حمدان بن محمد: لا يمكن لأي ظرف أن يثني دبي عن خططها التنموية

ولي عهد الإمارة يؤكد لـ«الشرق الأوسط» استئناف العمل في قطاعات مركزية تتصدرها السياحة والسفر

 الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)
الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)
TT

حمدان بن محمد: لا يمكن لأي ظرف أن يثني دبي عن خططها التنموية

 الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)
الشيخ حمدان بن محمد بن راشد (الشرق الأوسط)

تراهن مدينة دبي الإماراتية على نموذجها الاقتصادي في تجاوز الأزمات، وذلك بسبب عدد من العوامل التي أسهمت وتسهم في تحويل التحديات إلى فرص، حيث واجه العالم على مدى عقدين من الزمان، وبالتحديد منذ بداية الألفية وحتى العام الجاري (2020)، أربع أزمات اقتصادية ضربت جميع الدول، وتفاوت مدى تبعاتها بين دولة وأخرى، وقسمت روزنامة الوقت من بعدها إلى سنين عجاف وأخرى سمان.
وتمثلت تلك الأزمات الأربع في التباطؤ الاقتصادي العالمي في عام 2000 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في 2001، وأزمة الرهن العقاري الأميركي في 2008 (الأزمة المالية)، وانخفاض أسعار النفط في 2014 وصولاً إلى أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) في العام الجاري، ما تسبب بالتأثير في قطاعات حيوية عدة كالسياحة والتجارة والنقل والصناعة والتكنولوجيا والطاقة أيضاً، وغيرها من القطاعات الأخرى، كما تسببت في دخول دول أزمات مالية واقتصادية نتيجة تداعياتها.
وبما أن مدينة دبي الإماراتية تعتمد في اقتصادها على عدد كبير من القطاعات المتأثرة بالأزمات، فإنها استطاعت في كل أزمة تجاوز تداعياتها، وزاد من ذلك كان لها في كل أزمة الإعلان عن مشاريع جوهرية في البنية التحتية في الإمارة المطلة على الخليج العربي.
ويتجلى ذلك في إعلان دبي عن مدينة للإعلام في عام 2000، فيما شهد عاما 2009 و2010 وكانا في منتصف أزمة الرهن العقاري الإعلان عن مترو دبي وبرج خليفة، وفي عام 2016 الذي كان يشهد انخفاض أسعار النفط ما تسبب في تباطؤ اقتصادي، دشنت القناة المائية، وخلال العام الجاري أعلنت عن متحف المستقبل إحدى الأيقونات المعمارية في الإمارة.
- التعامل بكفاءة
قال الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، إن القدرة على تجاوز الأزمات تستلزم التعامل معها بكفاءة عالية ومهارة، واستخلاص الدروس والعِبَر التي تعين على تفادي تداعيات مثل تلك الأزمات مستقبلاً، وكذلك القدرة على وضع السيناريوهات المختلفة وإعداد الخطط التي تتناسب مع كل منها.
وأضاف: «من خلال مقاربات يمكن معها رصد كل الاحتمالات وصياغة الاستراتيجيات التي تتناسب مع كل حالة على حدة، وبما يضمن استمرار تحقيق الأهداف الأساسية لخطط التنمية وإيجاد البدائل التي تكفل تنفيذها في كل الظروف، بما لا يحجب التطلعات التنموية ولا يتسبب في تأخير خطواتها»، مشيراً إلى أن هذا هو النهج الذي تنهجه إمارة دبي في مسيرة التطوير والبناء على مختلف الأصعدة وضمن كل القطاعات.
ونوّه في حديث إلى «الشرق الأوسط»، بأن الاستعداد الجيد للمستقبل بكل ما يحمله من فرص وكذلك كل ما قد يأتي به من تحديات هو من أهم ضمانات النجاح في تفادي أي تطورات قد تؤثر على عملية التنمية، وأن الاستثمار في البنية التحتية عالية الجودة والطاقات البشرية من ذوي الكفاءة يُعدُّ من أبرز مقومات الاستعداد للمستقبل؛ وهو ما تنبهت له دبي منذ وقت مبكر، وكانت البدايات مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - رحمه الله - إذ بدأ مشاريع البنية التحتية الضخمة في دبي الحديثة بتأسيس مطارها الدولي وإنشاء ميناء أصبح اليوم أحد أهم موانئ العالم وهو «ميناء جبل علي»، كذلك مشروع توسعة الخور الذي كان بمثابة البداية الحقيقية لانطلاقة دبي الاقتصادية.
- قدرة دبي
أرجع ولي عهد دبي قدرتها على تجاوز الأزمات الاقتصادية، وهو ما أثبتته في مناسبات مختلفة، إلى مجموعة من الأسباب في مقدمتها بنيتها التحتية التي تُصنَّف بين الأفضل في العالم، سواء في مجال التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات، وكذلك المرافئ الجوية والبحرية، فضلاً عن امتلاكها شبكة من أفضل شبكات الطرق في العالم، كذلك يعد أسلوب إدارة دبي كمؤسسة كبرى من أهم عوامل نجاحها، إذ تعتمد في عمليات التنمية على ترسيخ الشراكة مع القطاع الخاص وتهيئة المناخ الداعم له والجاذب للاستثمارات والمهارات والعقول والأفكار المبدعة، والممكِّن للشركات الصغيرة لتنمو أعمالها وتزدهر.
وقال: «ذلك يتضح في عدة صفقات مليارية استحوذت فيها شركات عالمية على أخرى صغيرة ومتوسطة نشأت وتأسست في دبي وحققت نجاحات لفتت أنظار مؤسسات عالمية كبرى حرصت على الاستفادة من قدراتها بصفقات استحواذ برهنت مستوى التميز الذي وصلت إليه تلك الشركات في دبي».
وأكد أن حكومة الإمارة تقف بكل قوة إلى جانب القطاع الخاص في كل الأوقات، وتعمل على تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية الداعمة لازدهار أنشطته، ولا تتردد في اتخاذ الخطوات التي تمكنه من تجاوز أي صعوبات، وهو ما ظهر جلياً من خلال حزم الدعم الاقتصادي التي قدمتها الحكومة بتوجيهات مباشرة من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لعدد من القطاعات الاقتصادية المتأثرة بتداعيات جائحة «كوفيد - 19»، التي بلغت في مجملها 6.8 مليار درهم (1.8 مليار دولار)، بهدف تخفيف الأعباء المالية ومعاونة الشركات على تجاوز هذا الوضع الاستثنائي الذي أثر على اقتصادات العالم أجمع.
- الصعوبات في باطنها الفرص
أوضح الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم أن دبي وحكومتها تؤمن أن الأزمات، رغم ما تجلبه من صعوبات، وقال: «إلا أنها وبالإرادة والتفكير الإيجابي المبدع، يمكن أن نكتشف في باطنها الفرص، وربما كانت الأزمة العالمية الأخيرة خير دليل، حيث شهد العالم ازدهاراً كبيراً لأنشطة التجارة الإلكترونية التي صاحبت فترات الإغلاق والتدابير الاحترازية التي فرضتها أغلب دول العالم في ذروة الأزمة، كذلك نجد أن هناك أنشطة إنتاجية كذلك مرّت بطفرات أداء ضخمة غير مسبوقة، ومثال على ذلك شركات إنتاج الكمامات والمعقمات والتجهيزات الطبية والوقائية، وغيرها من الصناعات التي زاد عليها الطلب بصورة لم يكن يتصورها أحد».
وتابع: «في إطار طرح الأفكار المبتكرة، أطلقت دبي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي (برنامج العمل الافتراضي) لتمكين المهنيين الأجانب الذين يعملون عن بُعد، للإقامة فيها مع الاستمرار في القيام بمهام عملهم مع الشركات التي ينتمون إليها وتقع مقارها خارج البلاد».
وقال ولي عهد دبي إن أسلوب عمل حكومة الإمارة، بعيداً عن الأزمات وفي كل الأوقات، يتميز بالمراجعة المستمرة لمشاريعها وتوفيق أوضاعها بما يتناسب مع متطلبات كل مرحلة، إلا أن كل المشاريع التنموية تسير وفق المخطط لها، حيث اطلع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي نهاية شهر أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، على جملة من المشاريع تنفذها بلدية دبي بإجمالي 6.6 مليارات درهم (1.7 مليار دولار)، ومن أهمها تشييد أحد أكبر مراكز معالجة النفايات في العالم وإنتاج الطاقة الكهربائية بتكلفة تناهز 4 مليارات درهم، ومن المتوقع الانتهاء من المشروع بالكامل في عام 2024 بطاقة تصل إلى 200 غيغاواط من الكهرباء سنوياً، وذلك ضمن المشاريع الداعمة للتنمية المستدامة في دبي، فضلاً عن مواصلة تنفيذ مشاريع البنية التحتية في دبي ضمن مختلف القطاعات الحيوية مثل الطرق والمواصلات والكهرباء والطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، إذ يستحوذ قطاع البنية التحتية وتطويرها المستمر على نسبة قدرها 46 في المائة من الإنفاق الإجمالي للإمارة، ما يدلل على حرص حكومة الإمارة على التعامل بكل جدية مع متطلبات الاستعداد للمستقبل».
وأضاف: «تمضي الإمارة في استكمال تنفيذ (استراتيجية دبي للمعاملات اللاورقية) للتحول الرقمي بالكامل إلى البيئة الذكية التي قطعت فيها دبي شوطاً كبيراً، ما مكّنها من مواصلة العمل دون تأثر خلال فترة تحديد الحركة في دبي إبان بدايات أزمة (كوفيد - 19) حيث لم تتأثر الخدمات والأعمال جراء الإجراءات الوقائية، وذلك بفضل البنية التحتية التكنولوجية القوية التي ساعدت في استمرارية الأعمال من خارج مقار العمل في كل أنحاء دبي».
- طموح المستقبل
شدد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم على أنه لا يمكن لأي تحديات مهما كان حجمها أن تحول دون تحقيق دبي رؤيتها وطموحاتها للمستقبل، ولا يمكن لأي ظروف أن تثنيها عن خططها التنموية وما تنفذه من مشروعات تهدف من خلالها الإمارة أولاً وأخيراً لخدمة مجتمعها وضمان سعادة أفراده وتعزيز مكانتها كوجهة مفضلة للمال والأعمال والسياحة ومركز محوري للتجارة العالمية، ونقطة وصل رئيسية تربط أطراف العالم بعضها ببعض.
وأكد أن الظرف الذي يمر به العالم رغم تعقيده يظل استثنائياً، فيما بدأت دبي بالفعل استئناف العمل ضمن قطاعات مركزية بالغة الأهمية وفي مقدمتها قطاع السفر والسياحة، وباتخاذ كل التدابير الوقائية التي تكفل حماية الجميع؛ سواء أهل الإمارة أو الضيوف القادمين إليها من الخارج، مشيراً إلى أن الإمارات بصورة عامة تتخذ إجراءات سريعة للتعامل مع الموقف العالمي بكل كفاءة، وكان أقربها قرار تشكيل «اللجنة الوطنية لإدارة وحوكمة مرحلة التعافي من أزمة جائحة (كوفيد - 19)».



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.