لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

حرب «كسر العظم» بين أديس أبابا ومكيلي بلا نهاية قريبة

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار
TT

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

أطلق المستشرق الإيطالي كارلو كونتي روسّيني على إثيوبيا اسم «متحف الشعوب»، وذلك للتعدد والتنوع الكبير في سكان الدولة التي تتكون من نحو 100 جماعة عرقية وثقافية، تتكلّم حزمة من اللغات السامية والكوشية، أكبرها عدداً وأشهرها قوميات الأورومو والأمهرا والتيغراي، والصوماليون. ولقد تعايشت شعوب إثيوبيا لفترات طويلة ضمن الدولة «المغلقة» التي لا تملك حدوداً بحرية، متمتعة بحرية نسبية ضمن الدولة الاتحادية، بيد أن الأوضاع في أديس أبابا، والصراع السياسي، حوّل التنوع من «نعمة» إلى زناد قابل للاشتعال في أي لحظة، بين المجموعات المسيطرة الكبرى (الأورومو والأمهرا والتيغراي). في العام 1995 أقدمت حكومة «الجبهة الشعبية لتحرير إثيوبيا» على تقسيم إثيوبيا إلى 9 ولايات وفقاً للدستور الإثيوبي، هي العفر، والأمهرا، وبنو شنقول - قمز، وغامبيلا، وهرَر، وأوروميا، وصوماليا، والأمم الجنوبية، إضافة إلى مدينتي أديس أبابا (العاصمة) وديره داوا، المتمتعتين بوضع خاص ضمن الاتحاد الإثيوبي.
ونص الدستور الإثيوبي على حق الأمم والقوميات والشعوب في تقرير المصير وإدارة كل إثنية لشؤونها الداخلية، بما في ذلك اللغة والهوية الثقافية، مع ضمان حق الجماعات الإثنية في الانفصال عن الدولة، باعتباره «خياراً أخيراً» يُلجأ إليه حال فشل الدولة بمعالجة التمييز السياسي والاقتصادي، وأن يتحقق بشكل ديمقراطي بالتصويت في المجلس التشريعي القومي «البرلمان».
يحكم إثيوبيا تحالف سياسي باسم «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية»، تكون في العام 1991 من 4 أحزاب، هي «منظمة أورومو الديمقراطية الشعبية» و«حركة أمهرا الديمقراطية الوطنية» و«الحركة الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الجنوبية» و«جبهة تحرير الشعب التيغرايي». وكانت هذه المجموعات قبل تكوين التحالف عبارة عن جماعات متمردة ضد نظام الحكم ذي التوجه الماركسي المعروف بنظام «الدرغ» بقيادة الرئيس منغستو هيلا مريام، الذي ظل يحكم البلاد منذ 1974 عقب إسقاط حكم الإمبراطور هيلاسيلاسي، حتى أطاح به التحالف الجديد في عام تكوينه (1991)، وفي حينه دخل الثوار العاصمة أديس أبابا وفرّ منغستو خارج البلاد.
بسقوط حكم منغستو، شكّل التحالف الحاكم حكومة انتقالية ترأسها تامرات لايني، استمرت في السلطة حتى 22 أغسطس (آب) 1995. وبناءً على الدستور الجديد الذي كُتب عام 1994. تشكلت هيئة تشريعية من مجلسين ونظام القضائي، وشهدت البلاد بعدها أول انتخابات تعددية. في تلك الانتخابات فاز مرشح تحالف «الجبهة الديمقراطية للشعوب الإثيوبية» ملس زيناوي، وهو من قومية التيغراي رئيساً للوزراء، ونيقاسو جيدا رئيساً للدولة. وظل زيناوي في الحكم حتى وفاته 20 أغسطس 2012. وإثر وفاة زيناوي، أصبح نائب رئيس الوزراء هيلي مريم ديسالين في منصب رئيس الوزراء وظل في منصبه حتى انتخابه رئيساً للوزراء في انتخابات 2015.

تصدّع التحالف
يرجع عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، بداية تصدّع التحالف الحاكم في إثيوبيا إلى السنوات القليلة التي أعقبت دخول قوات التحالف إلى العاصمة أديس أبابا وهزيمة منغستو هيلامريام، فيقول: «بدأ الصراع بتململ قومية الأورومو مما أسموه (التهميش) داخل السلطة والتحالف الحاكم، إلا أنهم أضمروه حتى 2005، عندما اتهم فصيل (الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو) التحالف بالتلاعب بالانتخابات وانتزاع دائرتين انتخابيتين في أديس أبابا منهم، لكن رئيس الوزراء ملس زناوي أفلح في تهدئتهم».
ويستطرد أبو إدريس قائلاً: «إن الأورومو المهاجرين بقيادة جوهر محمد، دأبوا على ترديد نغمة التهميش، زاعمين أنهم يُمثِّلون 40 في المائة من مجموع السكان، ومع ذلك فنسبتهم في السلطة بحدود 6 في المائة فقط، بينما للتيغراي نسبة 25 في المائة من السلطة، مع أن عددهم لا يتجاوز 6 في المائة من جملة السكان». ويوضح أن «نغمة التهميش ظلت مع ذلك خافتة، حتى أنشأ زعيم الأورومو الشهير جوهر محمد إذاعة بلغة الأورومو تبث من الولايات المتحدة وتطرق بحدة قضية تهميشهم، ثم خرج الأمر للعلن أكثر بعد وفاة زيناوي».
وحقاً، صعّد الأورومو من الحملات ضد سيطرة التيغراي الممتدة منذ 1991، إلى أن توصل التحالف الحاكم إلى تسوية قضت بتعيين رئيس وزراء من غير قومية التيغراي، واختير تبعاً لذلك هيلا مريام ديسالين، الذي ينتمي لمجموعة «جبهة شعوب الجنوب»، بعد وفاة زيناوي، كي يسهل للتيغراي السيطرة عليه وكسب مجموعته حليفاً جديداً.

احتجاجات الأورومو
غير أن الأوضاع تعقّدت بإصدار الحكومة عام 2015 قرارات بمنح أراضٍ لمستثمرين في إقليم الأورومو وتوسيع مساحة العاصمة أديس أبابا الواقعة في الإقليم على حساب أراضي أوروميا جنوباً، ومنذ ذلك التاريخ بدأت سلسلة الاحتجاجات الشهيرة في عامي 2016 و2017 التي قادها جوهر محمد، وقمعتها حكومة ديسالين بعنف لافت.
ويرى أبو إدريس أن العنف الحكومي ضد الاحتجاجات، أدى إلى نشوء تحالف بين قوميتي الأورومو والأمهرا على الرغم من الخلافات العرقية بين المجموعتين. ومن ثم، مارس هذا التحالف ضغطاً عنيفاً على حكومة ديسالين، مستغلاً إدارته لملف الاحتجاجات الشعبية وقمعها بعنف، وفشله في تحقيق تنمية متوازنة فاضطر للاستقالة. ويضيف: «استقال ديسالين، واختير آبي أحمد (من الأورومو) رئيساً للوزراء بدعم من تحالف الأورومو والأمهرا بغالبية 75 في المائة من التحالف الحاكم، لكن التيغراي حجبوا عنه أصواتهم البالغة 25 في المائة، ومنذ ذلك الوقت حفظ الرجل – أو هكذا يقول المراقبون – رفضهم تأييده في بادئ الأمر».

آبي أحمد والتيغراي
وضع آبي أحمد خططاً اقتصادية إصلاحية لقيت ترحيباً كبيراً على مستوى العالم، لكنها ضربت مراكز «سيطرة التيغراي» في الأجهزة الأمنية والعسكرية إذ اعتبروها «قمعية تاريخياً ولا تؤمن بالديمقراطية». ومن ثم، اندلعت المواجهة بين أديس أبابا ومكيلي (عاصمة إقليم تيغراي)، بإقالة آبي لرئيس هيئة الأركان في الجيش الإثيوبي يونس أمورا، ومدير جهاز الأمن والاستخبارات، ومدير الشرطة، ومدير الشرطة الفيدرالية، وكلهم من التيغراي، وأتى برئيس هيئة أركان من الأمهرا، ومدير لجهاز الأمن من الأورومو. وأيضاً أقال مدير سد النهضة موجهاً ضربة كبيرة للتيغراي، ذلك أن الشركة الرئيسة التي كانت تستورد مواد إنشاء السد ذات علاقة بـ«الجبهة الشعبية لشعب تيغراي»، وهو ما اعتبره التيغراي استهدافاً مباشراً لهم. كذلك سارع آبي للمصالحة مع رئيس إرتيريا آسياس أفورقي العدو التاريخي للتيغراي، وهنا يشرح أن «أفورقي كان حليفاً للتيغراي، قبل أن ينقلب الحلف لعداء عقب الحرب الإثيوبية الإرتيرية 1998».
ونتيجة لذلك، شرع التيغراي في تنظيم أنفسهم داخلياً، وانكفأوا على إقليمهم منذ المصالحة الإثيوبية الإريترية، وشنوا هجوماً عنيفاً على رجال الصف الأول في أديس أبابا مثل سيوم مسيفين ومجموعته. وبعدما أعادوا ترتيب بيتهم الداخلي، أتوا بالمناضل والمحارب الشهير دبرصون ميكائيل رئيساً لـ«جبهة شعب تيغراي»، ثم حاكماً للإقليم.

أزمة تمديد ولاية آبي أحمد
جاءت الطامة الكبرى حين مدد البرلمان الفيدرالي ولاية آبي أحمد المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي تحت ذريعة «جائحة كوفيد - 19»، وهو ما اعتبره التيغراي إجراءً «غير دستوري وغير قانوني». وفي احتفال بذكرى تأسيس «جبهة شعب تيغراي» في عاصمة الإقليم مدينة مكيلي، استعاد الإقليم علمه القديم بديلاً لعلم إثيوبيا.
بينما أعلنت رئيسة البرلمان الاتحادي ثريا إبراهيم رفضها تأجيل الانتخابات، ووصفتها بأنها غير دستورية، وأعلنت زهدها في المشاركة في خرق الدستور، وقرّرت بعدها البقاء في تيغراي وعدم العودة لأديس أبابا مرة أخرى. وقرر برلمان الإقليم إجراء انتخاباته في أغسطس 2020. لكن لجنة الانتخابات المركزية رفضت الإشراف عليها والاعتراف بها، ورفضت الحكومة الاعتراف به، فردوا بالمثل بسحب الاعتراف بالحكومة المركزية في أديس أبابا، ووصفوها بأنها «فاقدة للشرعية». وبحسب أبو إدريس رداً على تلك الأحداث، أصدر رئيس الوزراء قراراً قضى بوقف التحويلات المالية لإقليم تيغراي، وأمر البنك المركزي الإثيوبي بوقف التحويلات لفروع البنوك في الإقليم، ثم اتخذ قراراً آخراً بتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بتسليم مناطق بادمي وزلمبسا لإريتريا، وهي تقع ضمن إقليم تيغراي.
رد التيغراي جاء بمنع الجنود المنسحبين من إقليمهم من تسليم أسلحتهم، والطلب منهم ترك كل العتاد العسكري خلفهم. ثم تصاعدت الأحداث تباعاً، وبلغت ذروتها بمنع قائد قوات القطاع الشمالي من الجيش الإثيوبي (برتبة فريق) من تسلم قيادة القوة وإلقاء القبض عليه. ثم هاجم التيغراي قوات القطاع الشمالي وسيطروا عليه ومعه الفرقة الخامسة مدرعة، التابعتين للجيش الاتحادي، وعلى النقاط الحدودية مع السودان «الحمرة، اللقدي».

حرب مكيلي وأديس أبابا
يوم 2 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، شنت القوات الإثيوبية الاتحادية مدعومة بقوات إقليم الأمهرا هجوماً على قوات التيغراي مستخدمة الطيران والمدفعية، فشن التيغراي هجوماً مضاداً على منطقة عبد الرافع التابعة لإقليم الأمهرا قرب الحدود السودانية، ظانين أنها «نقطة ضعيفة» لكن قوات الأمهرا تصدت لهم، فهدد التيغراي بالرد بصواريخ أرض - أرض، يبلغ مداها 300 ألف كيلومتر بحوزة قواتهم.
أبو إدريس يعتقد أن الجيش الإثيوبي لن يستطيع إلحاق الهزيمة بقوات التيغراي في منطقتهم الوعرة. ذلك أنه بجانب القوة الكبيرة التي يملكونها، والتي تبلغ 250 ألف مقاتل مدعومة بميليشيا التيغراي وقدامى المحاربين، تملك قواتهم خبرة وتمرساً كبيرين في القتال والحرب. وفي المقابل، لا تملك القوات الاتحادية معرفة كافية بتضاريس جغرافيا المنطقة، وبالتالي «يمكن للجيش الإثيوبي تنفيذ ضربات جوية، لكنه لن يستطيع فعل شيء على الأرض». أيضاً يوضح الخبير أن السودان وإريتريا بشكل خاص سيتأثران بالنزاع المسلح في إقليم تيغراي «إذ يمكن للتيغراي مهاجمة العاصمة الإريترية أسمرا، وفقاً لبيانهم بإعلان الحرب. ويسعى التيغراي الآن إلى تحييد الجيش الإريتري وشعب إريتريا. إذ قالوا إنهم يستهدفون الحزب الحاكم في إريتريا (أي الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) بقيادة آسياس أفورقي، وإذا حاول آسياس التدخل لصالح حليفه آبي أحمد فقد يتجه التيغراي لضرب إريتريا».
الخبير في شؤون القرن الأفريقي يحذر من تأثيرات أمنية للنزاع على السودان أيضاً، قائلاً: «المناطق الحدودية مضطربة أصلاً، وتنتشر فيها العصابات والميليشيات – على وجه الخصوص ميليشيا الشفتة المتفلتة – وتمارس فيها تجارة السلاح وتهريب البشر والاتجار في البشر والمخدرات... وبالتالي، قد يؤدي النزاع لتدفقات كبيرة من اللاجئين تتجه كلها نحو السودان».
أبو إدريس يعتبر ما أسماه بـ«مغامرة آبي أحمد» بمثابة انتحار سياسي للرجل، فـ«الخيارات تضيق عليه، وبرفضه وساطة الاتحاد الأفريقي ومجموعة دول إيغاد، يكون آبي أحمد قد فقد فرصة تسوية النزاع، بما يتيح له الاستمرار في الانتخابات وخلق تحالفات جديدة». ويتابع أن موقف آبي أحمد ضعيف، حتى بين قوميته الأورومو بسبب اعتقاله رموزها، وأشهرهم جوهر محمد، وممارسة عنف شديد عليهم من قبل السلطة المركزية. مستطرداً: «لم يترك آبي أحمد لنفسه خيارات غير الحرب، رغم خطورتها على مستقبله السياسي، وربما حياته... بل وضع مستقبل إثيوبيا نفسه على المحك»

سد النهضة
أخيراً، يستبعد أبو إدريس أن تؤثر الحرب على «سد النهضة» وذلك لبعده عن منطقة النزاع بنحو 650 كيلومتراً، إضافة إلى أنه ليس مشروع آبي أحمد، بل خطط له رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي الذي يعتبره التيغراي رمزاً كبيراً لهم. ويضيف: «لكن آبي أحمد سيتشدد أكثر في موضوع سد النهضة، وسيعمل على إكماله، ليكون مشروعه الذي يسعى لتوحيد الإثيوبيين خلفه، في حين لن يضرب التيغراي سد النهضة لأنه ليس مشروع آبي أحمد، بل مشروع إثيوبي قومي»، من ناحية أخرى، يُخشى من أن يؤدي النزاع في إقليم تيغراي إلى تجدد الصراع بين الأمهرا وتيغراي على السيادة على إثيوبيا، فالأمهرا يرون فيه فرصة تاريخية لاستعادة سلطتهم التي فقدوها منذ انتهى عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي، بينما يرى فيه التيغراي الفرصة لفرض منطقهم ونفوذهم بالقوة.

بانوراما قوميات إثيوبيا «متحف الشعوب»
> تتعايش أعداد كبيرة من القوميات والقبائل والإثنيات، والعقائد الدينية والثقافات، منذ التاريخ القديم في إثيوبيا، المنطقة المعروفة تاريخياً باسم «الحبشة». وهي دولة غير ساحلية «مغلقة»، يحدها من الغرب السودان وجنوب السودان، ومن الشمال جيبوتي وإريتريا، ومن الشرق الصومال، ومن الجنوب كينيا.
يعد شعب الأورومو أكبر القوميات عدداً في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، وتقارب أو تزيد أعدادهم عن 40 مليوناً، ويشكلون ما نسبته 39 في المائة من سكان إثيوبيا. والأورومو ينتسبون إلى مجموعة الشعوب «الكوشية»، ويقطنون إقليم أوروميا (وسط إثيوبيا) وعلى قمة الهضبة الإثيوبية. وبعد إطاحة حكم الديكتاتور منغستو هيلا مريام، حُكم الإقليم ذاتياً، وله عاصمته نازريت، واسمها القديم «أداما»، وتحده أقاليم العفر والأمهرا وبني شنقول والحدود الكينية من الجنوب، وإقليم صوماليا، وتقع وسطه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
أما شعب الأمهرا فيقطن شمال إثيوبيا، وتقدر نسبته من السكان بنحو 25 في المائة، ومنه حكام الإمبراطورية الإثيوبية التاريخية، ومن أبرز قادتهم في العصر الحديث الإمبراطور هيلاسيلاسي (هايلي سيلاسي)، وسلفه الإمبراطور مينيليك، والديكتاتور الشهير منغستو هيلا مريام. وتهيمن قومية الأمهرا على البلاد ثقافياً وسياسياً، أما لغة الأمهرا فهي واحدة من اللغات السامية، وهي اللغة الرسمية في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية.
شعب تيغراي لا يشكل نسبة كبيرة من مجموع سكان إثيوبيا، إذ لا تزيد نسبته عن 6.1 في المائة. ويعيش التيغراي في شمال البلاد قرب الحدود مع إريتريا، ومع هذا ظلت هذه القومية تحكم إثيوبيا منذ انتصار الثورة الإثيوبية وإسقاط نظام «الدرغ» برئاسة منغستو، ومآل الرئاسة لملس زيناوي في 1991. برغم تولي رئاسة الوزراء لقادة من قوميات أخرى، إلى جانب السلطة السياسية، فإن نسبة غالبة من الجيش الإثيوبي أفراداً وضباطاً ينتمون إلى التيغراي، ولعبت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وزعيمها زيناوي دوراً محورياً في إسقاط نظام منغستو، وقلبت المشهد السياسي، وانتقلت قيادة البلاد من الأمهرا إلى التيغراي.
إقليم أوغادين، في الشرق، معقل المجموعة المعروفة بالقومية الصومالية. ويقدر عددها بنحو 6.2 في المائة من سكان الإقليم الذي ضمته إثيوبيا إليها في 1954. هؤلاء ينتمون إلى الأعراق الصومالية، وأهمهم قبيلة الأوغادين، وهي فروع قبيلة الدارود الصومالية، وقبيلة الدناكل، وبعض الأعراق العربية القادمة عبر البحر الأحمر عبر الصومال.
أما في منطقة «الأمم الجنوبية» فتسكن العشرات من الشعوب والقبائل، أشهرها قبيلة السيداما (أو السيدامو) الحامية، وولايتا الأفريقية (وهي قبيلة رئيس الوزراء الأسبق هيلا مريام ديسالين)، إلى جانب قبائل أخرى صغيره مثل الغامو والمرسي والباسكيتو والغوفا. ويعد هذا الإقليم أكبر مصدر للبن الإثيوبي الشهير، ويبلغ عدد سكانه نحو 14 مليون نسمة.
وأخيراً، في غرب إثيوبيا يقع إقليم بني شنقول – قمز. وبنو شنقول هم أكبر قبائل الإقليم، لذا تسمى باسمها، وهؤلاء خليط من قبائل سودانية، تتكلّم اللهجات السودانية المشتقة من اللغة العربية، ولبعضها لهجاتها المحلية مثل لغة البرتا، ويقع في إقليمهم «سد النهضة». والاسم مشتق من اسم جبل مقدس في الإقليم، وتبلغ أعدادهم حسب إحصاء أجرى 2007 نحو 700 ألف، وتسكنه قبال البرتا والقمز والأمهرا والأورومو والشيناشا والماو، والإقليم ذو أغلبية مسلمة.
حقيقة الأمر أن إثيوبيا تمثّل «متحفاً» للشعوب والثقافات والعادات والتقاليد. وتختلف هذه العادات والتقاليد بين كل إقليم وآخر، بل بين مجموعة عرقية وأخرى، لكنها جميعاً تخضع للاتحاد الفيدرالي الإثيوبي، ويعطي الدستور الفيدرالي هذه الشعوب حق تقرير المصير، والانفصال وتكوين دولة مستقلة. ولقد مارست قومية التيغراي هذا الحق، فخرجت عن طوع الحكومة الاتحادية، ما أدى للحرب التي تدور حالياً في شمال إثيوبيا، بقيادة رئيس الإقليم دبرصيون جبرا ميكائيل وجيش الإقليم، ضد الجيش الاتحادي بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، ويخوضان هناك معركة «كسر عظم» لا يعرف أحد كيف تنتهي أو من ينتصر فيها.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.