يمهد لهيمنة الصين... ما هو اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة»؟

الأكبر في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفق محللين

صورة جماعية لقادة ووزراء التجارة خلال قمة «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» (إ.ب.أ)
صورة جماعية لقادة ووزراء التجارة خلال قمة «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» (إ.ب.أ)
TT

يمهد لهيمنة الصين... ما هو اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة»؟

صورة جماعية لقادة ووزراء التجارة خلال قمة «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» (إ.ب.أ)
صورة جماعية لقادة ووزراء التجارة خلال قمة «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» (إ.ب.أ)

يعد اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» الذي تدعمه الصين بمثابة تحوّل في مساعي بكين لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء منطقة جنوب شرقي آسيا والمحيط الهادئ، ويؤشر إلى هيمنتها في مجال التجارة الآسيوية.
وبعد ثماني سنوات من الجدل حول التفاصيل، سيتم، الأحد، توقيع اتفاق التجارة، وهو الأكبر في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفق محللين، على ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وتم إطلاق اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» في عام 2012. وهو اتفاق تجاري بين كتلة «آسيان» المكونة من 10 أعضاء، بالإضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا.
وكان من المقرر أن توقع الهند لكنها انسحبت العام الماضي.
وحتى من دون مشاركة الهند، يشمل الاتفاق 2.1 مليار نسمة ويمثل أعضاء الاتفاق نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. والهدف منه خفض التعريفات وفتح التجارة في قطاع الخدمات وتشجيع الاستثمار لمساعدة الاقتصادات الناشئة على اللحاق ببقية العالم.
ومن شأن الاتفاق أن يخفض التكاليف ويسهّل الأمور على الشركات عبر السماح لها بتصدير المنتجات إلى أي بلد ضمن التكتل دون الحاجة للإيفاء بالمتطلبات المنفصلة لكل دولة. ويتطرّق إلى الملكية الفكرية، لكنه لا يشمل حماية البيئة وحقوق العمال.
وأفاد كبير خبراء اقتصاد منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى «آي إتش إس ماركيت» راجيف بيزواس بأنه «من المرجح أن تكون التجارة الإلكترونية من المجالات الرئيسية ذات الأولوية لمزيد من المفاوضات».
ومن غير الواضح متى سيتم التصديق على الاتفاق لكنه قد يدخل حيز التنفيذ العام المقبل.
يعد الاتفاق مهماً في شكل أساسي لأنه يضع قواعد تجارية جديدة للمنطقة، ويحظى بدعم الصين لكنه لا يشمل الولايات المتحدة.
ويقول مراقبون إنه يعزز الطموحات الجيوسياسية الأوسع للصين في المنطقة، حيث واجهت منافسة قليلة من الولايات المتحدة منذ انسحاب الرئيس دونالد ترمب من اتفاقية تجارية خاصة بها.
كان هذا الاتفاق الذي يُطلق عليه اسم «اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ»، في طريقه لأن يصبح أكبر اتفاق تجاري في العالم، إلى أن انسحبت واشنطن.
ومع ذلك، يقول المراقبون إن اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» ليس واسع النطاق مثل «اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ» أو الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ التي خلفتها.
وقال ألكسندر كابري الخبير التجاري في كلية إدارة الأعمال بجامعة سنغافورة الوطنية إنها «ليست اتفاقية مكتملة بالكامل ومنطقية بالكامل». وأضاف: «المشكلة مع الاتفاق هو أن لديك 15 دولة متنوعة بشكل لا يصدق في مراحل مختلفة من التنمية وأولويات داخلية بالكامل».
وانسحبت الهند العام الماضي بسبب مخاوف بشأن دخول البضائع الصينية الرخيصة إلى البلاد، إلا أنها يمكن أن تنضم في وقت لاحق إذا اختارت ذلك.
وأعربت نيودلهي عن مخاوفها بشأن مشكلات الوصول إلى الأسواق، خوفاً من تعرض المنتجين المحليين لضربة شديدة إذا أغرقت البلاد بالسلع الصينية الرخيصة.
وتم تحديد قطاع المنسوجات ومنتجات الألبان والزراعة على أنها ثلاث صناعات معرضة للخطر.
وواجه رئيس الوزراء ناريندرا مودي ضغوطاً متزايدة في الداخل لاتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن شروط الاتفاق، وشدد على موقفه مع اقتراب مفاوضات اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» من نهايتها.
يقول المحللون إنه من المحتمل أن تركز الإدارة الأميركية الجديدة في ظل الرئيس المنتخب جو بايدن بشكل أكبر على جنوب شرقي آسيا، رغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان يرغب في الانضمام إلى «الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ».
ويبقى الموضوع قضية حساسة سياسياً في الولايات المتحدة. وقال كابري الخبير التجاري في كلية إدارة الأعمال بجامعة سنغافورة الوطنية: «ستنظر الإدارة (الجديدة) في هذا الأمر عن كثب».


مقالات ذات صلة

«أكوا» و«فيوليا» الفرنسية تتعاونان لتحسين كفاءة محطات التحلية في السعودية وخارجها

الاقتصاد مشروع الجبيل لتحلية مياه البحر (أكوا)

«أكوا» و«فيوليا» الفرنسية تتعاونان لتحسين كفاءة محطات التحلية في السعودية وخارجها

وقَّعت «أكوا» السعودية و«فيوليا» الفرنسية مذكرة تفاهم لتطوير كفاءة محطات التحلية وخفض استهلاك الطاقة في السعودية وعدد من الأسواق الدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج لقاءات ومناسبات متعددة جمعت محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأول إلى فرنسا الأحد والاثنين (أ.ف.ب) p-circle

القمة السعودية - الفرنسية... تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ التنسيق السياسي

عزّز البيان المشترك الصادر في ختام زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، من مستوى «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين.

غازي الحارثي (الرياض)
الاقتصاد السعودية تعزز حضور المؤسسات المالية العالمية باستقطاب المقر الإقليمي لمجموعة «بي إن بي باريبا» الفرنسية (واس)

«بي إن بي باريبا» يختار الرياض... ترخيص مقر إقليمي يعزز حضور فرنسا بالسعودية

حصل بنك «بي إن بي باريبا»، أكبر بنك في فرنسا، على ترخيص لإنشاء مقر إقليمي في السعودية، في خطوة تأتي في وقت تتسع العلاقات الاقتصادية بين السعودية وفرنسا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد «إن إتش سي» توقع مذكرة تفاهم مع «إي دي إف» الفرنسية لتطوير حلول الطاقة والبنية التحتية

«إن إتش سي» توقع مذكرة تفاهم مع «إي دي إف» الفرنسية لتطوير حلول الطاقة والبنية التحتية

وقّعت الشركة الوطنية للإسكان «إن إتش سي» مذكرة تفاهم مع شركة «إي دي إف» الفرنسية، على هامش اجتماع الطاولة المستديرة السعودي - الفرنسي للاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص «ملتقى بيبان» في العاصمة الرياض المختص بالشركات الناشئة (واس)

خاص رائدة أعمال فرنسية: السعودية منصة انطلاق للتكنولوجيا إلى الأسواق العالمية

ترى رائدة الأعمال الفرنسية جولي باربييه، المقيمة في العُلا، أن السعودية تتيح للشركات التقنية اختبار منتجاتها وتطويرها والتوسع منها إقليمياً وعالمياً.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

النفط الصاعد يدفع عوائد السندات الأميركية نحو 5 %

رجل يمر أمام مقر الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)
رجل يمر أمام مقر الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)
TT

النفط الصاعد يدفع عوائد السندات الأميركية نحو 5 %

رجل يمر أمام مقر الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)
رجل يمر أمام مقر الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)

دفعت موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى الاقتراب من مستوى 5 في المائة، وسط مخاوف متصاعدة من عودة التضخم بقوة مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، وارتفاع احتمالات أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الفائدة في اجتماعه الأسبوع المقبل.وباتت تكاليف الاقتراض من طوكيو وسيدني إلى نيويورك ولندن عند أعلى مستوياتها منذ عقود، مع إعادة المستثمرين تسعير مسار السياسة النقدية في ظل الضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط منذ أكثر من ستة أشهر.وزاد البنك المركزي الأوروبي الفائدة، الخميس، محذراً من احتمال استمرار ضغوط الأسعار، بينما عزز ارتفاع أسعار المنتجين الأميركيين في أغسطس (آب) توقعات رفع الفائدة الأميركية.وتتزامن مخاوف التضخم مع قلق متزايد حيال تضخم الاقتراض الحكومي في الاقتصادات المتقدمة، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى للاحتفاظ بالديون السيادية. وتكتسب هذه الحركة أهمية أوسع لأن عوائد السندات الحكومية تمثل مرجعاً لتسعير الأصول، وبالتالي ينعكس ارتفاعها على الرهون العقارية وقروض السيارات والشركات، فضلاً عن زيادة تكلفة خدمة الدين الحكومي.وقال منصور محيي الدين، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في «بنك سنغافورة»، إن الأسواق تواجه «عاصفة مثالية» تجمع ارتفاع النفط ومخاوف التضخم وتشدد البنوك المركزية والقلق من العجز المالي، متوقعاً أن يتجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات 5 في المائة إذا جاءت بيانات أسعار المستهلكين الأميركية قوية الجمعة.وارتفع العائد الأميركي لأجل 10 سنوات إلى 4.97 في المائة خلال التعاملات الآسيوية، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أواخر 2023. ويعد اختراق مستوى 5 في المائة بصورة مستدامة نقطة حساسة للأسواق، إذ قد يجعل السندات أكثر تنافسية مقارنة بالأسهم ويشجع على انتقال الأموال من أسواق الأسهم إلى أدوات الدخل الثابت.وامتدت موجة البيع إلى آسيا، إذ قفز عائد السندات الحكومية الأسترالية لأجل ثلاث سنوات 18 نقطة أساس إلى 5.047 في المائة، وهو أعلى مستوى في 15 عاماً. وفي اليابان، ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات 6 نقاط أساس إلى 2.97 في المائة، مع توقعات واسعة بأن يرفع بنك اليابان الفائدة الأسبوع المقبل إلى أعلى مستوى في 31 عاماً.وفي أوروبا، اقتربت العقود الآجلة للسندات الألمانية من أدنى مستوياتها منذ 2011، بينما هبطت نظيرتها الفرنسية إلى مستوى قياسي منخفض، في إشارة إلى أن الضغوط لا تقتصر على السوق الأميركية.ويبقى النفط المحرك الرئيسي لمخاوف الأسواق، فقد قفز خام برنت إلى 109.97 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى في أربعة أشهر، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 13 في المائة، مع تصاعد الهجمات على طرق الشحن الرئيسية في الشرق الأوسط ومخاوف استمرار اضطراب الإمدادات.وأدت صدمة الطاقة إلى تغيير سريع في رهانات المستثمرين بشأن تحركات الفيدرالي، وباتت الأسواق تسعر احتمالاً بنسبة 72 في المائة لرفع الفائدة الأسبوع المقبل، مقابل 49 في المائة قبل أسبوع. كما ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين إلى 4.596 في المائة، وهو الأعلى منذ يوليو (تموز) 2024.وتترقب الأسواق الآن بيانات التضخم الأميركية باعتبارها الاختبار الحاسم. فإذا جاءت ضعيفة وامتنع «الفيدرالي» عن رفع الفائدة، قد تتراجع العوائد مؤقتاً. لكن استمرار النفط فوق 100 دولار يعني أن الضغوط التضخمية ستظل حاضرة، لتبقى عوائد السندات المرتفعة أحد أكبر مصادر الضغط على الأسهم والاقتراض والنمو العالمي.


تقرير التضخم يصدر اليوم... ويضع «الفيدرالي» أمام اختبار الفائدة الصعب

زبائن يتسوقون لشراء البقالة في متجر «وول مارت» الكبير في نورث بيرغن بنيوجيرسي (رويترز)
زبائن يتسوقون لشراء البقالة في متجر «وول مارت» الكبير في نورث بيرغن بنيوجيرسي (رويترز)
TT

تقرير التضخم يصدر اليوم... ويضع «الفيدرالي» أمام اختبار الفائدة الصعب

زبائن يتسوقون لشراء البقالة في متجر «وول مارت» الكبير في نورث بيرغن بنيوجيرسي (رويترز)
زبائن يتسوقون لشراء البقالة في متجر «وول مارت» الكبير في نورث بيرغن بنيوجيرسي (رويترز)

يتجه تقرير التضخم المقرر صدوره يوم الجمعة لأن يكون من بين أكثر تقارير التضخم تأثيراً في السياسة الاقتصادية الأميركية خلال السنوات الأخيرة.

فقد قفزت أسعار النفط والغاز مجدداً على خلفية تجدد التوترات في الشرق الأوسط. وينظر مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في إمكانية رفع سعر الفائدة قصيرة الأجل الأسبوع المقبل، فيما يقول بعض مسؤوليه إن تقرير يوم الجمعة قد يرجّح كفة القرار في أي من الاتجاهين. كما قفزت أسعار الفائدة طويلة الأجل، يوم الخميس، جزئياً بسبب المخاوف من ارتفاع التضخم، ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وتسعى إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى الحد من مخاوف الناخبين بشأن ارتفاع الأسعار وأسعار الفائدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. ووعد ترمب يوم الأربعاء بدفع 5 آلاف دولار لكل بالغ أميركي إذا حافظ الحزب الجمهوري على أغلبيته في الكونغرس، وهي خطوة تتطلب موافقة الكونغرس وقد تؤدي إلى تأجيج التضخم. كما كثف وزير الخزانة سكوت بيسنت عمليات إعادة شراء سندات الخزانة في محاولة لإبقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل منخفضة. ومع ذلك، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، يوم الخميس، إلى أعلى مستوى له في نحو ثلاث سنوات.

ماذا نتوقع يوم الجمعة؟

من المتوقع أن تعلن الحكومة يوم الجمعة تراجع التضخم العام بشكل طفيف الشهر الماضي إلى 3.3 في المائة، مقارنة مع 3.4 في المائة، وفقاً لبيانات شركة «فاكت ست»، رغم أن هذا المستوى لا يزال أعلى بكثير من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة. ومن المرجح أن تؤدي أسعار البنزين المرتفعة إلى دفع التضخم مجدداً نحو الصعود الشهر المقبل، عند صدور بيانات سبتمبر (أيلول).

وعلى أساس شهري، من المتوقع أن تكون الأسعار قد ارتفعت 0.4 في المائة من يوليو (تموز) إلى أغسطس (آب)، وهي وتيرة من شأن استمرارها أن تبقي التضخم أعلى بكثير من مستوى 2 في المائة.

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، من المتوقع أن تكون الأسعار الأساسية قد ارتفعت 0.2 في المائة فقط من يوليو إلى أغسطس، وأن تكون قد زادت 2.4 في المائة الشهر الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. وستكون الزيادة السنوية أقل قليلاً من الزيادة البالغة 2.5 في المائة المسجلة في يوليو.

ومع ذلك، قد لا يؤدي تباطؤ التضخم الأساسي إلى تغيير موقف «الاحتياطي الفيدرالي» أو تهدئة مخاوف كثير من المستهلكين. فقد أدى تجدد التوترات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، وقفز متوسط سعر غالون البنزين على مستوى الولايات المتحدة، يوم الخميس، 7 في المائة مقارنة بالشهر السابق، إلى 4.28 دولار. وكانت أسعار البنزين في يوم العمال قد سجلت مستوى قياسياً لذلك التاريخ، فيما بلغت أسعار وقود الديزل مستويات قياسية على الإطلاق.

هل التضخم صدمة مؤقتة أم مشكلة أكثر استدامة؟

لطالما اعتبر كثير من الاقتصاديين ومسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفاع أسعار البنزين ضمن عدة صدمات «لمرة واحدة» تسهم في رفع التضخم، إلى جانب الرسوم الجمركية والزيادة الكبيرة في الاستثمارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وعلى مدى أشهر، كان الأمل معقوداً على أن يتراجع التضخم تدريجياً مع انتهاء الحرب ضد إيران وتلاشي آثار الرسوم الجمركية.

لكن لا توجد مؤشرات تذكر على قرب انتهاء الحرب مع إيران، بل إن ترمب نفسه قال إن أسعار البنزين لن تتراجع قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). وبينما ستؤثر الحرب التجارية التي يخوضها ترمب مع كندا على عدد محدود من الواردات، فإنها تذكّر بأن الرسوم الجمركية لا تزال تمثل تهديداً قد يدفع تكاليف أخرى إلى الارتفاع.

وقالت كاثي بوستانتشيك، كبيرة الاقتصاديين في شركة «ناشيون وايد»: «هذه ليست مسألة لمرة واحدة وتنتهي». وأضافت: «من غير الواضح متى ستهدأ التوترات في الشرق الأوسط... ويبدو أن هذا الاضطراب قد يستمر لفترة طويلة».

وعلى الرغم من أن الأسعار الأساسية ترتفع بوتيرة أبطأ من الأسعار الإجمالية، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يمتد تأثيره إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد. ومن المرجح أن تؤدي زيادة أسعار وقود الطائرات إلى ارتفاع أسعار تذاكر السفر الجوي، كما ستؤدي زيادة أسعار الديزل إلى رفع تكاليف الشحن، ما قد يجعل البقالة وغيرها من السلع المنقولة بالشاحنات أكثر تكلفة. وأظهر تقرير لأسعار الجملة صدر يوم الخميس قفزة في أسعار المواد الكيميائية، يُرجح أنها ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.

ماذا سيفعل «الاحتياطي الفيدرالي»؟

ينقسم مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» بشأن ما إذا كان ينبغي رفع أسعار الفائدة في اجتماع الأسبوع المقبل، إلى درجة أن فروقاً لا تتجاوز أجزاء من مائة من النقطة المئوية في تقرير التضخم المقرر صدوره يوم الجمعة قد تحدد ما إذا كان البنك المركزي سيرفع سعر الفائدة الأساسي أم سيبقيه دون تغيير. ويتولى «الاحتياطي الفيدرالي» مهمة إبقاء التضخم تحت السيطرة، وعادة ما يرفع تكاليف الاقتراض لإبطاء الإنفاق والحد من ارتفاع الأسعار.

ويختلف المستثمرون والمحللون بشأن ما إذا كان «الاحتياطي الفيدرالي» سيرفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر يومي 15 و16 سبتمبر. وكان رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش قد أشار قبل أسبوعين، في خطاب حظي باهتمام واسع، إلى أنه يميل نحو رفع الفائدة، لكنه لم يلتزم بتنفيذ هذه الخطوة في موعد محدد.

ويوم الخميس الماضي، أشار محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر، في موقف ينسجم مع تصريحات عدد من مسؤولي البنك، إلى أنه إذا أظهر تقرير التضخم الصادر يوم الجمعة تباطؤاً في زيادات الأسعار، فسوف يؤيد إبقاء أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية. ويُعد والر واحداً من 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت على كل قرار بشأن أسعار الفائدة.

وقد أدى التركيز الكبير الذي أولاه والر لبيانات أغسطس إلى رفع أهمية تقرير يوم الجمعة. فإذا ارتفع معدل التضخم الأساسي الشهري إلى 0.3 في المائة، يتوقع بعض محللي «وول ستريت» أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة. أما إذا انخفض المعدل إلى 0.2 في المائة أو أقل، فقد يصبح الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير هو الاحتمال الأرجح. وإذا جاء المعدل بين هذين المستويين، فلن يكون واضحاً ما الذي قد يفعله «الاحتياطي الفيدرالي». ووصف أحد المحللين هذه الحسابات بأنها «دقة عبثية».

أما ورش، فلا يريد الكشف مسبقاً عن تحركاته المقبلة، وهو ما يقول بعض الاقتصاديين إنه قد يجعل هذا النوع من عدم اليقين أكثر شيوعاً قبل اجتماعات «الاحتياطي الفيدرالي».


11 سبتمبر... فاتورة تتجاوز 8 تريليونات دولار

حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
TT

11 سبتمبر... فاتورة تتجاوز 8 تريليونات دولار

حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)

بعد 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لم تعد التكلفة الاقتصادية لذلك اليوم قابلة للقياس بقيمة برجي مركز التجارة العالمي اللذين انهارا، أو بالطائرات التي دُمرت، أو حتى بالدخل الذي فقده الضحايا. فالصدمة التي استمرت ساعات تحولت إلى واحدة من أطول الفواتير الاقتصادية في التاريخ الأميركي الحديث، امتدت من إعادة بناء مانهاتن إلى حربي أفغانستان والعراق، ومن إنشاء منظومة أمن داخلي ضخمة إلى فوائد الديون ورعاية المحاربين القدامى وتعويض المصابين بأمراض مرتبطة بالهجمات.ولا يوجد رقم واحد متفق عليه يمثل «تكلفة 11 سبتمبر»، لأن النتيجة تتغير وفق العناصر التي تدخل في الحساب. فإذا اقتصر القياس على الدمار والخسائر الاقتصادية المباشرة في نيويورك، نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات. أما إذا شمل الحروب وبرامج مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي وفوائد الاقتراض والتزامات رعاية المحاربين القدامى، فإن الفاتورة تتجاوز 8 تريليونات دولار، مع استمرار بعض الالتزامات لعقود مقبلة. ويؤكد «مشروع تكاليف الحرب» التابع لمعهد واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون، أن هذا الرقم يمثل الإنفاق والالتزامات الفيدرالية المرتبطة بحروب ما بعد 11 سبتمبر، وليس خسائر الهجمات المباشرة نفسها.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

* عشرات المليارات في ساعات

في الحلقة الأولى من الخسائر، قدّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك التكلفة المباشرة للهجوم على المدينة بما يتراوح بين 33 و36 مليار دولار. وشمل ذلك نحو 21.6 مليار دولار لإصلاح واستبدال المباني والبنية التحتية والممتلكات، و7.8 مليار دولار من الدخل المتوقع على مدى حياة الأشخاص الذين قتلوا، وما بين 3.6 و6.4 مليار دولار من الأجور المفقودة بسبب تعطل النشاط الاقتصادي.

لكن التقديرات الأوسع كانت أكبر بكثير؛ فقد راجع «مكتب محاسبة الحكومة الأميركية» ثماني دراسات عن التداعيات الاقتصادية، وخلص إلى أن دراسة «مؤسسة شراكة مدينة نيويورك» قدمت التقدير الأكثر شمولاً آنذاك. وقدرت المؤسسة الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 83 مليار دولار بأسعار 2001، منها نحو 67 مليار دولار كان متوقعاً تعويضها من التأمين والمساعدات الفيدرالية أو النشاط الاقتصادي الذي ولدته عمليات التعافي وإعادة البناء.

وامتدت الصدمة سريعاً إلى قطاعات بعيدة عن موقع الهجمات، خصوصاً الطيران والسياحة والفنادق والتأمين والأسواق المالية. كما أجبرت الحكومة والشركات على إعادة تعريف مفهوم المخاطر الأمنية، لتبدأ مرحلة جديدة أصبح فيها الإنفاق على الحماية من الإرهاب بنداً دائماً في الاقتصاد الأميركي.

برج مركز التجارة الأميركي الجديد في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

* من هجوم إلى حرب عالميةالقفزة الكبرى في الفاتورة جاءت مع إطلاق الولايات المتحدة ما سمته «الحرب العالمية على الإرهاب»، بدءاً من غزو أفغانستان في 2001، ثم العراق في 2003، واتساع العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب إلى مناطق متعددة حول العالم.ويقدر «مشروع تكاليف الحرب» في جامعة براون أن الحكومة الأميركية أنفقت أو التزمت بإنفاق أكثر من 8 تريليونات دولار على حروب ما بعد 11 سبتمبر وتداعياتها. ويشمل الحساب الإنفاق العسكري، والزيادات المرتبطة بالحروب في الموازنة الأساسية لوزارة الدفاع، ونفقات وزارة الخارجية، وبرامج مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي، وفوائد الاقتراض، إضافة إلى الرعاية الحالية والمستقبلية للمحاربين القدامى.ومن هذا الإجمالي، قدرت دراسة الميزانية الأساسية للمشروع الإنفاق والالتزامات حتى السنة المالية 2022 بنحو 5.8 تريليون دولار، قبل إضافة أكثر من 2.2 تريليون دولار من الالتزامات المستقبلية المقدرة لرعاية المحاربين القدامى، ليصل الإجمالي إلى نحو 8 تريليونات دولار.

وهنا تظهر واحدة من أهم السمات الاقتصادية للحروب التي أعقبت الهجمات، وهي أن واشنطن لم تمولها بالكامل من الإيرادات الجارية أو زيادات ضريبية مخصصة، وإنما اعتمدت بدرجة كبيرة على الاقتراض. ولذلك لا تنتهي التكلفة بانتهاء العمليات العسكرية، بل تنتقل إلى الموازنات التالية في صورة فوائد ومدفوعات دين.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* فاتورة المحاربين لم تبلغ ذروتهاتمثل رعاية المحاربين القدامى أحد أكبر الالتزامات طويلة الأجل. وتقدر الباحثة ليندا بيلمز، في دراسة ضمن «مشروع تكاليف الحرب»، أن النفقات الطبية وتعويضات العجز والمزايا المرتبطة بالمحاربين في حروب ما بعد 11 سبتمبر ستصل إلى ما بين 2.2 و2.5 تريليون دولار بحلول 2050.الأهم أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة لم يُدفع بعد، إذ تزداد احتياجات الرعاية الصحية مع تقدم المحاربين القدامى في العمر. وتشير الدراسة إلى أن الإنفاق على رعاية المحاربين القدامى ارتفع من 2.4 في المائة من الموازنة الفيدرالية في السنة المالية 2001 إلى 4.9 في المائة في 2020، رغم تراجع العدد الإجمالي للمحاربين القدامى الأحياء من مختلف الحروب الأميركية.هكذا تظل الحروب مكلفة مالياً حتى بعد مغادرة آخر جندي ساحة القتال، لأن التعويضات والرعاية الصحية تستمران لعقود.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* أمراض «ما بعد البرجين»هناك فاتورة أخرى ما زالت تتضخم في نيويورك نفسها، فالغبار والمواد السامة التي انتشرت بعد انهيار مركز التجارة العالمي خلّفت أمراضاً مزمنة بين رجال الإطفاء وعمال الإنقاذ والتنظيف والسكان والعاملين في المنطقة.وفق أحدث بيانات وزارة العدل الأميركية، تلقى «صندوق تعويض ضحايا 11 سبتمبر» حتى 31 أغسطس (آب) 2026 أكثر من 112 ألف مطالبة، ومنح أكثر من 18.56 مليار دولار لأكثر من 77 ألف مطالب منذ إعادة فتحه في 2011. وقد مُدّد الموعد النهائي لتقديم المطالبات حتى الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2090، ما يجعل التعويضات الصحية المرتبطة بالهجمات التزاماً يمتد إلى نهاية القرن تقريباً.

بالتوازي، يقدم «برنامج الصحة الخاص بمركز التجارة العالمي»، الذي يديره «المعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية» التابع لـ«مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها»، المتابعة الطبية والعلاج لأكثر من 125 ألفاً من المستجيبين للهجمات والناجين منها. والبرنامج، الذي أنشئ بموجب «قانون جيمس زادروغا للصحة والتعويض عن أحداث 11 سبتمبر»، مخول بالعمل حتى عام 2090.ومن عام 2011 إلى عام 2024، خصص البرنامج 180.3 مليون دولار للأبحاث الطبية، إضافة إلى 99.2 مليون دولار لـ«سجل الصحة الخاص بمركز التجارة العالمي»، فيما يستمر تمويل الأبحاث المتعلقة بالتأثيرات الجسدية والنفسية طويلة الأجل حتى 2090.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* التكلفة التي لا تظهر في الموازنةلكن حتى رقم 8 تريليونات دولار لا يقدم الصورة الاقتصادية كاملة، لأن هناك ما يسميه الاقتصاديون «تكلفة الفرصة البديلة»، التي تتمثل في فرضية «ماذا كان يمكن للولايات المتحدة أن تحقق لو وُجه جزء من تلك التريليونات إلى البنية التحتية أو التعليم أو الصحة أو البحث العلمي أو خفض الدين؟».ويشير «مشروع تكاليف الحرب» إلى أن قطاعات مثل التعليم والطاقة النظيفة تستطيع توليد وظائف أكثر لكل دولار إنفاق مقارنة بالقطاع الدفاعي. كما أن تقدير 8 تريليونات دولار نفسه لا يشمل فوائد مستقبلية إضافية ستترتب على الاقتراض المستخدم لتمويل الحروب، ما يعني أن الحساب سيواصل الارتفاع.تضاف إلى ذلك تكاليف يصعب تحويلها إلى رقم دقيق، مثل الوقت الإضافي والإجراءات الأمنية في المطارات والمواني، وتكاليف الامتثال التي تحملتها الشركات، والاستثمارات الهائلة في المراقبة والأمن الإلكتروني وحماية البنية التحتية.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* حساب لم يُغلق بعدبعد ربع قرن، تكشف الأرقام أن الأثر الاقتصادي الأكبر لهجمات 11 سبتمبر لم يقع في ذلك الصباح نفسه، بل نتج عن القرارات والسياسات التي اتخذت في السنوات التالية، فالخسائر المباشرة في نيويورك بلغت عشرات المليارات، لكن الرد الأميركي عليها خلق التزامات تقاس بالتريليونات. وبين حروب ما بعد 11 سبتمبر التي تجاوزت تكلفتها وارتباطاتها المستقبلية 8 تريليونات دولار، ورعاية المحاربين القدامى التي قد تستمر في التصاعد حتى منتصف القرن، وبرامج الصحة والتعويضات الممولة حتى 2090، أصبحت التداعيات الاقتصادية للحدث عابرة للأجيال.بذلك، فإن التكلفة الاقتصادية الحقيقية لـ11 سبتمبر ليست رقماً تاريخياً يمكن إغلاق دفاتره في الذكرى الخامسة والعشرين. فالحدث الذي استمر ساعات أعاد تشكيل أولويات الإنفاق والأمن والسياسة الخارجية الأميركية لعقود، وما زالت أجزاء من فاتورته تُدفع اليوم، بينما ستتحمل أجيال لم تكن قد ولدت في 2001 جانباً من تكاليفه حتى النصف الثاني من هذا القرن.