لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

حرب «كسر العظم» بين أديس أبابا ومكيلي بلا نهاية قريبة

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار
TT

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

لهيب الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي قد يحرق الجوار

أطلق المستشرق الإيطالي كارلو كونتي روسّيني على إثيوبيا اسم «متحف الشعوب»، وذلك للتعدد والتنوع الكبير في سكان الدولة التي تتكون من نحو 100 جماعة عرقية وثقافية، تتكلّم حزمة من اللغات السامية والكوشية، أكبرها عدداً وأشهرها قوميات الأورومو والأمهرا والتيغراي، والصوماليون. ولقد تعايشت شعوب إثيوبيا لفترات طويلة ضمن الدولة «المغلقة» التي لا تملك حدوداً بحرية، متمتعة بحرية نسبية ضمن الدولة الاتحادية، بيد أن الأوضاع في أديس أبابا، والصراع السياسي، حوّل التنوع من «نعمة» إلى زناد قابل للاشتعال في أي لحظة، بين المجموعات المسيطرة الكبرى (الأورومو والأمهرا والتيغراي). في العام 1995 أقدمت حكومة «الجبهة الشعبية لتحرير إثيوبيا» على تقسيم إثيوبيا إلى 9 ولايات وفقاً للدستور الإثيوبي، هي العفر، والأمهرا، وبنو شنقول - قمز، وغامبيلا، وهرَر، وأوروميا، وصوماليا، والأمم الجنوبية، إضافة إلى مدينتي أديس أبابا (العاصمة) وديره داوا، المتمتعتين بوضع خاص ضمن الاتحاد الإثيوبي.
ونص الدستور الإثيوبي على حق الأمم والقوميات والشعوب في تقرير المصير وإدارة كل إثنية لشؤونها الداخلية، بما في ذلك اللغة والهوية الثقافية، مع ضمان حق الجماعات الإثنية في الانفصال عن الدولة، باعتباره «خياراً أخيراً» يُلجأ إليه حال فشل الدولة بمعالجة التمييز السياسي والاقتصادي، وأن يتحقق بشكل ديمقراطي بالتصويت في المجلس التشريعي القومي «البرلمان».
يحكم إثيوبيا تحالف سياسي باسم «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية»، تكون في العام 1991 من 4 أحزاب، هي «منظمة أورومو الديمقراطية الشعبية» و«حركة أمهرا الديمقراطية الوطنية» و«الحركة الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الجنوبية» و«جبهة تحرير الشعب التيغرايي». وكانت هذه المجموعات قبل تكوين التحالف عبارة عن جماعات متمردة ضد نظام الحكم ذي التوجه الماركسي المعروف بنظام «الدرغ» بقيادة الرئيس منغستو هيلا مريام، الذي ظل يحكم البلاد منذ 1974 عقب إسقاط حكم الإمبراطور هيلاسيلاسي، حتى أطاح به التحالف الجديد في عام تكوينه (1991)، وفي حينه دخل الثوار العاصمة أديس أبابا وفرّ منغستو خارج البلاد.
بسقوط حكم منغستو، شكّل التحالف الحاكم حكومة انتقالية ترأسها تامرات لايني، استمرت في السلطة حتى 22 أغسطس (آب) 1995. وبناءً على الدستور الجديد الذي كُتب عام 1994. تشكلت هيئة تشريعية من مجلسين ونظام القضائي، وشهدت البلاد بعدها أول انتخابات تعددية. في تلك الانتخابات فاز مرشح تحالف «الجبهة الديمقراطية للشعوب الإثيوبية» ملس زيناوي، وهو من قومية التيغراي رئيساً للوزراء، ونيقاسو جيدا رئيساً للدولة. وظل زيناوي في الحكم حتى وفاته 20 أغسطس 2012. وإثر وفاة زيناوي، أصبح نائب رئيس الوزراء هيلي مريم ديسالين في منصب رئيس الوزراء وظل في منصبه حتى انتخابه رئيساً للوزراء في انتخابات 2015.

تصدّع التحالف
يرجع عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، بداية تصدّع التحالف الحاكم في إثيوبيا إلى السنوات القليلة التي أعقبت دخول قوات التحالف إلى العاصمة أديس أبابا وهزيمة منغستو هيلامريام، فيقول: «بدأ الصراع بتململ قومية الأورومو مما أسموه (التهميش) داخل السلطة والتحالف الحاكم، إلا أنهم أضمروه حتى 2005، عندما اتهم فصيل (الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو) التحالف بالتلاعب بالانتخابات وانتزاع دائرتين انتخابيتين في أديس أبابا منهم، لكن رئيس الوزراء ملس زناوي أفلح في تهدئتهم».
ويستطرد أبو إدريس قائلاً: «إن الأورومو المهاجرين بقيادة جوهر محمد، دأبوا على ترديد نغمة التهميش، زاعمين أنهم يُمثِّلون 40 في المائة من مجموع السكان، ومع ذلك فنسبتهم في السلطة بحدود 6 في المائة فقط، بينما للتيغراي نسبة 25 في المائة من السلطة، مع أن عددهم لا يتجاوز 6 في المائة من جملة السكان». ويوضح أن «نغمة التهميش ظلت مع ذلك خافتة، حتى أنشأ زعيم الأورومو الشهير جوهر محمد إذاعة بلغة الأورومو تبث من الولايات المتحدة وتطرق بحدة قضية تهميشهم، ثم خرج الأمر للعلن أكثر بعد وفاة زيناوي».
وحقاً، صعّد الأورومو من الحملات ضد سيطرة التيغراي الممتدة منذ 1991، إلى أن توصل التحالف الحاكم إلى تسوية قضت بتعيين رئيس وزراء من غير قومية التيغراي، واختير تبعاً لذلك هيلا مريام ديسالين، الذي ينتمي لمجموعة «جبهة شعوب الجنوب»، بعد وفاة زيناوي، كي يسهل للتيغراي السيطرة عليه وكسب مجموعته حليفاً جديداً.

احتجاجات الأورومو
غير أن الأوضاع تعقّدت بإصدار الحكومة عام 2015 قرارات بمنح أراضٍ لمستثمرين في إقليم الأورومو وتوسيع مساحة العاصمة أديس أبابا الواقعة في الإقليم على حساب أراضي أوروميا جنوباً، ومنذ ذلك التاريخ بدأت سلسلة الاحتجاجات الشهيرة في عامي 2016 و2017 التي قادها جوهر محمد، وقمعتها حكومة ديسالين بعنف لافت.
ويرى أبو إدريس أن العنف الحكومي ضد الاحتجاجات، أدى إلى نشوء تحالف بين قوميتي الأورومو والأمهرا على الرغم من الخلافات العرقية بين المجموعتين. ومن ثم، مارس هذا التحالف ضغطاً عنيفاً على حكومة ديسالين، مستغلاً إدارته لملف الاحتجاجات الشعبية وقمعها بعنف، وفشله في تحقيق تنمية متوازنة فاضطر للاستقالة. ويضيف: «استقال ديسالين، واختير آبي أحمد (من الأورومو) رئيساً للوزراء بدعم من تحالف الأورومو والأمهرا بغالبية 75 في المائة من التحالف الحاكم، لكن التيغراي حجبوا عنه أصواتهم البالغة 25 في المائة، ومنذ ذلك الوقت حفظ الرجل – أو هكذا يقول المراقبون – رفضهم تأييده في بادئ الأمر».

آبي أحمد والتيغراي
وضع آبي أحمد خططاً اقتصادية إصلاحية لقيت ترحيباً كبيراً على مستوى العالم، لكنها ضربت مراكز «سيطرة التيغراي» في الأجهزة الأمنية والعسكرية إذ اعتبروها «قمعية تاريخياً ولا تؤمن بالديمقراطية». ومن ثم، اندلعت المواجهة بين أديس أبابا ومكيلي (عاصمة إقليم تيغراي)، بإقالة آبي لرئيس هيئة الأركان في الجيش الإثيوبي يونس أمورا، ومدير جهاز الأمن والاستخبارات، ومدير الشرطة، ومدير الشرطة الفيدرالية، وكلهم من التيغراي، وأتى برئيس هيئة أركان من الأمهرا، ومدير لجهاز الأمن من الأورومو. وأيضاً أقال مدير سد النهضة موجهاً ضربة كبيرة للتيغراي، ذلك أن الشركة الرئيسة التي كانت تستورد مواد إنشاء السد ذات علاقة بـ«الجبهة الشعبية لشعب تيغراي»، وهو ما اعتبره التيغراي استهدافاً مباشراً لهم. كذلك سارع آبي للمصالحة مع رئيس إرتيريا آسياس أفورقي العدو التاريخي للتيغراي، وهنا يشرح أن «أفورقي كان حليفاً للتيغراي، قبل أن ينقلب الحلف لعداء عقب الحرب الإثيوبية الإرتيرية 1998».
ونتيجة لذلك، شرع التيغراي في تنظيم أنفسهم داخلياً، وانكفأوا على إقليمهم منذ المصالحة الإثيوبية الإريترية، وشنوا هجوماً عنيفاً على رجال الصف الأول في أديس أبابا مثل سيوم مسيفين ومجموعته. وبعدما أعادوا ترتيب بيتهم الداخلي، أتوا بالمناضل والمحارب الشهير دبرصون ميكائيل رئيساً لـ«جبهة شعب تيغراي»، ثم حاكماً للإقليم.

أزمة تمديد ولاية آبي أحمد
جاءت الطامة الكبرى حين مدد البرلمان الفيدرالي ولاية آبي أحمد المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي تحت ذريعة «جائحة كوفيد - 19»، وهو ما اعتبره التيغراي إجراءً «غير دستوري وغير قانوني». وفي احتفال بذكرى تأسيس «جبهة شعب تيغراي» في عاصمة الإقليم مدينة مكيلي، استعاد الإقليم علمه القديم بديلاً لعلم إثيوبيا.
بينما أعلنت رئيسة البرلمان الاتحادي ثريا إبراهيم رفضها تأجيل الانتخابات، ووصفتها بأنها غير دستورية، وأعلنت زهدها في المشاركة في خرق الدستور، وقرّرت بعدها البقاء في تيغراي وعدم العودة لأديس أبابا مرة أخرى. وقرر برلمان الإقليم إجراء انتخاباته في أغسطس 2020. لكن لجنة الانتخابات المركزية رفضت الإشراف عليها والاعتراف بها، ورفضت الحكومة الاعتراف به، فردوا بالمثل بسحب الاعتراف بالحكومة المركزية في أديس أبابا، ووصفوها بأنها «فاقدة للشرعية». وبحسب أبو إدريس رداً على تلك الأحداث، أصدر رئيس الوزراء قراراً قضى بوقف التحويلات المالية لإقليم تيغراي، وأمر البنك المركزي الإثيوبي بوقف التحويلات لفروع البنوك في الإقليم، ثم اتخذ قراراً آخراً بتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بتسليم مناطق بادمي وزلمبسا لإريتريا، وهي تقع ضمن إقليم تيغراي.
رد التيغراي جاء بمنع الجنود المنسحبين من إقليمهم من تسليم أسلحتهم، والطلب منهم ترك كل العتاد العسكري خلفهم. ثم تصاعدت الأحداث تباعاً، وبلغت ذروتها بمنع قائد قوات القطاع الشمالي من الجيش الإثيوبي (برتبة فريق) من تسلم قيادة القوة وإلقاء القبض عليه. ثم هاجم التيغراي قوات القطاع الشمالي وسيطروا عليه ومعه الفرقة الخامسة مدرعة، التابعتين للجيش الاتحادي، وعلى النقاط الحدودية مع السودان «الحمرة، اللقدي».

حرب مكيلي وأديس أبابا
يوم 2 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، شنت القوات الإثيوبية الاتحادية مدعومة بقوات إقليم الأمهرا هجوماً على قوات التيغراي مستخدمة الطيران والمدفعية، فشن التيغراي هجوماً مضاداً على منطقة عبد الرافع التابعة لإقليم الأمهرا قرب الحدود السودانية، ظانين أنها «نقطة ضعيفة» لكن قوات الأمهرا تصدت لهم، فهدد التيغراي بالرد بصواريخ أرض - أرض، يبلغ مداها 300 ألف كيلومتر بحوزة قواتهم.
أبو إدريس يعتقد أن الجيش الإثيوبي لن يستطيع إلحاق الهزيمة بقوات التيغراي في منطقتهم الوعرة. ذلك أنه بجانب القوة الكبيرة التي يملكونها، والتي تبلغ 250 ألف مقاتل مدعومة بميليشيا التيغراي وقدامى المحاربين، تملك قواتهم خبرة وتمرساً كبيرين في القتال والحرب. وفي المقابل، لا تملك القوات الاتحادية معرفة كافية بتضاريس جغرافيا المنطقة، وبالتالي «يمكن للجيش الإثيوبي تنفيذ ضربات جوية، لكنه لن يستطيع فعل شيء على الأرض». أيضاً يوضح الخبير أن السودان وإريتريا بشكل خاص سيتأثران بالنزاع المسلح في إقليم تيغراي «إذ يمكن للتيغراي مهاجمة العاصمة الإريترية أسمرا، وفقاً لبيانهم بإعلان الحرب. ويسعى التيغراي الآن إلى تحييد الجيش الإريتري وشعب إريتريا. إذ قالوا إنهم يستهدفون الحزب الحاكم في إريتريا (أي الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) بقيادة آسياس أفورقي، وإذا حاول آسياس التدخل لصالح حليفه آبي أحمد فقد يتجه التيغراي لضرب إريتريا».
الخبير في شؤون القرن الأفريقي يحذر من تأثيرات أمنية للنزاع على السودان أيضاً، قائلاً: «المناطق الحدودية مضطربة أصلاً، وتنتشر فيها العصابات والميليشيات – على وجه الخصوص ميليشيا الشفتة المتفلتة – وتمارس فيها تجارة السلاح وتهريب البشر والاتجار في البشر والمخدرات... وبالتالي، قد يؤدي النزاع لتدفقات كبيرة من اللاجئين تتجه كلها نحو السودان».
أبو إدريس يعتبر ما أسماه بـ«مغامرة آبي أحمد» بمثابة انتحار سياسي للرجل، فـ«الخيارات تضيق عليه، وبرفضه وساطة الاتحاد الأفريقي ومجموعة دول إيغاد، يكون آبي أحمد قد فقد فرصة تسوية النزاع، بما يتيح له الاستمرار في الانتخابات وخلق تحالفات جديدة». ويتابع أن موقف آبي أحمد ضعيف، حتى بين قوميته الأورومو بسبب اعتقاله رموزها، وأشهرهم جوهر محمد، وممارسة عنف شديد عليهم من قبل السلطة المركزية. مستطرداً: «لم يترك آبي أحمد لنفسه خيارات غير الحرب، رغم خطورتها على مستقبله السياسي، وربما حياته... بل وضع مستقبل إثيوبيا نفسه على المحك»

سد النهضة
أخيراً، يستبعد أبو إدريس أن تؤثر الحرب على «سد النهضة» وذلك لبعده عن منطقة النزاع بنحو 650 كيلومتراً، إضافة إلى أنه ليس مشروع آبي أحمد، بل خطط له رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي الذي يعتبره التيغراي رمزاً كبيراً لهم. ويضيف: «لكن آبي أحمد سيتشدد أكثر في موضوع سد النهضة، وسيعمل على إكماله، ليكون مشروعه الذي يسعى لتوحيد الإثيوبيين خلفه، في حين لن يضرب التيغراي سد النهضة لأنه ليس مشروع آبي أحمد، بل مشروع إثيوبي قومي»، من ناحية أخرى، يُخشى من أن يؤدي النزاع في إقليم تيغراي إلى تجدد الصراع بين الأمهرا وتيغراي على السيادة على إثيوبيا، فالأمهرا يرون فيه فرصة تاريخية لاستعادة سلطتهم التي فقدوها منذ انتهى عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي، بينما يرى فيه التيغراي الفرصة لفرض منطقهم ونفوذهم بالقوة.

بانوراما قوميات إثيوبيا «متحف الشعوب»
> تتعايش أعداد كبيرة من القوميات والقبائل والإثنيات، والعقائد الدينية والثقافات، منذ التاريخ القديم في إثيوبيا، المنطقة المعروفة تاريخياً باسم «الحبشة». وهي دولة غير ساحلية «مغلقة»، يحدها من الغرب السودان وجنوب السودان، ومن الشمال جيبوتي وإريتريا، ومن الشرق الصومال، ومن الجنوب كينيا.
يعد شعب الأورومو أكبر القوميات عدداً في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، وتقارب أو تزيد أعدادهم عن 40 مليوناً، ويشكلون ما نسبته 39 في المائة من سكان إثيوبيا. والأورومو ينتسبون إلى مجموعة الشعوب «الكوشية»، ويقطنون إقليم أوروميا (وسط إثيوبيا) وعلى قمة الهضبة الإثيوبية. وبعد إطاحة حكم الديكتاتور منغستو هيلا مريام، حُكم الإقليم ذاتياً، وله عاصمته نازريت، واسمها القديم «أداما»، وتحده أقاليم العفر والأمهرا وبني شنقول والحدود الكينية من الجنوب، وإقليم صوماليا، وتقع وسطه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
أما شعب الأمهرا فيقطن شمال إثيوبيا، وتقدر نسبته من السكان بنحو 25 في المائة، ومنه حكام الإمبراطورية الإثيوبية التاريخية، ومن أبرز قادتهم في العصر الحديث الإمبراطور هيلاسيلاسي (هايلي سيلاسي)، وسلفه الإمبراطور مينيليك، والديكتاتور الشهير منغستو هيلا مريام. وتهيمن قومية الأمهرا على البلاد ثقافياً وسياسياً، أما لغة الأمهرا فهي واحدة من اللغات السامية، وهي اللغة الرسمية في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية.
شعب تيغراي لا يشكل نسبة كبيرة من مجموع سكان إثيوبيا، إذ لا تزيد نسبته عن 6.1 في المائة. ويعيش التيغراي في شمال البلاد قرب الحدود مع إريتريا، ومع هذا ظلت هذه القومية تحكم إثيوبيا منذ انتصار الثورة الإثيوبية وإسقاط نظام «الدرغ» برئاسة منغستو، ومآل الرئاسة لملس زيناوي في 1991. برغم تولي رئاسة الوزراء لقادة من قوميات أخرى، إلى جانب السلطة السياسية، فإن نسبة غالبة من الجيش الإثيوبي أفراداً وضباطاً ينتمون إلى التيغراي، ولعبت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وزعيمها زيناوي دوراً محورياً في إسقاط نظام منغستو، وقلبت المشهد السياسي، وانتقلت قيادة البلاد من الأمهرا إلى التيغراي.
إقليم أوغادين، في الشرق، معقل المجموعة المعروفة بالقومية الصومالية. ويقدر عددها بنحو 6.2 في المائة من سكان الإقليم الذي ضمته إثيوبيا إليها في 1954. هؤلاء ينتمون إلى الأعراق الصومالية، وأهمهم قبيلة الأوغادين، وهي فروع قبيلة الدارود الصومالية، وقبيلة الدناكل، وبعض الأعراق العربية القادمة عبر البحر الأحمر عبر الصومال.
أما في منطقة «الأمم الجنوبية» فتسكن العشرات من الشعوب والقبائل، أشهرها قبيلة السيداما (أو السيدامو) الحامية، وولايتا الأفريقية (وهي قبيلة رئيس الوزراء الأسبق هيلا مريام ديسالين)، إلى جانب قبائل أخرى صغيره مثل الغامو والمرسي والباسكيتو والغوفا. ويعد هذا الإقليم أكبر مصدر للبن الإثيوبي الشهير، ويبلغ عدد سكانه نحو 14 مليون نسمة.
وأخيراً، في غرب إثيوبيا يقع إقليم بني شنقول – قمز. وبنو شنقول هم أكبر قبائل الإقليم، لذا تسمى باسمها، وهؤلاء خليط من قبائل سودانية، تتكلّم اللهجات السودانية المشتقة من اللغة العربية، ولبعضها لهجاتها المحلية مثل لغة البرتا، ويقع في إقليمهم «سد النهضة». والاسم مشتق من اسم جبل مقدس في الإقليم، وتبلغ أعدادهم حسب إحصاء أجرى 2007 نحو 700 ألف، وتسكنه قبال البرتا والقمز والأمهرا والأورومو والشيناشا والماو، والإقليم ذو أغلبية مسلمة.
حقيقة الأمر أن إثيوبيا تمثّل «متحفاً» للشعوب والثقافات والعادات والتقاليد. وتختلف هذه العادات والتقاليد بين كل إقليم وآخر، بل بين مجموعة عرقية وأخرى، لكنها جميعاً تخضع للاتحاد الفيدرالي الإثيوبي، ويعطي الدستور الفيدرالي هذه الشعوب حق تقرير المصير، والانفصال وتكوين دولة مستقلة. ولقد مارست قومية التيغراي هذا الحق، فخرجت عن طوع الحكومة الاتحادية، ما أدى للحرب التي تدور حالياً في شمال إثيوبيا، بقيادة رئيس الإقليم دبرصيون جبرا ميكائيل وجيش الإقليم، ضد الجيش الاتحادي بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، ويخوضان هناك معركة «كسر عظم» لا يعرف أحد كيف تنتهي أو من ينتصر فيها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.