بكين تهنئ الرئيس المنتخب رغم تأزم علاقتها بواشنطن

الإدارة الأميركية الجديدة ستشدد موقفها من الانتهاكات الحقوقية... و«المناخ» ملف تعاون محتمل

المتحدث باسم الخارجية الصينية هنّأ بايدن أمس على فوزه في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)
المتحدث باسم الخارجية الصينية هنّأ بايدن أمس على فوزه في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)
TT

بكين تهنئ الرئيس المنتخب رغم تأزم علاقتها بواشنطن

المتحدث باسم الخارجية الصينية هنّأ بايدن أمس على فوزه في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)
المتحدث باسم الخارجية الصينية هنّأ بايدن أمس على فوزه في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)

أرسل الرئيس الصيني شي جينبينغ رسالة تهنئة للرئيس المنتخب جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، أمس الجمعة، بعد يومين من طمأنة بايدن كلا من سيول وطوكيو بشأن التزامات بلاده الدفاعية.
وقال الناطق باسم الخارجية الصينية، وانغ ونبين، في مؤتمر صحافي: «نحترم خيار الشعب الأميركي ونعرب عن تهانينا للسيد بايدن والسيدة هاريس». وأشار وانغ إلى أن الصين تدرك أن «نتيجة الانتخابات الأميركية ستحدد بناء على القواعد والإجراءات في الولايات المتحدة».
وكانت الصين قد امتنعت عن التعليق على فوز بايدن بعد أن أعلنت وسائل إعلام أميركية كبرى نهاية الأسبوع الماضي فوزه في انتخابات الرئاسة على الرئيس الحالي دونالد ترمب. وأبدت الصين حذرا كبيرا في إصدار التهنئة بشكل رسمي نظرا أن الرئيس ترمب لم يعترف بالهزيمة، وطعنت حملته في نتائج عدة ولايات. وتغيرت حسابات بكين مع التطورات الجديدة التي أشارت إلى فوز بايدن في ولاية أريزونا أمس، بما يضمن له 290 صوتا في المجمع الانتخابي.
وأوضح شين دينغلي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فودان في شنغهاي، أنه يتوجب على الصين توجيه التهنئة للرئيس الأميركي المنتخب. وقال: «إذا فاز بايدن في النهاية ولم نهنئه، فهذا يضر بمصالحنا»، مشيرا إلى أن التهنئة صدرت في أعقاب فوز بايدن بأصوات ولاية أريزونا، بما يضعف فرص نجاح ترمب في قلب النتائج الانتخابية لصالحه.
يشار إلى الرئيس الصيني هنأ ترمب، قبل أربع سنوات، في غضون يوم واحد من إعلان فوزه في انتخابات 2016. وقال شي آنذاك في رسالة التهنئة: «إنني أولي أهمية كبيرة للعلاقات الصينية - الأميركية، وأتطلع إلى العمل معكم».

توتر مستمر
ورغم تهنئة بكين، يستبعد مراقبون أن تشهد العلاقات الأميركية - الصينية تحسنا كبيرا في الفترة المقبلة. إذ شهدت سنوات ترمب الأربع في البيت الأبيض حربا تجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر، بينما انخرطت بكين وواشنطن في سجالات بشأن وباء «كوفيد - 19»، وسجل الصين المرتبط بانتهاك حقوق الإنسان في شينجيانغ وهونغ كونغ.
واعتبر وزير المالية الصيني السابق لو جيوي، أمس الجمعة، أن الخلافات التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد لا تتراجع في المدى القريب، مشيرا إلى أنه «حتى بمجيء إدارة بايدن، فإن قمع الولايات المتحدة للصين سيكون حتميًا». وقال الوزير الصيني: «لا بد من العودة إلى البراغماتية في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فمن الصعب على واشنطن خفض عجزها التجاري، نظرًا لموقع الدولار كعملة عالمية مهيمنة». وأضاف أنه «بعد أربع سنوات، لا يزال العجز التجاري (مع الصين) يتسع. نحن بحاجة إلى العودة إلى الفطرة السليمة والعودة إلى العلم».
وفي دليل على اشتداد التوتر بين الدولتين، أصدر الرئيس ترمب أول من أمس (الخميس) أمرا بمنع الاستثمار الأميركي في الشركات الصينية التي تقول واشنطن إنها مملوكة أو خاضعة لسيطرة الجيش الصيني. وقال ترمب في مرسوم إن هذا الحظر سيطبق اعتبارا من 11 يناير (كانون الثاني) المقبل، أي قبل تسعة أيام من مغادرته البيت الأبيض ووصول سلفه جو بايدن. وأمهل الأميركيون الذين لديهم مساهمات أو مصالح مالية أخرى في مجموعات مدرجة على لائحة تضم 31 شركة، حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 للتنازل عنها.
وردا على هذا الإجراء، اتهمت الصين واشنطن «باستغلال سلطة الدولة لمهاجمة الشركات الصينية بشكل تعسفي».
ومنذ عام 2018، غرقت العلاقات الأميركية - الصينية في سلسلة توترات تجارية، حيث طالب ترمب بكين بإجراء إصلاحات هيكلية شاملة لفتح أسواقها، وشراء المزيد من السلع والمعدات من الولايات المتحدة، وتبادل البلدان فرض تعريفات جمركية أثرت على سلع بمليارات الدولارات، مما تسبب في صدمة شديدة لسلاسل التوريد العالمية. كما دعا ترمب إلى تغيير كيفية تصنيف منظمة التجارة العالمية للبلدان النامية، وشكا من أن دولًا مثل الصين قد استفادت بشكل غير عادل من وضعها كاقتصادات نامية بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية التي تسمح لها بالحفاظ على تعريفات جمركية أعلى وحواجز تجارية أخرى.
واستمرت التوترات مع سعي الإدارة الأميركية إلى تقييد نشاط شركات صينية عملاقة مثل هواوي على خلفية مخاوف متعلق بالأمن القومي، إضافة إلى اتهام بكين بنشر وباء «كوفيد - 19» الذي وصفه ترمب مرارا بـ«الفيروس الصيني».

انتقادات حقوقية وسياسية
يتوقع المحللون أن تركز إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن على انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الإيغور، وهم أقلية مسلمة في منطقة شينجيانغ بالصين، كما ستمثل سياسات بكين تجاه هونغ كونغ تحديًا فوريًا لبايدن، خاصةً بعد أن أطاحت بكين بأربعة نواب في الحكومة المحلية للمدينة التي تتمتع بحكم شبه ذاتي. واستمرت في فرض القانون الجديد للأمن القومي في هونغ كونغ الذي أقرته في الصيف الماضي واستخدمته في ترويع المعارضة واعتقال المتظاهرين.ويتوقع الخبراء أن تكون إدارة بايدن أكثر صراحة بشأن ملف حقوق الإنسان في الصين، كما أنها ستواصل نهج إدارة ترمب في التنديد بقمع الحريات في هونغ كونغ.
قد أبدى بايدن بالفعل استعداده لمواجهة الصين، وفي مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الياباني، تعهد بالتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن جزر سينكاكو، وهي أرخبيل صخري تحت السيطرة اليابانية تطالب به بكين.
في المقابل، لفت خبراء إلى أن واشنطن وبكين قد تتعاونان في ملف مكافحة تغير المناخ، مع التزام بايدن بالانضمام إلى اتفاقية باريس التي تهدف إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية من جديد. ويقول غافين تومسون، نائب رئيس مجلس إدارة شركة «وود ماكينزي» للطاقة في آسيا والمحيط الهادي، إن خطة المناخ التي وضعها الرئيس المنتخب جو بايدن سيكون من الصعب تحقيقها بدون الصين. وقال «سيكون الاتفاق على الأهداف وقياس التقدم ومعاقبة عدم الامتثال، أكثر قابلية للتحقيق من خلال التعاون متعدد الأطراف. والصين دورها بالغ الأهمية، ليس فقط من حيث السياسة المحلية ولكن أيضًا القدرة على المساعدة في تحريك البلدان الأخرى نحو التغيير».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».