أوباما يصفّى حساباته العالقة في «أرض موعودة»

سيرته من طفولته إلى مايو 2011 حين اتخذ قراره بتصفية أسامة بن لادن

غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
TT

أوباما يصفّى حساباته العالقة في «أرض موعودة»

غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير
غلاف المذكرات- الجزء الأول ... أوباما ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة لما تمنحه من قدرة على التغيير

إذا كان الكتاب يُقرأ من غلافه، فهذا باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة (مواليد 1961 وحكم من 2009 - 2016) يظهر في صورة ملتقطة باحتراف معتلياً عتبة كاملة الثقة، تعلو محياه ابتسامة بشاشة وكأنها من زمان ذهبي آخر بعيد لا نكاد نذكره، بعدما غرقت الولايات المتحدة في صراعات استقطابيّة الطابع حول الانتخابات الأخيرة، وتفاقمت المصاعب العرقيّة فيها حد الانفجار، فيما ترزح - وهي دولة العالم الأعظم - تحت عبء الجائحة المستعرة فتسجّل تباعاً أرقاماً قياسيّة في أعداد المصابين والضحايا، ويعيش سكانها ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة.
لكن الغلاف هذه المرّة لا يوشوش أذنينا بكل شيء. إذ إن النصّ بمجمله - رغم نثر أوباما المتين ولغته الأنيقة - يبدو أقرب إلى سجّل لتصفية الحسابات العالقة من فترة رئاسته الأولى، وفرصة لقول كلمته حول مسائل حساسة سياسياً لم يكن بمقدوره ربمّا التوسع بطرحها أيّام إقامته في البيت الأبيض.
ومن الواضح أنّ لدى أوّل رئيس أميركي ذي بشرة ملونة المزيد من الحسابات التي تحتاج بدورها إلى الإغلاق تركها لجزء ثان من هذه المذكرات سيغطي فترته الرئاسية الثانية - ولم يعرف على الفور متى يمكن إنجازه - إلى جانب الفوائد الجانبيّة الأكيدة في مضاعفة دخله عبر عدّة ملايين من النسخ ستباع حول العالم ورقيّاً وإلكترونيّاً. وللحقيقة فإن هذا الجزء الأوّل الذي جاء متأخرا بالفعل لمدة سنتين إضافيتين على موعد نشره وفق العقد الأصلي مع الناشر، وتجاوز الحجم المتفق عليه ليصل إلى 700 صفحة (مقابل 500 تم الاتفاق عليها) قد قفز سريعا بعد نشره بساعات إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة وبريطانيا.
يغطّي أوباما في «أرض موعودة*» وسيرته من صغره إلى مايو (أيار) 2011 وبالتحديد تلك الليلة التي كان عليه أن يتخّذ قراره بشأن تصفية أسامة بن لادن في باكستان، حيث كان يتوارى. تحتل فترة يفاعته نحو 200 صفحة لا جديد فيها عملياً عمّا كان رواه في كتابه الشهير «أحلام من والدي - 1995» الذي نشره بخضمّ أجواء التحضير للترشح لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي، وإن بدا في «أرض موعودة» أكثر ارتياحا لناحية وصف ذكرياته عن طفولته بإندونيسيا، ومتعه الشخصيّة مراهقاً في أجواء هاواي الطبيعيّة والاجتماعية مقارنة بتجنّبه الحديث عن تلك المرحلة عندما كان رئيساً ووظفها الجمهوريّون ضدّه ذلك الحين لدرجة أن الرئيس دونالد ترمب صرّح علنا - إبان حملاته الانتخابيّة عام 2015 - عن اعتقاده بأن الرئيس «أوباما ليس من مواليد الولايات المتحدّة، ومجرّد واجهة لمسلمين متطرفين».
ولا يقتصر الأمر على تناقض صورة الغلاف مع المضمون، إذ إن العنوان أيضاً الشديد التفاؤل بـ«أرض موعودة» ويوجهه مؤلفه إلى «الأجيال الطالعة» لا يقدّم الكثير مما يحفّز إلى الحلم بالغد الأفضل بقدر ما يتولى تحديد قوى الرّفض الجامحة التي تتحكم بالسياق السياسي الأميركي برمته، وتجعل من شبه المستحيل عملياً فرض أجندات تغيير حقيقي حتى لو كنت تجلس على مقعد الرئيس، سواء في معسكر القوى الجمهوريّة اليمينيّة المحافظة، أو لوبيّات المال والنفط، ومع موظفي الإدارة الأميركية المؤدلجين، وأجهزة المخابرات، والجيش، كما اللوبي الصهيوني أنصار إسرائيل وغيرها من مراكز القوى المتغلغلة في كل مفاصل صناعة القرار السياسي الأميركيّ.
ورغم الوصف المفعم بتفاصيل منسوجة بنفس عاطفي ظاهر لجوانب إنسانيّة ولحظات مؤثرة في حياة الرئيس السابق، فإن كتابه «أرض موعودة» هو كتاب سياسي بالدّرجة الأولى، يقدّم فيه أوباما سرديته للقضايا الرئيسية التي واجهها خلال فترة ولايته الأولى، بما في ذلك دوره بمواجهة مترتبات الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 التي كانت على لائحة انتظاره فور تسلّمه مهام منصبه، كما صراعه مع الجمهوريين لإقرار برنامجه المتعلّق بمدّ مظلّة الرعاية الصحية للمزيد من الأميركيين - واشتهر لاحقا باسم (أوباماكير) - والحرب المستمرّة في أفغانستان كما مسائل الهجرة، والبيئة عبر أحداث اضطر للتعامل معها (مثل حادثة أسوأ تسرّب نفطي في تاريخ البلاد)، فيما سكت عن قضايا أخرى مشحونة بالجدل مثل الاغتيالات بالدّرونات، والكشف عن دولة المراقبة التي تمسك بخنّاق الأميركيين وآخرين كثيرين حول العالم، وأيضا الانتخابات التي أوصلت خلفه الرئيس ترمب للرئاسة 2016، ولا بدّ أنّه سيغطيها في الجزء التالي من المذكرات.
ومع أنّ أوباما حاول ارتداء عباءة البطل دوماً في القضايا التي تحدّث بها، إلا أن القراءة المعمقة للنص تكشف عن ثيمات تكررت عبر مختلف المراحل وشكّلت مجمل تجربته الرئاسيّة ومنها ميلٌ غالب لتجنّب الصّراع في المواجهات الحتميّة، والحاجة الدّائمة لدعم الآخرين له بما يخصّ اتخاذ القرارات (لا سيّما النساء القويّات)، إضافة إلى عدم وجود راحة دائمة بسبب لون بشرته الأسود.
يروي أوباما مثلا ما يعتبره إنجازه الشخصي في تعامله مع مترتبات أزمة 2008 الاقتصادية العالميّة، التي تسببت فيها وبشكل أساسي البنوك وبيوتات المضاربات الماليّة الأميركيّة، وأضرّت باقتصاد معظم دول العالم. لكنّه يذكر كيف أنّه اضطر للتنازل مبكراً عن أفكاره الطموحة في التغيير الهيكلي لكوادر الدّولة ومنح الفرص للمواهب الجديدة، لمصلحة الاستعانة بالخبراء المخضرمين، الذين كان جزء منهم على الأقل مشاركين في صنع الأزمة المتفاقمة بشكل أو بآخر. وهو تراجع أيضا - تحت تهديد الخبراء بإمكان حدوث انهيار شامل للنّظام الرأسمالي - عن تصوّراته الأوليّة لاتخاذ إجراءات جذريّة لتنظيم الاقتصاد على أسس جديدة، واكتفى بإنقاذ المؤسسات المنهارة بسبب الجشع وسوء الإدارة باستخدام مليارات من الخزينة العامة، وهي سلوكيّات تتوافق تماماً لما روي عنه من قبل أحد مرشديه في العمل الحزبي بشيكاغو الذي وصفه «بالتردد في خوض المواجهات مع الآخرين، تجنباً لانفجار الأوضاع».
ويذكر أوباما في مواضع عدّة تألمه من معاداة الجمهوريين له وتصويتهم ضد كل مشاريعه في الكونغرس، حتى من دون الاطلاع عليها والتفكير بعواقب رفضها على المجتمع الأميركي بعمومه، فيما يسعى بكل طاقته للحصول على دعم وتأكيد غالبيّة المحيطين بالبيت الأبيض قبل اتخاذه القرارات. ومن الظاهر أنّه بحاجة دائمة لوجود نساء قويّات في فضاءات أجوائه يستمدّ منهن القوّة. بداية من والدته، مروراً برفيقات سنوات مراهقته، ثم زوجته ميشيل أوباما، وفي دهاليز السياسة ملهمته هيلاري كلينتون، بينما لا نجد مثل ذلك التأثير البالغ لأي من الرّجال. وحتى كارل ماركس قرأه في الجامعة كي يحظى بفرصة أفضل للتقرب من الصبيّة اليساريّة الحسناء ذات الساقين الطويلتين! ومن المعروف مثلا أن الرئيس العتيد لم يقتنع بشعار الحملة الرئاسيّة الذي قدّم إليه «نعم بإمكاننا»، ورفَضَه، قبل أن يعود ويتبناه كما هو إثر إبداء السيّدة زوجته رأياً إيجابياً تجاهه.
ومع أن أوباما يخبرنا في سياقات أخرى بأنّه ركب مخاطرة ترك العمل المجزي في المحاماة لمصلحة خوض اللعبة السياسيّة ليس من أجل السلطة بحد ذاتها، ولكن لما تمنحه من قدرة على التغيير انطلاقاً من إحساسه المضني والدائم بعدم الراحة الذي يعرفه ذو البشرة السوداء في مجتمع تهيمن عليه أكثريّة بيضاء، وما زال شديد العنصريّة رغم إنهاء الرق رسمياً في الولايات المتحدّة منذ ما يقرب من 150 عاماً. إلا أنّه وقد صعد إلى المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد فإن لا شيء جذريّاً تغيّر، وأصيبت غالبيّة الناشطين من الأقليّات بعد ثماني سنوات على توليه السلطة بخيبة أمل لناحية تقصيره الفادح.
وهو في المذكرات يمرر الأمر من دون إثارة زوبعات ويكتفي بتعبيره عن حزن من تغلغل المشاعر العنصريّة في مختلف مفاصل المجتمع الأميركي - لا سيّما داخل أوساط الطبقة العاملة البيضاء، في الوقت الذي يحاول وسم عداء الجمهوريين المبدئي تجاهه بارتباطه أكثر بموقعه السياسي كليبرالي تقدّمي، رغم اعتقاده أن الانتقال من عهد الرئيس الرابع والأربعين إلى عهد الرئيس الخامس والأربعين ليس من قبيل الصدفة، فإن مجرد حقيقة أن «رجلاً أسود بارعاً وذكياً وخالياً من الفضائح كان يسكن البيت الأبيض كاف لتحريك نقيضه».
في السياسة الخارجية، أوباما مشترك بحماس تام مع الاستثنائية الأميركية. ويذهب إلى الزّعم بأن أميركا ليس مرهوباً جانبها فحسب، بل تحظى بالاحترام والإعجاب أيضاً، ويردد أنّ «أولئك الذين انتقدوا دور الولايات المتحدّة في العالم لا يزالون يعتمدون علينا للحفاظ على النّظام الدّولي واقفا على قدميه»، ولذا لا نجد رؤية خاصة له في هذا المجال من العمل الرئاسي، ويكتفي بوصف العمليّة السياسيّة كما لو أنه ينظر إليها من بعد دون أن يكون مشاركا فيها.
ولعل ملاحظاته عن كبار رجال الدّولة الأميركيّة والسياسيين الأجانب الذين قابلهم وحدها تستحق الاهتمام هنا، وتشير إلى جانب ساخر يمتلكه الرئيس السابق وقدرة لاذعة على رسم البورتريهات للآخرين. فيصف فلاديمير بوتين بأنّ «وجوده الشخصي غير مؤثر»، فيما ديفيد كاميرون «يتحدّث بثقة من لم يسمح له الثراء الموروث بتجربة الأمور على حقيقتها»، وسارة بالين «لم تكن لديها أي فكرة عما كانت تتحدث عنه، بحق الجحيم»، بينما جوزيف بايدن هو لائق، وصادق، ومخلص «لكنّه من النّوع الذي قد يثير مشكلة كبيرة إذا اعتقد أنّه لم يأخذ حقه من الاحترام» وغيرها.
«أرض موعودة» التي ينحتها أوباما في (نصف) حكايته لذلك الشطر من حياته قد تكون مخيّبة لآمال الجذريين ربّما، لكّن النصّ لا يبتعد عن الأناقة والرفعة من الناحية الأدبيّة تليق بالصورة العامة عن ذلك الرجل الأسود الدّمث الذي كان أوّل ملّون سكن البيت الأبيض، ولم يتوقف يوما عن الابتسام حتى في أحلك اللحظات.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.