لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

حرب «كسر العظم» بين أديس أبابا ومكيلي بلا نهاية قريبة

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار
TT

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

أطلق المستشرق الإيطالي كارلو كونتي روسّيني على إثيوبيا اسم «متحف الشعوب»، وذلك للتعدد والتنوع الكبير في سكان الدولة التي تتكون من نحو 100 جماعة عرقية وثقافية، تتكلّم حزمة من اللغات السامية والكوشية، أكبرها عدداً وأشهرها قوميات الأورومو والأمهرا والتيغراي، والصوماليون. ولقد تعايشت شعوب إثيوبيا لفترات طويلة ضمن الدولة «المغلقة» التي لا تملك حدوداً بحرية، متمتعة بحرية نسبية ضمن الدولة الاتحادية، بيد أن الأوضاع في أديس أبابا، والصراع السياسي، حوّل التنوع من «نعمة» إلى زناد قابل للاشتعال في أي لحظة، بين المجموعات المسيطرة الكبرى (الأورومو والأمهرا والتيغراي). في العام 1995 أقدمت حكومة «الجبهة الشعبية لتحرير إثيوبيا» على تقسيم إثيوبيا إلى 9 ولايات وفقاً للدستور الإثيوبي، هي العفر، والأمهرا، وبنو شنقول - قمز، وغامبيلا، وهرَر، وأوروميا، وصوماليا، والأمم الجنوبية، إضافة إلى مدينتي أديس أبابا (العاصمة) وديره داوا، المتمتعتين بوضع خاص ضمن الاتحاد الإثيوبي.
ونص الدستور الإثيوبي على حق الأمم والقوميات والشعوب في تقرير المصير وإدارة كل إثنية لشؤونها الداخلية، بما في ذلك اللغة والهوية الثقافية، مع ضمان حق الجماعات الإثنية في الانفصال عن الدولة، باعتباره «خياراً أخيراً» يُلجأ إليه حال فشل الدولة بمعالجة التمييز السياسي والاقتصادي، وأن يتحقق بشكل ديمقراطي بالتصويت في المجلس التشريعي القومي «البرلمان».
يحكم إثيوبيا تحالف سياسي باسم «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية»، تكون في العام 1991 من 4 أحزاب، هي «منظمة أورومو الديمقراطية الشعبية» و«حركة أمهرا الديمقراطية الوطنية» و«الحركة الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الجنوبية» و«جبهة تحرير الشعب التيغرايي». وكانت هذه المجموعات قبل تكوين التحالف عبارة عن جماعات متمردة ضد نظام الحكم ذي التوجه الماركسي المعروف بنظام «الدرغ» بقيادة الرئيس منغستو هيلا مريام، الذي ظل يحكم البلاد منذ 1974 عقب إسقاط حكم الإمبراطور هيلاسيلاسي، حتى أطاح به التحالف الجديد في عام تكوينه (1991)، وفي حينه دخل الثوار العاصمة أديس أبابا وفرّ منغستو خارج البلاد.
بسقوط حكم منغستو، شكّل التحالف الحاكم حكومة انتقالية ترأسها تامرات لايني، استمرت في السلطة حتى 22 أغسطس (آب) 1995. وبناءً على الدستور الجديد الذي كُتب عام 1994. تشكلت هيئة تشريعية من مجلسين ونظام القضائي، وشهدت البلاد بعدها أول انتخابات تعددية. في تلك الانتخابات فاز مرشح تحالف «الجبهة الديمقراطية للشعوب الإثيوبية» ملس زيناوي، وهو من قومية التيغراي رئيساً للوزراء، ونيقاسو جيدا رئيساً للدولة. وظل زيناوي في الحكم حتى وفاته 20 أغسطس 2012. وإثر وفاة زيناوي، أصبح نائب رئيس الوزراء هيلي مريم ديسالين في منصب رئيس الوزراء وظل في منصبه حتى انتخابه رئيساً للوزراء في انتخابات 2015.

تصدّع التحالف
يرجع عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، بداية تصدّع التحالف الحاكم في إثيوبيا إلى السنوات القليلة التي أعقبت دخول قوات التحالف إلى العاصمة أديس أبابا وهزيمة منغستو هيلامريام، فيقول: «بدأ الصراع بتململ قومية الأورومو مما أسموه (التهميش) داخل السلطة والتحالف الحاكم، إلا أنهم أضمروه حتى 2005، عندما اتهم فصيل (الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو) التحالف بالتلاعب بالانتخابات وانتزاع دائرتين انتخابيتين في أديس أبابا منهم، لكن رئيس الوزراء ملس زناوي أفلح في تهدئتهم».
ويستطرد أبو إدريس قائلاً: «إن الأورومو المهاجرين بقيادة جوهر محمد، دأبوا على ترديد نغمة التهميش، زاعمين أنهم يُمثِّلون 40 في المائة من مجموع السكان، ومع ذلك فنسبتهم في السلطة بحدود 6 في المائة فقط، بينما للتيغراي نسبة 25 في المائة من السلطة، مع أن عددهم لا يتجاوز 6 في المائة من جملة السكان». ويوضح أن «نغمة التهميش ظلت مع ذلك خافتة، حتى أنشأ زعيم الأورومو الشهير جوهر محمد إذاعة بلغة الأورومو تبث من الولايات المتحدة وتطرق بحدة قضية تهميشهم، ثم خرج الأمر للعلن أكثر بعد وفاة زيناوي».
وحقاً، صعّد الأورومو من الحملات ضد سيطرة التيغراي الممتدة منذ 1991، إلى أن توصل التحالف الحاكم إلى تسوية قضت بتعيين رئيس وزراء من غير قومية التيغراي، واختير تبعاً لذلك هيلا مريام ديسالين، الذي ينتمي لمجموعة «جبهة شعوب الجنوب»، بعد وفاة زيناوي، كي يسهل للتيغراي السيطرة عليه وكسب مجموعته حليفاً جديداً.

احتجاجات الأورومو
غير أن الأوضاع تعقّدت بإصدار الحكومة عام 2015 قرارات بمنح أراضٍ لمستثمرين في إقليم الأورومو وتوسيع مساحة العاصمة أديس أبابا الواقعة في الإقليم على حساب أراضي أوروميا جنوباً، ومنذ ذلك التاريخ بدأت سلسلة الاحتجاجات الشهيرة في عامي 2016 و2017 التي قادها جوهر محمد، وقمعتها حكومة ديسالين بعنف لافت.
ويرى أبو إدريس أن العنف الحكومي ضد الاحتجاجات، أدى إلى نشوء تحالف بين قوميتي الأورومو والأمهرا على الرغم من الخلافات العرقية بين المجموعتين. ومن ثم، مارس هذا التحالف ضغطاً عنيفاً على حكومة ديسالين، مستغلاً إدارته لملف الاحتجاجات الشعبية وقمعها بعنف، وفشله في تحقيق تنمية متوازنة فاضطر للاستقالة. ويضيف: «استقال ديسالين، واختير آبي أحمد (من الأورومو) رئيساً للوزراء بدعم من تحالف الأورومو والأمهرا بغالبية 75 في المائة من التحالف الحاكم، لكن التيغراي حجبوا عنه أصواتهم البالغة 25 في المائة، ومنذ ذلك الوقت حفظ الرجل – أو هكذا يقول المراقبون – رفضهم تأييده في بادئ الأمر».

آبي أحمد والتيغراي
وضع آبي أحمد خططاً اقتصادية إصلاحية لقيت ترحيباً كبيراً على مستوى العالم، لكنها ضربت مراكز «سيطرة التيغراي» في الأجهزة الأمنية والعسكرية إذ اعتبروها «قمعية تاريخياً ولا تؤمن بالديمقراطية». ومن ثم، اندلعت المواجهة بين أديس أبابا ومكيلي (عاصمة إقليم تيغراي)، بإقالة آبي لرئيس هيئة الأركان في الجيش الإثيوبي يونس أمورا، ومدير جهاز الأمن والاستخبارات، ومدير الشرطة، ومدير الشرطة الفيدرالية، وكلهم من التيغراي، وأتى برئيس هيئة أركان من الأمهرا، ومدير لجهاز الأمن من الأورومو. وأيضاً أقال مدير سد النهضة موجهاً ضربة كبيرة للتيغراي، ذلك أن الشركة الرئيسة التي كانت تستورد مواد إنشاء السد ذات علاقة بـ«الجبهة الشعبية لشعب تيغراي»، وهو ما اعتبره التيغراي استهدافاً مباشراً لهم. كذلك سارع آبي للمصالحة مع رئيس إرتيريا آسياس أفورقي العدو التاريخي للتيغراي، وهنا يشرح أن «أفورقي كان حليفاً للتيغراي، قبل أن ينقلب الحلف لعداء عقب الحرب الإثيوبية الإرتيرية 1998».
ونتيجة لذلك، شرع التيغراي في تنظيم أنفسهم داخلياً، وانكفأوا على إقليمهم منذ المصالحة الإثيوبية الإريترية، وشنوا هجوماً عنيفاً على رجال الصف الأول في أديس أبابا مثل سيوم مسيفين ومجموعته. وبعدما أعادوا ترتيب بيتهم الداخلي، أتوا بالمناضل والمحارب الشهير دبرصون ميكائيل رئيساً لـ«جبهة شعب تيغراي»، ثم حاكماً للإقليم.

أزمة تمديد ولاية آبي أحمد
جاءت الطامة الكبرى حين مدد البرلمان الفيدرالي ولاية آبي أحمد المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي تحت ذريعة «جائحة كوفيد - 19»، وهو ما اعتبره التيغراي إجراءً «غير دستوري وغير قانوني». وفي احتفال بذكرى تأسيس «جبهة شعب تيغراي» في عاصمة الإقليم مدينة مكيلي، استعاد الإقليم علمه القديم بديلاً لعلم إثيوبيا.
بينما أعلنت رئيسة البرلمان الاتحادي ثريا إبراهيم رفضها تأجيل الانتخابات، ووصفتها بأنها غير دستورية، وأعلنت زهدها في المشاركة في خرق الدستور، وقرّرت بعدها البقاء في تيغراي وعدم العودة لأديس أبابا مرة أخرى. وقرر برلمان الإقليم إجراء انتخاباته في أغسطس 2020. لكن لجنة الانتخابات المركزية رفضت الإشراف عليها والاعتراف بها، ورفضت الحكومة الاعتراف به، فردوا بالمثل بسحب الاعتراف بالحكومة المركزية في أديس أبابا، ووصفوها بأنها «فاقدة للشرعية». وبحسب أبو إدريس رداً على تلك الأحداث، أصدر رئيس الوزراء قراراً قضى بوقف التحويلات المالية لإقليم تيغراي، وأمر البنك المركزي الإثيوبي بوقف التحويلات لفروع البنوك في الإقليم، ثم اتخذ قراراً آخراً بتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بتسليم مناطق بادمي وزلمبسا لإريتريا، وهي تقع ضمن إقليم تيغراي.
رد التيغراي جاء بمنع الجنود المنسحبين من إقليمهم من تسليم أسلحتهم، والطلب منهم ترك كل العتاد العسكري خلفهم. ثم تصاعدت الأحداث تباعاً، وبلغت ذروتها بمنع قائد قوات القطاع الشمالي من الجيش الإثيوبي (برتبة فريق) من تسلم قيادة القوة وإلقاء القبض عليه. ثم هاجم التيغراي قوات القطاع الشمالي وسيطروا عليه ومعه الفرقة الخامسة مدرعة، التابعتين للجيش الاتحادي، وعلى النقاط الحدودية مع السودان «الحمرة، اللقدي».

حرب مكيلي وأديس أبابا
يوم 2 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، شنت القوات الإثيوبية الاتحادية مدعومة بقوات إقليم الأمهرا هجوماً على قوات التيغراي مستخدمة الطيران والمدفعية، فشن التيغراي هجوماً مضاداً على منطقة عبد الرافع التابعة لإقليم الأمهرا قرب الحدود السودانية، ظانين أنها «نقطة ضعيفة» لكن قوات الأمهرا تصدت لهم، فهدد التيغراي بالرد بصواريخ أرض - أرض، يبلغ مداها 300 ألف كيلومتر بحوزة قواتهم.
أبو إدريس يعتقد أن الجيش الإثيوبي لن يستطيع إلحاق الهزيمة بقوات التيغراي في منطقتهم الوعرة. ذلك أنه بجانب القوة الكبيرة التي يملكونها، والتي تبلغ 250 ألف مقاتل مدعومة بميليشيا التيغراي وقدامى المحاربين، تملك قواتهم خبرة وتمرساً كبيرين في القتال والحرب. وفي المقابل، لا تملك القوات الاتحادية معرفة كافية بتضاريس جغرافيا المنطقة، وبالتالي «يمكن للجيش الإثيوبي تنفيذ ضربات جوية، لكنه لن يستطيع فعل شيء على الأرض». أيضاً يوضح الخبير أن السودان وإريتريا بشكل خاص سيتأثران بالنزاع المسلح في إقليم تيغراي «إذ يمكن للتيغراي مهاجمة العاصمة الإريترية أسمرا، وفقاً لبيانهم بإعلان الحرب. ويسعى التيغراي الآن إلى تحييد الجيش الإريتري وشعب إريتريا. إذ قالوا إنهم يستهدفون الحزب الحاكم في إريتريا (أي الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) بقيادة آسياس أفورقي، وإذا حاول آسياس التدخل لصالح حليفه آبي أحمد فقد يتجه التيغراي لضرب إريتريا».
الخبير في شؤون القرن الأفريقي يحذر من تأثيرات أمنية للنزاع على السودان أيضاً، قائلاً: «المناطق الحدودية مضطربة أصلاً، وتنتشر فيها العصابات والميليشيات – على وجه الخصوص ميليشيا الشفتة المتفلتة – وتمارس فيها تجارة السلاح وتهريب البشر والاتجار في البشر والمخدرات... وبالتالي، قد يؤدي النزاع لتدفقات كبيرة من اللاجئين تتجه كلها نحو السودان».
أبو إدريس يعتبر ما أسماه بـ«مغامرة آبي أحمد» بمثابة انتحار سياسي للرجل، فـ«الخيارات تضيق عليه، وبرفضه وساطة الاتحاد الأفريقي ومجموعة دول إيغاد، يكون آبي أحمد قد فقد فرصة تسوية النزاع، بما يتيح له الاستمرار في الانتخابات وخلق تحالفات جديدة». ويتابع أن موقف آبي أحمد ضعيف، حتى بين قوميته الأورومو بسبب اعتقاله رموزها، وأشهرهم جوهر محمد، وممارسة عنف شديد عليهم من قبل السلطة المركزية. مستطرداً: «لم يترك آبي أحمد لنفسه خيارات غير الحرب، رغم خطورتها على مستقبله السياسي، وربما حياته... بل وضع مستقبل إثيوبيا نفسه على المحك»

سد النهضة
أخيراً، يستبعد أبو إدريس أن تؤثر الحرب على «سد النهضة» وذلك لبعده عن منطقة النزاع بنحو 650 كيلومتراً، إضافة إلى أنه ليس مشروع آبي أحمد، بل خطط له رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي الذي يعتبره التيغراي رمزاً كبيراً لهم. ويضيف: «لكن آبي أحمد سيتشدد أكثر في موضوع سد النهضة، وسيعمل على إكماله، ليكون مشروعه الذي يسعى لتوحيد الإثيوبيين خلفه، في حين لن يضرب التيغراي سد النهضة لأنه ليس مشروع آبي أحمد، بل مشروع إثيوبي قومي»، من ناحية أخرى، يُخشى من أن يؤدي النزاع في إقليم تيغراي إلى تجدد الصراع بين الأمهرا وتيغراي على السيادة على إثيوبيا، فالأمهرا يرون فيه فرصة تاريخية لاستعادة سلطتهم التي فقدوها منذ انتهى عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي، بينما يرى فيه التيغراي الفرصة لفرض منطقهم ونفوذهم بالقوة.

بانوراما قوميات إثيوبيا «متحف الشعوب»
> تتعايش أعداد كبيرة من القوميات والقبائل والإثنيات، والعقائد الدينية والثقافات، منذ التاريخ القديم في إثيوبيا، المنطقة المعروفة تاريخياً باسم «الحبشة». وهي دولة غير ساحلية «مغلقة»، يحدها من الغرب السودان وجنوب السودان، ومن الشمال جيبوتي وإريتريا، ومن الشرق الصومال، ومن الجنوب كينيا.
يعد شعب الأورومو أكبر القوميات عدداً في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، وتقارب أو تزيد أعدادهم عن 40 مليوناً، ويشكلون ما نسبته 39 في المائة من سكان إثيوبيا. والأورومو ينتسبون إلى مجموعة الشعوب «الكوشية»، ويقطنون إقليم أوروميا (وسط إثيوبيا) وعلى قمة الهضبة الإثيوبية. وبعد إطاحة حكم الديكتاتور منغستو هيلا مريام، حُكم الإقليم ذاتياً، وله عاصمته نازريت، واسمها القديم «أداما»، وتحده أقاليم العفر والأمهرا وبني شنقول والحدود الكينية من الجنوب، وإقليم صوماليا، وتقع وسطه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
أما شعب الأمهرا فيقطن شمال إثيوبيا، وتقدر نسبته من السكان بنحو 25 في المائة، ومنه حكام الإمبراطورية الإثيوبية التاريخية، ومن أبرز قادتهم في العصر الحديث الإمبراطور هيلاسيلاسي (هايلي سيلاسي)، وسلفه الإمبراطور مينيليك، والديكتاتور الشهير منغستو هيلا مريام. وتهيمن قومية الأمهرا على البلاد ثقافياً وسياسياً، أما لغة الأمهرا فهي واحدة من اللغات السامية، وهي اللغة الرسمية في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية.
شعب تيغراي لا يشكل نسبة كبيرة من مجموع سكان إثيوبيا، إذ لا تزيد نسبته عن 6.1 في المائة. ويعيش التيغراي في شمال البلاد قرب الحدود مع إريتريا، ومع هذا ظلت هذه القومية تحكم إثيوبيا منذ انتصار الثورة الإثيوبية وإسقاط نظام «الدرغ» برئاسة منغستو، ومآل الرئاسة لملس زيناوي في 1991. برغم تولي رئاسة الوزراء لقادة من قوميات أخرى، إلى جانب السلطة السياسية، فإن نسبة غالبة من الجيش الإثيوبي أفراداً وضباطاً ينتمون إلى التيغراي، ولعبت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وزعيمها زيناوي دوراً محورياً في إسقاط نظام منغستو، وقلبت المشهد السياسي، وانتقلت قيادة البلاد من الأمهرا إلى التيغراي.
إقليم أوغادين، في الشرق، معقل المجموعة المعروفة بالقومية الصومالية. ويقدر عددها بنحو 6.2 في المائة من سكان الإقليم الذي ضمته إثيوبيا إليها في 1954. هؤلاء ينتمون إلى الأعراق الصومالية، وأهمهم قبيلة الأوغادين، وهي فروع قبيلة الدارود الصومالية، وقبيلة الدناكل، وبعض الأعراق العربية القادمة عبر البحر الأحمر عبر الصومال.
أما في منطقة «الأمم الجنوبية» فتسكن العشرات من الشعوب والقبائل، أشهرها قبيلة السيداما (أو السيدامو) الحامية، وولايتا الأفريقية (وهي قبيلة رئيس الوزراء الأسبق هيلا مريام ديسالين)، إلى جانب قبائل أخرى صغيره مثل الغامو والمرسي والباسكيتو والغوفا. ويعد هذا الإقليم أكبر مصدر للبن الإثيوبي الشهير، ويبلغ عدد سكانه نحو 14 مليون نسمة.
وأخيراً، في غرب إثيوبيا يقع إقليم بني شنقول – قمز. وبنو شنقول هم أكبر قبائل الإقليم، لذا تسمى باسمها، وهؤلاء خليط من قبائل سودانية، تتكلّم اللهجات السودانية المشتقة من اللغة العربية، ولبعضها لهجاتها المحلية مثل لغة البرتا، ويقع في إقليمهم «سد النهضة». والاسم مشتق من اسم جبل مقدس في الإقليم، وتبلغ أعدادهم حسب إحصاء أجرى 2007 نحو 700 ألف، وتسكنه قبال البرتا والقمز والأمهرا والأورومو والشيناشا والماو، والإقليم ذو أغلبية مسلمة.
حقيقة الأمر أن إثيوبيا تمثّل «متحفاً» للشعوب والثقافات والعادات والتقاليد. وتختلف هذه العادات والتقاليد بين كل إقليم وآخر، بل بين مجموعة عرقية وأخرى، لكنها جميعاً تخضع للاتحاد الفيدرالي الإثيوبي، ويعطي الدستور الفيدرالي هذه الشعوب حق تقرير المصير، والانفصال وتكوين دولة مستقلة. ولقد مارست قومية التيغراي هذا الحق، فخرجت عن طوع الحكومة الاتحادية، ما أدى للحرب التي تدور حالياً في شمال إثيوبيا، بقيادة رئيس الإقليم دبرصيون جبرا ميكائيل وجيش الإقليم، ضد الجيش الاتحادي بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، ويخوضان هناك معركة «كسر عظم» لا يعرف أحد كيف تنتهي أو من ينتصر فيها.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.