للمستقبل أن يشرئب خلفنا؛ إحساس يمكنه القفز بين أغنيتي الأسى والإعجاب. تصير الأغنية نفسها مساحة للنقاش حول تكلفة تحويل الصراع إلى غناء، حسب تعبير يونغ. يواجه الشعراء الحاجة الملحة لتوثيق العنف، ولكن أيضاً للغضب أمام القسر. تكتب دانيز سميث في «ديناصورات في القلنسوة»: «لا يمكن لهذا الفيلم أن يكون عن الألم الأسود أو يتسبب في ألم أسود؛ هذا الفيلم لا يمكنه أن يكون عن تاريخ طويل لوجود تاريخ طويل للألم».
أو تدفع الشاعرة في الاتجاه المعاكس، جالسة عند شباكها، تتأمل قصيدة عن السماء أو السحاب وتتوقف، مثل نكي جيوفاني في «من أجل سوندرا»: «ربما عليّ ألا أكتب أبداً/ وإنما أن أنظف مسدسي/ وأقيس كمية الكيروسين/ ربما أن هذه ليست أزمنة شاعرية أبداً». وفي «قصيدة الأربعاء»، تكتب جول دياز - بورتر: «أفتح ملفي حيث قصائد الطبيعة/ ثم أغلق الملف واسترخي في كرسي/ أي تشبيه يستطيع إغلاق جرح رصاصة؟». وتقول لوسيل كلفتون: «من المؤكد أنني أستطيع كتابة القصائد/ الاحتفاء بالعشب»، ثم تتساءل: «لِمَ توجد قصيدة دائماً تحت قصيدة أخرى؟».
دائماً: القصيدة تلو القصيدة، والرهان على أصغر الأشياء. يحتار المرء عند تأمل التنوع والتاريخ في هذا المجلد. في القصائد المجموعة هنا ما في الحدث من قوة. لقد كتبت لتكون أفعالاً من الحداد العام، ولتكون أسراراً؛ إنها قصائد حب وخصومة حادة. هي رفقة ثمينة. إغلاق هذا الكتاب يستحضر جون جوردان في الذهن؛ وقد يقول المرء ما قالت حين شكرت حبيبها في «قصيدة من أجل هاروكو»: «يا للسهولة التي أمسكت بها يدي/ إلى جانب التيار الخفيض للعالم».

*مراجعة لـ«الشعر الأفرو-أميركي: 250 عاماً من الكفاح والغناء»
تحرير: كيفن يونغ
«نيويورك تايمز» 10/11/2020



ادعاء الإصابة بالسرطان... أحدث حيل جمع التبرعات إلكترونياً في مصر

صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)
صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)
TT

ادعاء الإصابة بالسرطان... أحدث حيل جمع التبرعات إلكترونياً في مصر

صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)
صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)

أثارت «بلوغر» مصرية تدعى «دنيا»، يتابعها أكثر من 60 ألفاً عبر حسابها بموقع «إنستغرام»، ضجة في مصر أخيراً، بعد ادعائها الإصابة بالسرطان، وجمع مبالغ مليونية إلكترونياً، في حيلة تعدّ هي الأحدث من نوعها في مصر لجمع التبرعات.

واعتادت «دنيا» قبل اكتشاف أمرها، نشر الفيديوهات والصور، والظهور على سرير المرض في المستشفى بحالة حرجة أحياناً، وكذلك بصحبة أصدقائها، ووالدتها وابنتها، والحديث عن معاناتها وطلب الدعاء، كما خرجت في «بث مباشر» لتعلن انتظارها نتيجة تحليل عينة بعد تحمل 3 سنوات من الألم، وفق حديثها.

بدورها، أعلنت وزارة الداخلية المصرية كشف ملابسات ما تم تداوله بشأن ادعاء إحدى السيدات بمحافظة الإسماعيلية (شرق القاهرة) إصابتها بأمراض سرطانية، وجمع مبالغ مالية على سبيل التبرعات من المواطنين، عقب تقديم صحافية مصرية لبلاغ، أفادت خلاله بتضررها منها لقيامها بالنصب والاحتيال عليها، واستغلالها لجمع تبرعات.

وأكد بيان نشرته وزارة الداخلية، ضبط المشكو في حقها، بعد أن أقرت بقيامها بنشر مقاطع فيديو على حساباتها لجمع تبرعات مالية من المواطنين لمساعدتها في العلاج، عقب شعورها بآلام ظنت أنها «أورام سرطانية»، ولم تقدم أي مستندات تدعم أقوالها.

وعقب اكتشاف حيلتها الإلكترونية، تحولت التعليقات على حساب «دنيا» «السوشيالي»، من التعاطف والدعاء، وتمني الشفاء، للنقيض تماماً، والهجوم عليها واتهامها بالنصب، وادعاء المرض، والدعوة لعدم تصديق كل ما يثار، والتأكد من الحالات المرضية قبل التعاطف والتبرع.

الجهات الأمنية ألقت القبض على البلوغر (وزارة الداخلية المصرية)

من جانبه، أكد المحامي المصري أيمن محفوظ، أن «السيدة استغلت مشاعر الناس بادعائها محاربة السرطان على خلاف الحقيقة، للحصول على تبرعات»، لافتاً إلى أن «حالتها ليست الأولى فقد سبقها في ذلك شاب مصري يدعى (محمد ق) بمساعدة والدته، وادعاء الإصابة بالسرطان وتم القبض عليهما».

وأضاف محفوظ لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتهامات المُسندة لتلك السيدة ستكون في نطاق (نشر أخبار كاذبة)، و(تكدير الأمن والسلم العام)، و(النصب على المواطنين)، وتصل عقوبتها إلى السجن 3 سنوات، وغرامة مليون جنيه، طبقاً لنصوص المواد 98،160،187،336 من قانون العقوبات، ومخالفة قانون (مكافحة الجرائم المعلوماتية) رقم 175 لسنه 2018، حيث ادعت إصابتها بالمرض لغرض تحقيق الشهرة والثراء، بلا عمل مشروع».

في السياق، أكد المكتب القانوني للمدعى عليها، تنحيه عن القضية، بعد تواصلها مع مكتبهم لطلب الدفاع عنها، وشرح بعض التفاصيل الخاصة، بعد استقصاء الحقيقة كاملة، وذلك احتراماً لأهالي المحافظة، وفق بيان رسمي للمكتب.

وأوضحت أستاذة الدعاية والإعلان بإعلام القاهرة الدكتورة سارة فوزي لـ«الشرق الأوسط»، أن «التسول تحول من الحياة الواقعية، إلى تسول إلكتروني واستثمار للعاطفة الإنسانية للمستخدمين، خصوصاً أن فئات مجتمعية كثيرة باتت عرضة للتأثر بهذه الحالات دون تحقق ووعي رقمي».

وأضافت أن «السوشيال ميديا بطبيعتها عاطفية، وتدعم المحتوى الذي يثير العواطف الإيجابية أو السلبية، ويظهرها بكثافة من خلال الخوارزميات، بسبب التفاعل المكثف عبر التعليقات والمشاركات، وعلامات الإعجاب، التي تؤدي للتعاطف مع الحالة، بعيداً عن مدى مصداقيتها».

ولفتت إلى أن «التسول تطور بعيداً عن الواقع والشارع، وامتد إلى (السوشيال ميديا)، من خلال الفيديوهات المسجلة، والمنشورات المؤثرة، والبكاء».

ووصفت المتخصصة في الدعاية والإعلان ما يحدث بـ«العدوى الرقمية العاطفية، وتفاعل البعض إجبارياً خوفاً من اتهامهم بالقسوة والجمود، ومن ثمّ تزداد المتاجرة في محاولة لكسب مبالغ مالية أو شهرة»، مؤكدة أن ما يحدث يفوّت الفرصة على الحالات المحتاجة فعلاً لخوف الناس من الوقوع في فخ تبرعات ونصب جديد.

وبخلاف واقعة «دنيا»، قامت إحدى السيدات في أستراليا قبل سنوات بادعاء الإصابة بالسرطان وتعافيها، وتفعيل مؤسسة رقمية للحديث عن قصتها، إلى أن تم اكتشاف أمرها ومعاقبتها، وسيدة من أميركا، وأخرى من بريطانيا، جميعهن أكدن إصابتهن بالسرطان تحديداً، بهدف جمع مبالغ مالية عبر مواقع «سوشيالية» متنوعة، إلى أن اكتُشف أمرهن، وتعرضن لعقوبات قانونية.


رحلة الجنيه المصري من الذهب إلى خامات اقتصادية تعكس تآكل قيمته

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

رحلة الجنيه المصري من الذهب إلى خامات اقتصادية تعكس تآكل قيمته

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

في أحد مشاهد فيلم «الرجل الثاني» الذي أُنتج عام 1959، تظهر الفنانة سامية جمال وسط أجواء الفيلم الأنيقة، تتحرك بخفة معتادة بينما يدور الحوار حول قيمة الجنيه المصري، قبل أن تشير إلى أن «الجنيه يساوي دولارين ونصف الدولار»، خلال حديثها عن الاتجار بالعملة في السوق الموازية، ورغم أنه مشهد لم يتوقف المشاهد طويلاً أمامه آنذاك، فإنه بات اليوم مشهداً توثيقياً لتآكل قيمة الجنيه.

قصة الجنيه المصري بدأت رسمياً عام 1834، حينما أصدر حاكم مصر محمد علي باشا فرماناً بإنشاء عملة مصرية تعتمد على الذهب والفضة، قبل أن تصدر أولى العملات عام 1836، وقتها لم يكن الجنيه مجرد وسيلة للتبادل، بل كان يحمل قيمة حقيقية مرتبطة بالمعدن نفسه، وحين أصدر البنك الأهلي أول جنيه ورقي عام 1899، كانت قيمته تعادل 7.43 غرام من الذهب، أي ما يساوي أكثر من 5 دولارات وفق أسعار الذهب آنذاك.

ظل الجنيه لعقود طويلة محتفظاً بمكانته، حتى مع ربطه بالدولار عام 1962، ظل محافظاً على جزء من قيمته التي تراجعت تدريجياً، حتى أصبح يسجل في البنوك متوسط 53.5 جنيه لكل دولار؛ هذا التراجع انعكس بدوره حتى على المادة التي يُصنع منها، فالعملة التي بدأت رحلتها من الذهب والفضة، انتهت إلى خامات اقتصادية منخفضة التكلفة، في محاولة لتقليل نفقات الإنتاج ومواجهة ظواهر مثل نقص «الفكة» و«صهر العملات».

تراجعت قيمة الجنيه المصري بشكل لافت خلال السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وعدلت مصر من المواصفات الفنية للعملات المعدنية وفي مقدمتها «الجنيه» ضمن إجراءات اتخذت لإتاحة كميات إضافية من الفكة في الأسواق، مع تأكيد رئيس مصلحة الخزانة العامة جمال حسين العمل على توفير «الفكة» مع استحداث عملة معدنية جديدة فئة «جنيهان» بما يساهم في دعم هيكل الفئات النقدية وتيسير عمليات التداول، وفق بيان رسمي الشهر الماضي.

وبدأت عملية ضخ الفكة بالفعل في الأسواق من خلال عدة مواقع مع إتاحة الفرصة للمواطنين للحصول على «الفكة» بشكل منظم ويومي في مواعيد العمل الرسمية، الأمر الذي لم يقتصر على القاهرة ولكن امتد ليشمل عدة محافظات؛ وفق «المصلحة».

تكلفة الفكة

أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان عمرو سليمان يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تكلفة إصدار (الفكة) عالمياً ارتفعت مع ارتفاع أسعار المعادن على غرار النيكل والنحاس، وفي ظل معدلات التضخم العالمية تتحول قيمة العملة لتكون أكبر من تكلفة الإصدار بما قد يؤدي لإعادة صهر العملة من جانب المصنعين في صناعات محددة لاستخدام المعدن الموجود فيها لأن قيمتها السلعية تكون أعلى من قيمتها النقدية».

رأي يدعمه الخبير الاقتصادي كريم العمدة، الذي يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن تسجيل تراجعات في قيمة الجنيه بشكل تدريجي وعلى فترات لعب دوراً في اختيار المواد التي تصنع منها العملات المعدنية لتكون القيمة أقل مما تساويه العملة نفسها لتجنب تعرض العملة للصهر، وإعادة استخدام مكوناتها، لكن تراجع قيمة الجنيه في العقد الماضي بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المعادن عالمياً جعلا على سبيل المثال قيمة المعادن في الجنيه الفضة ربما تزيد على قيمته بنسبة تصل إلى 25 في المائة، الأمر الذي أعاد الحديث عن ظاهرة صهر العملات للاستفادة من مكوناتها المعدنية.

وحتى يناير (كانون الثاني) 2011 كان متوسط سعر صرف الدولار أمام الجنيه يعادل 5.5 جنيه، لكن الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد، بالإضافة إلى تبني الحكومة خطة إصلاح اقتصادي تتضمن إصلاحات هيكلية في الاقتصاد المصري مع الاستقرار على سعر صرف مرن للعملة؛ ساهما في انخفاض قيمة الجنيه ليسجل 53.5 جنيه أمام الدولار هذا الأسبوع.

تطورت الفكة على مدار عقود (مصلحة سك العملة)

ويشتكي عدد كبير من المواطنين من نقص «الفكة» في الأسواق خلال الشهور الماضية، وهو أمر لم يقتصر فقط على المواطنين ولكن امتد للمسؤولين، ومنهم رئيس الهيئة القومية للأنفاق طارق جويلي، الذي تحدث في تصريحات تلفزيونية مطلع العام الجاري عن وجود «أزمة حادة» في توفير «الفكة» لتذاكر المترو.

وبحسب العمدة فإن توافر «الفكة»، حتى مع تراجع القيمة الشرائية للجنيه بشكل كبير، أمر ضروري لكونه يساهم في الحد من ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، خصوصاً في ظل الزيادات المضطردة في الأسعار والسلع والخدمات، الأمر الذي يلعب دوراً في محدودية التأثير، لافتاً إلى أن إعادة النظر في بعض الخامات المستخدمة في تصنيع «الفكة» أمر حتمي، حتى لو جرى استبدال بعضها من عملات معدنية إلى ورقية؛ باعتبارها أقل في التكلفة.

ويؤكد عمرو سليمان أن «زيادة معدلات النمو وعمليات الشراء والبيع في المعاملات» تتبعها بالضرورة الحاجة إلى «فكة»، وبالتالي يتطلب الأمر زيادة في المبالغ المالية التي يتم ضخها باستمرار.


«مانجا العربية» تواصل توسعها الدولي وتطلق مبيعاتها في شمال أفريقيا

توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)
توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

«مانجا العربية» تواصل توسعها الدولي وتطلق مبيعاتها في شمال أفريقيا

توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)
توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)

في خطوة جديدة ضمن مسارها التوسعي خارج السعودية، أعلنت شركة «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG»، عن بدء مبيعات إصداراتها في أسواق شمال أفريقيا وتحديداً المملكة المغربية، في إطار خطتها الرامية إلى توسيع حضورها في الأسواق الدولية، وتعزيز وصول المحتوى الإبداعي العربي إلى شرائح أوسع من القراء في المنطقة والعالم.

ويأتي هذا التوسع امتداداً لجهود «مانجا العربية» في بناء حضور دولي متنامٍ، عبر تطوير قنوات توزيعها، وتوسيع نطاق وصول منتجاتها وإصداراتها إلى أسواق جديدة، بما يدعم رؤيتها في تصدير الإبداع السعودي والعربي، وتقديم محتوى قصصي بصري يعكس الهوية الثقافية السعودية والعربية بأسلوب معاصر قادر على الوصول إلى جمهور متنوع، ومن خلال دخولها أسواق شمال أفريقيا، تفتح «مانجا العربية» نافذة جديدة أمام القراء والمهتمين بفن القصص المصورة للاطلاع على مجموعة من إصداراتها المتنوعة، بما يشمل الأعمال السعودية والعربية الأصلية والأعمال العالمية المترجمة رسمياً للغة العربية، ضمن تجربة مثرية تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتواكب الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الأعمال في عدد من الأسواق الدولية.

أعلنت «مانجا العربية» عن بدء مبيعات إصداراتها في أسواق شمال أفريقيا وتحديداً المغرب (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الخطوة امتداداً لمسيرة «مانجا العربية» في دعم صناعة المحتوى الإبداعي العربي، وتعزيز حضور المواهب الشابة في قطاع المانجا والقصص المصورة؛ إذ أطلقت الشركة قبل عدة أشهر مبادرة «واعدة»، الهادفة إلى تمكين جيل جديد من الكتّاب والرسامين العرب، وفتح آفاق أوسع أمام أعمالهم للوصول إلى الجمهور عبر منصاتها الرقمية المختلفة.

ومنذ إطلاقها، احتضنت مبادرة «واعدة»، 9 أعمال إبداعية قدّمها شباب وشابات من مختلف أنحاء العالم العربي، في خطوة تعكس التزام «مانجا العربية» بتطوير البيئة الإبداعية، وتوفير مسارات عملية لاكتشاف المواهب وصقلها ونشر إنتاجاتها، كما تواصل «مانجا العربية»، وللعام الرابع على التوالي، تنظيم مسابقتها السنوية المخصصة لدعم المبدعين العرب، بجوائز تجاوزت قيمتها 350 ألف ريال سعودي منذ انطلاقتها، بما يعزز دورها الريادي في تمكين الشباب، ورفد صناعة المانجا بمواهب قادرة على المنافسة محلياً ودولياً.

وقال المهندس فارس آل رشود، نائب المدير العام بـ«مانجا العربية»: «يمثل بدء مبيعات (مانجا العربية) في أسواق شمال أفريقيا خطوة مهمة ضمن توجهنا الاستراتيجي للتوسع في الأسواق الدولية، والوصول بإصداراتنا إلى جمهور أوسع خارج المنطقة، كما نؤمن بأن الأعمال العربية الإبداعية تمتلك اليوم فرصاً حقيقية للحضور والمنافسة عالمياً، متى ما قُدِّمت بجودة عالية، ورؤية واضحة، وقنوات توزيع فعالة».

وأضاف آل رشود: «نسعى في (مانجا العربية) إلى ترسيخ حضورنا الدولي، من خلال التوسع في نقاط البيع والتوزيع، وبناء شراكات نوعية، وتقديم أعمال تجمع بين الأصالة العريقة، والقوالب الحديثة في صناعة الأعمال الإبداعية، بما يسهم في تعزيز حضور الإبداع السعودي والعربي في الأسواق العالمية».

وتُعد هذه الخطوة جزءاً من مسيرة «مانجا العربية» في توسيع انتشارها وتطوير حضورها خارج الأسواق المحلية، مستفيدة من النمو الذي حققته خلال السنوات الماضية على مستوى النشر والتوزيع والتحول الرقمي، وتواصل الشركة العمل على تقديم محتوى قصصي وإبداعي موجه للصغار والشباب، عبر منظومة متكاملة تجمع بين الإصدارات المطبوعة والمنصات الرقمية.