سوزان كولينز... آخر الجمهوريين المعتدلين في شمال شرقي أميركا

سوزان كولينز... آخر الجمهوريين المعتدلين في شمال شرقي أميركا

سيناتورة ولاية ماين تحدّت ترمب ونجت من براثن الخسارة
السبت - 29 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 14 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15327]

عندما يتمشى المرء في أروقة مبنى الكابيتول، حيث مقر مجلسي الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن، يباغته تردد صدى أصوات السياح الذين يدورون في هذا المبنى العريق من كل حدب وصوب، وضجيج العاملين فيه الذين يهرولون في باحاته محاولين التقاط أنفاسهم على وقع المهام الملقاة على عاتقهم.

في خلية النخل هذه، تسمع وقع خطى بطيئة ثم يفاجئك صوت هادئ تشوبه لعثمة واثقة، فتبحث عن مصدره، وترى مجموعة من الصحافيين ملتفة حول امرأة صغيرة البنية، تكاد تختفي بينهم. لكن هؤلاء يستمعون بحذر شديد وصمت غريب لما تقوله. فكلماتها مهمة للغاية، وقد تقلب الموازين في عاصمة القرار. إنها سوزان كولينز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماين التي باتت من الوجوه البارزة التي تحسم مواقفها ملفات شائكة ومهمة في الكونغرس.

السيناتورة سوزان كولينز، البالغة من العمر 67 عاماً سياسية جمهورية مخضرمة، إذ إنها تخدم في مجلس الشيوخ منذ عام 1997. وقد أدت مواقفها في السنين الماضية إلى قلب المعادلة في بعض الملفات. إنها بحق لاعب أساسي في المجلس، حيث عُرفت في سنوات حياتها السياسية التي أمضتها على مقاعده باعتدالها وميلها للتفاهم مع الطرف الآخر ما أمكن. ثم إن البعض يصفها بأنها «آخر الناجين من فئة الجمهوريين المعتدلين المنقرضة في شمال شرقي الولايات المتحدة»، وهذا صحيح إذ إنها الممثل الوحيد للجمهوريين في ولايات إقليم نيو إنغلاند الست الذي يحتل الزاوية الشمالية الشرقية للبلاد. ورغم أن كولينز خدمت في المجلس منذ أعوام، فإن ما دفع بها إلى الواجهة هو مواقفها التي تحدّت فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير مرة، وكانت المغردة الوحيدة خارج سرب الحزب في بعض الأحيان.


من زرع البطاطا إلى سن القوانين

ولدت سوزان كولينز لعائلة من أصول آيرلندية في بلدة كاريبو بولاية ماين، التي تحتل أقصى الطرف الشمالي الغربي للحدود مع كندا، حيث شغل كل من والدها وأمها منصب عمدة البلدة. وهي متعلقة جداً بإرثها الآيرلندي، ولذا جمعتها علاقة صداقة قوية بالسيناتور الراحل إدوارد تيد كنيدي (الشقيق الأصغر للرئيس الأسبق جون كنيدي) بسبب «حبهما لوالدتيهما الآيرلنديتين» على حد قولها. وهي غالباً ما تخطّت التجاذبات السياسية، وجمعتها صداقات مع كثيرين من الديمقراطيين بفضل الأصول الآيرلندية المشتركة.

وعلى الصعيد الأسري، لدى كولينز 6 أخوة، ولم تُرزق بأولاد. إذ إنها تزوّجت عام 2012 وهي في التاسعة والخمسين من العمر، من صديقها القديم توماس دافرون، الذي يعمل في إحدى مجموعات الضغط في مجموعة جيفرسون للاستشارات.

عندما كانت كولينز تلميذة في مدرسة كاريبو، اعتادت المدرسة إغلاق أبوابها لثلاثة أسابيع خلال شهر سبتمبر (أيلول) كي يساعد التلامذة المزارعين هناك في جني محصول البطاطا. وأدى هذا إلى صقل شخصيتها، لتغدو في المستقبل من الداعمين الأقوياء للمزارعين. وهي عندما تتحدث عن تجربتها هذه تقول: «أنا محظوظة لأني كبرت وأنا أعمل بجهد وإصرار... وهذه أمور تعكس روح هذا القطاع المتميّز. بالنسبة إلي لا شيء يضاهي رؤية نبتات البطاطا منتشرة على امتداد النظر، والإرث الذي تمثله». وفيما بعد، تلقّت كولينز تعليمها الجامعي وتخرّجت في جامعة سانت لورانس، وهي جامعة خاصة راقية بشمال ولاية نيويورك، عام 1975 حاملة شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية.

أما بالنسبة لمسيرتها السياسية، فإنها بدأتها في العمل مساعدة ضمن فريق السيناتور الجمهوري المعتدل ووزير الدفاع السابق (في عهد بيل كلينتون) ويليام كوهين، وتولّت مسؤوليات محلية في ولاية ماساتشوستس. وعام 1994، كانت المرأة الأولى في تاريخ ولايتها ماين التي كسبت ترشيح حزبها لمنصب الحاكم إلا أنها خسرت في الانتخابات العامة. وبعد ذلك ترشحت لمقعد مجلس الشيوخ وفازت عام 1996، واحتفظت بمقعدها عبر 4 انتخابات متتالية أعوام 2002 و2008 و2014 وأخيراً 2020.


تحديات صحية واعتدال متزن

كثيرون ممن الذين لا يعرفون السيناتورة كولينز جيداً يتساءلون عن سبب البطء الشديد في كلامها، الذي يصل إلى درجة التلعثم. أما السبب وراء ذلك فهو مشكلة صحية تعاني منها، وتؤثر على عضلات الصوت التي تتشنج فجأة فينجم عن تقلصها تقطعاً في الصوت أثناء الكلام، ما يجعل كلامها هذا صعباً على الفهم في بعض الأحيان. مع هذا، لم تمنع هذه المشكلة كولينز من التكلّم بصرامة، وفرض وجودها بقوة في مجلس الشيوخ، فتترأس في عام 2003 لجنة الأمن القومي في المجلس، ثم تصبح في العام 2013 المرأة الأطول خدمة في المجلس عن الحزب الجمهوري. وللعلم، فهي تحتل المركز الثاني في مرّات التصويت عبر تاريخ مجلس الشيوخ، إذ صوّتت ستة آلاف مرة متتالية.

وحقاً، عرفت كولينز باعتدالها منذ تسلمها لمنصبها في مجلس الشيوخ. ففي عام 2017 صنفها «مركز لوغر» المعروف في العاصمة واشنطن (الذي يحمل اسم السيناتور الجمهوري الراحل ريتشارد لوغر تيمناً به) على أنها عضو مجلس الشيوخ «الأكثر اعتدالاً» في دورة الكونغرس الـ115.

وبحسب الأرقام في موقع «فايف ثيرتي آيت»، فإن كولينز الجمهورية دعمت 75 في المائة من مواقف الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق باراك أوباما الديمقراطي، مقابل تصويتها لدعم مواقف ترمب 68 في المائة فقط من المرات، وهي النسبة الأقل بين الجمهوريين في المجلس الذين يدعمون الرئيس الأميركي في معظم مواقفه.


تحدي الرئيس منذ البداية

عند إعلان الرئيس دونالد ترمب نيّته الترشح للسباق إلى الرئاسة عام 2016، لم تتخيل كولينز أنه سيتمكن من انتزاع ترشيح الحزب الجمهوري. إلا أنه، وفي مفاجأة لكثيرين، حصد دعماً كافياً أدى إلى اختياره مرشح الحزب الرسمي. حينذاك، في الثامن من أغسطس (آب) 2016 رفضت كولينز دعمه، وأعلنت أنها لن تصوت لصالحه في الانتخابات الرئاسية. وتابعت في ذلك الوقت، أن قرارها هذا لم يكن سهلاً لأنها انتمت للحزب الجمهوري طوال حياتها، ثم فسّرت موقفها بالقول إنها قرّرت ألا تدعمه لأنها شعرت أنه ليس مؤهلاً لتولّي الرئاسة بسبب «تصرفاته، وبخاصة أنه لا يكترث بمعاملة الآخرين باحترام، ما سينعكس سلباً على سياساته».

وما كان هذا هو الموقف المعارض الوحيد من كولينز إزاء ترمب، بل افتتح سلسلة من المواقف المواجهة له، التي أدت في بعض الأحيان إلى عرقلة أجندته في الكونغرس. إذ صوّتت كولينز ضد المصادقة على تعيينه وزيرة التعليم اليمينية المحافظة بيتسي دي فوس، وانضمت إليها زميلتها الجمهورية الليبرالية عن ولاية ألاسكا السيناتورة ليزا موراكاوسكي، فكانتا بذلك النائبتين الجمهوريتين الوحيدتين اللتين صوّتتا ضد المصادقة. وهذا الأمر، ووفق الدستور، اضطر نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى المجيء إلى مجلس الشيوخ والإدلاء بصوته المرجح الحاسم، وبالتالي، إنقاذ مرشحة الرئيس.

وبعد ذلك بنحو عام، أعربت كولينز عن معارضتها لخطة ترمب والجمهوريين بإلغاء مشروع الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباما كير». وفعلاً صوتت ضد محاولات الإلغاء، معتبرة أن ثمة حاجة للاستعاضة عن المشروع بمشروع بديل قبل إلغائه كلياً. ولقد أدى تصويتها هذا إلى فشل محاولات ترمب في إلغاء «أوباما كير»، وخرق وعده الانتخابي. وكأن كل هذا ما كان كافياً لإغضاب ترمب، فقد صوّتت كولينز عام 2019 لمنع إدارة ترمب من رفع العقوبات عن بعض الشركات الروسية، معتبرة أن أي رفع للعقوبات «سيرسل الرسالة الخاطئة لروسيا وحلفاء الرئيس فلاديمير بوتين».


محاكمات عزل ترمب وكلينتون

شهدت كولينز قضيتي عزل رئيسي جمهورية إبّان فترة خدمتها في مجلس الشيوخ. الأولى في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، والثانية في عهد الجمهوري الحالي ترمب. وصوّتت في القضيتين ضد خلع الرئيسين.

في قضية عزل كلينتون، عام 1990، صوتت كولينز (ومعها من كان قد تبقّى من جمهوريي نيوإنغلاند في المجلس) ضد إدانة الرئيس (يومذاك) كلينتون وعزله. وبرّرت كولينز موقفها بأنه رغم أن كلينتون خرق القانون عبر الكذب على المحققين في قضية مونيكا لوينسكي، فهذه التهم لا ترقى إلى عزل رئيس من الحكم، ثم استعملت الحجة نفسها في قضية ترمب عام 2019.

وحول القضية الثانية، ورغم أن كولينز انضمت إلى زميلها السيناتور الجمهوري ميت رومني (المرشح الرئاسي السابق) في دعم الدعوات لاستدعاء المزيد من الشهود لمحكمة ترمب في مجلس الشيوخ، منهم مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، فإنها وقفت في نهاية المطاف وراء الصف الجمهوري وصوّتت ضد إدانة الرئيس وعزله. وبرّرت موقفها بأن أفعال ترمب «لا تقع في خانة الجرائم والجنح التي قد تؤدي إلى عزل الرئيس». وأردفت: «سأصوت ضد العزل، لأنني لا أعتقد أن تصرفاته وصلت إلى المستوى المنصوص عليه في الدستور لقلب نتيجة الانتخابات وعزل رئيس منتخب».

أيضاً، اعتبرت كولينز أن ترمب «تعلّم درساً كبيراً في إجراءات عزله، وسيكون أكثر حذراً في المستقبل». وتابعت: «الرئيس أدين بالفعل، وهذا درس كبير له»، في إشارة إلى قرار إدانته وعزله في مجلس النواب. وفي المقابل، انتقدت كولينز تصرّفات الرئيس ووصفت اتصاله الشهير بنظيره الأوكراني، محور قضية العزل، بأنه غير مناسب أبداً. وأوضحت: «الاتصال الذي أجراه الرئيس كان غير مناسب. لا يجوز لرئيس الولايات المتحدة أن يطلب من بلد أجنبي فتح تحقيق ضد خصمه السياسي (جو بايدن). هذا غير مناسب (وليس اتصالاً رائعاً)»... وذلك في انتقاد مباشر لوصف ترمب اتصاله أكثر من مرة بأنه «اتصال رائع».

من جانب آخر، كانت كولينز تدرك سلفاً أن تصويتها ضد عزل الرئيس قد يؤثر على حظوظها في الانتخابات التشريعية. وعن هذا الأمر قالت: «متأكدة من أنه سيكون هناك أشخاص غير راضين عني في ماين. لكن عملي لا يقضي باتخاذ قرارات بناءً على الثمن السياسي الذي سأدفعه، بل إن أكون حكماً عادلاً أحترم قسم اليمين الذي أديته».

وبالفعل، صدقت مخاوف كولينز، فخاضت سباقاً حامياً للغاية مع منافستها الديمقراطية سارة غيديون، التي طرحت إبان الحملة الانتخابية ملف تصويت كولينز الداعم لترمب، وتمكنت من جمع أموال طائلة. غير أن كولينز تمكنّت في النهاية من الفوز والاحتفاظ بمقعدها الذي احتلته على مدى 23 سنة.


قضاة المحكمة العليا

في سياق متّصل، لعبت كولينز دوراً مهماً في المصادقة على تعيين قضاة المحكمة العليا اليمينيين المحافظين الذين عيّنهم ترمب. لكنها، في حين صوتت للمصادقة على تعيين القاضي بريت كافاناه في منصبه رغم الاتهامات الموجهة ضده بالتحرّش الجنسي، عارضت تسمية آيمي كوني باريت معتبرة أن التوقيت غير مناسب في الموسم الانتخابي. وفي هذه الحالة الأخيرة، كانت الشيخ الجمهوري الوحيد التي صوّت ضد المصادقة على تعيين باريت يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أي قبل أسبوع تقريباً من يوم الانتخابات الرئاسية.

ورغم أن المجلس (بفضل غالبيته الجمهورية) صادق على تعيين القاضية المحافظة، رغم معارضة كولينز، أثار موقفها هذا حفيظة ترمب الذي علّق: «هناك شائعة بشعة بأن كولينز لن تدعم القاضية الرائعة للمحكمة العليا، وهي لم تدعم إلغاء (أوباما كير) كذلك... إنها غير جديرة بالدعم!». وعلى الأثر، خشي كثيرون أن يكون موقف ترمب هذا هو الضربة القاضية لفرص السيناتورة المخضرمة في إعادة انتخابها.


مواقفها الأخرى البارزة

في موضوع الإجهاض، سوزان كولينز، هي من الجمهوريين القلائل جداً الذين يدعمون حق المرأة بالإجهاض، وعددهم ثلاثة فقط، إلى جانب الجمهوريتين ليسا موركاوسكي (من ألاسكا) وشيلي مور كابيتو (ويست فيرجينيا). إلا أنها رغم دعمها هذا، لم تتردد في دعم تعيين قضاة محافظين يعارضون الإجهاض.

وكانت حجتها في ذلك أنهم لن يسعوا لنقض قرار المحكمة العليا المعروف بـ«رو ضد وايد» الذي يحمي حقوق المرأة في الإجهاض. وهي كانت محقة في تقديراتها، حتى الساعة.

أما في قضايا السياسة الخارجية، فإن كولينز صوتت لصالح حرب العراق عام 2003، لكنها دعمت في عام 2007 الجهود الديمقراطية القاضية بوضع خطة لسحب القوات الأميركية من هناك.

وإزاء الملف الإيراني، عارضت كولينز الاتفاق النووي مع إيران، معتبرة أنه «سيترك طهران قادرة على بناء سلاح نووي بعد انتهاء صلاحية الاتفاق»، وأعربت عن خشيتها من أن إيران ستصبح حينها دولة نووية قوية وخطرة. وفي العام الماضي (2019). وبعدما أسقطت إيران طائرة مسيرة «درون» أميركية، قالت إن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح لإيران بشن هجمات من هذا النوع، وإنها حذّرت من أن «أي تصرف متهوّر من قبل أميركا قد يؤدي إلى حرب في الشرق الأوسط».

وفيما يخص إسرائيل، تُعد كولينز «عرّابة» مشروع قانون «معاقبة مقاطعي إسرائيل»، وهو مشروع يجعل من الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل من قبل أميركيين جريمة فيدرالية يعاقب عليها القانون تحت طائلة السجن لمدة 20 سنة، إلا أن مساعي كولينز أخفقت في تمرير المشروع في الكونغرس.


أميركا الولايات المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة