مرة أخرى، يعود شبح الإرهاب ليخيم على الفرنسيين. فبعد الهجمات الثلاث التي ضربت فرنسا خلال شهر واحد، وأعادت إلى الأذهان أن التهديد الإرهابي لم ينحسر، جاءت ذكرى المقتلة التي ضربت باريس وسين سان دوني (ضاحيتها الجنوبية) في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015 لتنعش ذاكرة من نسى أو تناسى أن 240 قتيلاً سقطوا بين عام 2015 ونهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إضافة إلى عدة آلاف من الجرحى سقطوا في العمليات الإرهابية. ومن بينها جميعا، تبدو تلك التي ضربت باريس مساء 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 الأكثر إيلاماً، إذ إنها استهدفت في وقت واحد، ووفق تخطيط منسق، مسرح الباتاكلان و3 مطاعم ومقاهي في الدائرتين الـ11 والـ12، إضافة إلى ملعب فرنسا الكبير الواقع على مدخل باريس الشمالي. وجاءت الحصيلة مفزعة، إذ قتل 130 شخصاً، وهي أعلى محصلة لقتلى في زمن السلم. لكن منذ ذلك التاريخ، تغير الخطاب الرسمي الفرنسي، ودأب كبار المسؤولين على تأكيد أن بلادهم «في حالة حرب»، ليرسوا اليوم على القول الصريح إنها «في حالة حرب ضد الإسلام السياسي و(الانفصالية الإسلاموية) والفكر الراديكالي المتطرف».
وفي هذا السياق، أعلن جيرالد دارمانان، وزير الداخلية وشؤون العبادة، أن مستوى التهديد الإرهابي «في حده الأقصى». وميز المسؤول الفرنسي بين الإرهاب «الآتي من وراء الحدود»، وأبرز عملياته مؤخراً ما قام به التونسي إبراهيم العيسوي في كنيسة نوتردام، في مدينة نيس الساحلية، صباح السادس عشر من الشهر الماضي. وكان العيساوي قد وصل إلى نيس من إيطاليا التي حط فيها في إطار هجرة جماعية غير شرعية انطلقت من الشاطئ التونسي. أما الإرهاب الآخر، فهو «المحلي» الذي يصف دارمانان القائمين به بـ«أعداء الداخل»، كالذي ضرب باريس على يدي مهاجر باكستاني استهدف المكاتب القديمة لصحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، أو تلك العملية التي نفذها شاب روسي الجنسية شيشاني الأصل في مدينة كونفلان سانت هونورين، حيث ذبح مدرس مادة التاريخ، وفصل رأسه عن جسده، ما يذكر بـ«مآثر داعش».
وثمة فروق واضحة بين إرهاب الأمس وإرهاب اليوم في فرنسا. والسبب الأول لذلك أن التنظيمين الإرهابيين الرئيسيين «داعش» و«القاعدة» اللذين كانا يحركان خيوطه من الخارج تلقيا ضربات موجعة، ولم يعودا قادرين على التحضير لعمليات معقدة، تتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين مجموعات متحركة، وتمويلاً وقدرات على توفير السلاح، وإيجاد مآو للمنفذين، كما حصل في خريف عام 2015. وترى الأجهزة الأمنية أن إرهاب اليوم عاد ليصبح «بدائياً»، أكان على علاقة بالخارج أم بفعل من يسمى «الذئاب المتوحدة» أو «المنفردة»، والدليل نوع السلاح المستخدم الذي يتأرجح بين الساطور والسكين أو الدهس بسيارة.
ورغم مرور 5 سنوات على العمليات الإرهابية الكبرى، لم تبدأ محاكمات الأشخاص المرتبطين بها بعد، وينتظر أن تنطلق في ربيع العام المقبل. وما زالت المحكمة المتخصصة بشؤون الإرهاب ماضية في محاكمة الأشخاص الذين كانوا على علاقة بالعمليات الإرهابية التي حصلت بداية عام 2015، وقد انطلقت أعمالها بداية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
وكانت «شارلي إيبدو» قد واكبت انطلاق المحاكمة بإعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد التي كان نشرها في المرة الأولى السبب في استهداف طاقمها بداية شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2015 على أيدي الأخوين كواشي اللذين قضيا بالنار على غالبية أفرادها من صحافيين ورسامين كاريكاتوريين. وبعدها بأيام قليلة، شهدت باريس أكبر مسيرة شارك فيها كبار قادة العالم تضامناً مع فرنسا، ودعماً لحرية التعبير.
وبعد نيس، أمر الرئيس إيمانويل ماكرون برفع مستوى التأهب الأمني إلى حده الأقصى، وطلب من قيادة الجيش فصل 7 آلاف جندي لمد يد العون لقوى الأمن من شرطة ودرك من أجل توفير الحراسة للمدارس وأماكن العبادة والمواقع الحساسة. وتنشط الرئاسة والحكومة على مختلف الصعد المحلية والأوروبية، أمنياً وسياسياً وتشريعياً ودبلوماسياً، من أجل توفير الحماية للمواطنين، فيما يواصل اليمين واليمين المتطرف استهداف السلطات المتهمة بـ«التقصير» أو بـ«السذاجة» في التعامل مع ظاهرة الإرهاب.
وفي ظل هذه الأجزاء المتشنجة، المعطوفة على الحجر المفروض على الفرنسيين بسبب وباء «كوفيد-19»، جاء إحياء ذكرى ضحايا اعتداءات خريف عام 2015 من غير جمهور. ومثل الدولة رئيس الحكومة جان كاستيكس، كما مثلت باريس رئيسة بلديتها آن هيدالغو. وقد جال الاثنان على المواقع التي كانت مسرحاً للعمليات الإرهابية مساء 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، بدءاً بمسرح الباتاكلان، وصولاً إلى ملعب فرنسا الكبير في ضاحية سين سان دوني، وأخيراً إلى شرفات المقاهي الثلاثة، حيث وضعت أكاليل الزهور، والتزم المشاركون دقيقة صمت. وحصل «أكبر» تجمع، رغم الحجر، في محيط مسرح الباتاكلان الذي أحاط به عدد كبير من أفراد الشرطة، وتمت قراءة أسماء الضحايا في غياب أقاربهم. وبعد التكريم الرسمي، باشر ممثلو الأحزاب بدورهم التجوال على المواقع المذكورة، وأمرت بلدية باريس بإطفاء أضواء برج إيفل في الساعة الثامنة.
وكما في كل مناسبة من هذا النوع، تتكاثر التصريحات والتعليقات. فالرئيس السابق فرنسوا هولاند الذي كان رئيساً للجمهورية يوم وقع هذه الأحداث، عد أمس أن «الحرب على أرضنا لم تنته»، فيما اعتبر وزير الخارجية جان إيف لو دريان أن الإرهابيين «يستهدفون رموز الجمهورية وقيمنا التي يتعين علينا حمايتها، الأمر الذي يتطلب منا صرامة كبيرة» في التعامل.
وفي هذا السياق، أعلن دارمانان أن وزراته رحلت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي 48 شخصاً من الذين يعدون تهديداً للسلامة العامة، وهي تأمل بترحيل 231 شخصاً.
وبالتوازي، وفي إطار العمليات التي تقوم بها قوة «برخان» الفرنسية في مالي، أعلنت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي، أمس، أن القوات الفرنسية قتلت باه أغ موسى، القائد العسكري بتنظيم القاعدة في شمال أفريقيا، خلال عملية في شمال شرقي مالي. وكان موسى، وهو كولونيل سابق في جيش مالي، يعرف أيضاً باسم با موسى ديارا، الذراع اليمنى لإياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تعد أهم الجماعات المتشددة في مالي، والتي نفذت هجمات متكررة استهدفت مدنيين وجنوداً في مالي وبوركينا فاسو.
وقالت بارلي، في بيان: «باه أغ موسى رمز تاريخي في الحركة المتشددة بمنطقة الساحل، ويعد مسؤولاً عن عدة هجمات ضد القوات المالية والدولية». وقُتل موسى، المدرج في القائمة الأميركية للإرهاب، يوم الثلاثاء، في عملية شاركت فيها قوات برية وطائرات هليكوبتر. ووصفت بارلي العملية بأنها «نجاح كبير في الحرب على الإرهاب».
فرنسا تستعيد ذكرى «مقتلة» 13 نوفمبر 2015
أعلنت القضاء على قائد رئيسي لـ«القاعدة» في مالي
أكاليل من الورود ودقيقة صمت وسط باريس أمس في الذكرى الخامسة لأسوأ هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية في تاريخها (إ.ب.أ)
فرنسا تستعيد ذكرى «مقتلة» 13 نوفمبر 2015
أكاليل من الورود ودقيقة صمت وسط باريس أمس في الذكرى الخامسة لأسوأ هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية في تاريخها (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




