فرنسا تستعيد ذكرى «مقتلة» 13 نوفمبر 2015

أعلنت القضاء على قائد رئيسي لـ«القاعدة» في مالي

أكاليل من الورود ودقيقة صمت وسط باريس أمس في الذكرى الخامسة  لأسوأ هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية في تاريخها (إ.ب.أ)
أكاليل من الورود ودقيقة صمت وسط باريس أمس في الذكرى الخامسة لأسوأ هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية في تاريخها (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تستعيد ذكرى «مقتلة» 13 نوفمبر 2015

أكاليل من الورود ودقيقة صمت وسط باريس أمس في الذكرى الخامسة  لأسوأ هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية في تاريخها (إ.ب.أ)
أكاليل من الورود ودقيقة صمت وسط باريس أمس في الذكرى الخامسة لأسوأ هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية في تاريخها (إ.ب.أ)

مرة أخرى، يعود شبح الإرهاب ليخيم على الفرنسيين. فبعد الهجمات الثلاث التي ضربت فرنسا خلال شهر واحد، وأعادت إلى الأذهان أن التهديد الإرهابي لم ينحسر، جاءت ذكرى المقتلة التي ضربت باريس وسين سان دوني (ضاحيتها الجنوبية) في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015 لتنعش ذاكرة من نسى أو تناسى أن 240 قتيلاً سقطوا بين عام 2015 ونهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إضافة إلى عدة آلاف من الجرحى سقطوا في العمليات الإرهابية. ومن بينها جميعا، تبدو تلك التي ضربت باريس مساء 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 الأكثر إيلاماً، إذ إنها استهدفت في وقت واحد، ووفق تخطيط منسق، مسرح الباتاكلان و3 مطاعم ومقاهي في الدائرتين الـ11 والـ12، إضافة إلى ملعب فرنسا الكبير الواقع على مدخل باريس الشمالي. وجاءت الحصيلة مفزعة، إذ قتل 130 شخصاً، وهي أعلى محصلة لقتلى في زمن السلم. لكن منذ ذلك التاريخ، تغير الخطاب الرسمي الفرنسي، ودأب كبار المسؤولين على تأكيد أن بلادهم «في حالة حرب»، ليرسوا اليوم على القول الصريح إنها «في حالة حرب ضد الإسلام السياسي و(الانفصالية الإسلاموية) والفكر الراديكالي المتطرف».
وفي هذا السياق، أعلن جيرالد دارمانان، وزير الداخلية وشؤون العبادة، أن مستوى التهديد الإرهابي «في حده الأقصى». وميز المسؤول الفرنسي بين الإرهاب «الآتي من وراء الحدود»، وأبرز عملياته مؤخراً ما قام به التونسي إبراهيم العيسوي في كنيسة نوتردام، في مدينة نيس الساحلية، صباح السادس عشر من الشهر الماضي. وكان العيساوي قد وصل إلى نيس من إيطاليا التي حط فيها في إطار هجرة جماعية غير شرعية انطلقت من الشاطئ التونسي. أما الإرهاب الآخر، فهو «المحلي» الذي يصف دارمانان القائمين به بـ«أعداء الداخل»، كالذي ضرب باريس على يدي مهاجر باكستاني استهدف المكاتب القديمة لصحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، أو تلك العملية التي نفذها شاب روسي الجنسية شيشاني الأصل في مدينة كونفلان سانت هونورين، حيث ذبح مدرس مادة التاريخ، وفصل رأسه عن جسده، ما يذكر بـ«مآثر داعش».
وثمة فروق واضحة بين إرهاب الأمس وإرهاب اليوم في فرنسا. والسبب الأول لذلك أن التنظيمين الإرهابيين الرئيسيين «داعش» و«القاعدة» اللذين كانا يحركان خيوطه من الخارج تلقيا ضربات موجعة، ولم يعودا قادرين على التحضير لعمليات معقدة، تتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين مجموعات متحركة، وتمويلاً وقدرات على توفير السلاح، وإيجاد مآو للمنفذين، كما حصل في خريف عام 2015. وترى الأجهزة الأمنية أن إرهاب اليوم عاد ليصبح «بدائياً»، أكان على علاقة بالخارج أم بفعل من يسمى «الذئاب المتوحدة» أو «المنفردة»، والدليل نوع السلاح المستخدم الذي يتأرجح بين الساطور والسكين أو الدهس بسيارة.
ورغم مرور 5 سنوات على العمليات الإرهابية الكبرى، لم تبدأ محاكمات الأشخاص المرتبطين بها بعد، وينتظر أن تنطلق في ربيع العام المقبل. وما زالت المحكمة المتخصصة بشؤون الإرهاب ماضية في محاكمة الأشخاص الذين كانوا على علاقة بالعمليات الإرهابية التي حصلت بداية عام 2015، وقد انطلقت أعمالها بداية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
وكانت «شارلي إيبدو» قد واكبت انطلاق المحاكمة بإعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد التي كان نشرها في المرة الأولى السبب في استهداف طاقمها بداية شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2015 على أيدي الأخوين كواشي اللذين قضيا بالنار على غالبية أفرادها من صحافيين ورسامين كاريكاتوريين. وبعدها بأيام قليلة، شهدت باريس أكبر مسيرة شارك فيها كبار قادة العالم تضامناً مع فرنسا، ودعماً لحرية التعبير.
وبعد نيس، أمر الرئيس إيمانويل ماكرون برفع مستوى التأهب الأمني إلى حده الأقصى، وطلب من قيادة الجيش فصل 7 آلاف جندي لمد يد العون لقوى الأمن من شرطة ودرك من أجل توفير الحراسة للمدارس وأماكن العبادة والمواقع الحساسة. وتنشط الرئاسة والحكومة على مختلف الصعد المحلية والأوروبية، أمنياً وسياسياً وتشريعياً ودبلوماسياً، من أجل توفير الحماية للمواطنين، فيما يواصل اليمين واليمين المتطرف استهداف السلطات المتهمة بـ«التقصير» أو بـ«السذاجة» في التعامل مع ظاهرة الإرهاب.
وفي ظل هذه الأجزاء المتشنجة، المعطوفة على الحجر المفروض على الفرنسيين بسبب وباء «كوفيد-19»، جاء إحياء ذكرى ضحايا اعتداءات خريف عام 2015 من غير جمهور. ومثل الدولة رئيس الحكومة جان كاستيكس، كما مثلت باريس رئيسة بلديتها آن هيدالغو. وقد جال الاثنان على المواقع التي كانت مسرحاً للعمليات الإرهابية مساء 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، بدءاً بمسرح الباتاكلان، وصولاً إلى ملعب فرنسا الكبير في ضاحية سين سان دوني، وأخيراً إلى شرفات المقاهي الثلاثة، حيث وضعت أكاليل الزهور، والتزم المشاركون دقيقة صمت. وحصل «أكبر» تجمع، رغم الحجر، في محيط مسرح الباتاكلان الذي أحاط به عدد كبير من أفراد الشرطة، وتمت قراءة أسماء الضحايا في غياب أقاربهم. وبعد التكريم الرسمي، باشر ممثلو الأحزاب بدورهم التجوال على المواقع المذكورة، وأمرت بلدية باريس بإطفاء أضواء برج إيفل في الساعة الثامنة.
وكما في كل مناسبة من هذا النوع، تتكاثر التصريحات والتعليقات. فالرئيس السابق فرنسوا هولاند الذي كان رئيساً للجمهورية يوم وقع هذه الأحداث، عد أمس أن «الحرب على أرضنا لم تنته»، فيما اعتبر وزير الخارجية جان إيف لو دريان أن الإرهابيين «يستهدفون رموز الجمهورية وقيمنا التي يتعين علينا حمايتها، الأمر الذي يتطلب منا صرامة كبيرة» في التعامل.
وفي هذا السياق، أعلن دارمانان أن وزراته رحلت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي 48 شخصاً من الذين يعدون تهديداً للسلامة العامة، وهي تأمل بترحيل 231 شخصاً.
وبالتوازي، وفي إطار العمليات التي تقوم بها قوة «برخان» الفرنسية في مالي، أعلنت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي، أمس، أن القوات الفرنسية قتلت باه أغ موسى، القائد العسكري بتنظيم القاعدة في شمال أفريقيا، خلال عملية في شمال شرقي مالي. وكان موسى، وهو كولونيل سابق في جيش مالي، يعرف أيضاً باسم با موسى ديارا، الذراع اليمنى لإياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تعد أهم الجماعات المتشددة في مالي، والتي نفذت هجمات متكررة استهدفت مدنيين وجنوداً في مالي وبوركينا فاسو.
وقالت بارلي، في بيان: «باه أغ موسى رمز تاريخي في الحركة المتشددة بمنطقة الساحل، ويعد مسؤولاً عن عدة هجمات ضد القوات المالية والدولية». وقُتل موسى، المدرج في القائمة الأميركية للإرهاب، يوم الثلاثاء، في عملية شاركت فيها قوات برية وطائرات هليكوبتر. ووصفت بارلي العملية بأنها «نجاح كبير في الحرب على الإرهاب».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.