سوزان كولينز... آخر الجمهوريين المعتدلين في شمال شرقي أميركا

سيناتورة ولاية ماين تحدّت ترمب ونجت من براثن الخسارة

سوزان كولينز... آخر الجمهوريين المعتدلين في شمال شرقي أميركا
TT

سوزان كولينز... آخر الجمهوريين المعتدلين في شمال شرقي أميركا

سوزان كولينز... آخر الجمهوريين المعتدلين في شمال شرقي أميركا

عندما يتمشى المرء في أروقة مبنى الكابيتول، حيث مقر مجلسي الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن، يباغته تردد صدى أصوات السياح الذين يدورون في هذا المبنى العريق من كل حدب وصوب، وضجيج العاملين فيه الذين يهرولون في باحاته محاولين التقاط أنفاسهم على وقع المهام الملقاة على عاتقهم.
في خلية النخل هذه، تسمع وقع خطى بطيئة ثم يفاجئك صوت هادئ تشوبه لعثمة واثقة، فتبحث عن مصدره، وترى مجموعة من الصحافيين ملتفة حول امرأة صغيرة البنية، تكاد تختفي بينهم. لكن هؤلاء يستمعون بحذر شديد وصمت غريب لما تقوله. فكلماتها مهمة للغاية، وقد تقلب الموازين في عاصمة القرار. إنها سوزان كولينز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماين التي باتت من الوجوه البارزة التي تحسم مواقفها ملفات شائكة ومهمة في الكونغرس.
السيناتورة سوزان كولينز، البالغة من العمر 67 عاماً سياسية جمهورية مخضرمة، إذ إنها تخدم في مجلس الشيوخ منذ عام 1997. وقد أدت مواقفها في السنين الماضية إلى قلب المعادلة في بعض الملفات. إنها بحق لاعب أساسي في المجلس، حيث عُرفت في سنوات حياتها السياسية التي أمضتها على مقاعده باعتدالها وميلها للتفاهم مع الطرف الآخر ما أمكن. ثم إن البعض يصفها بأنها «آخر الناجين من فئة الجمهوريين المعتدلين المنقرضة في شمال شرقي الولايات المتحدة»، وهذا صحيح إذ إنها الممثل الوحيد للجمهوريين في ولايات إقليم نيو إنغلاند الست الذي يحتل الزاوية الشمالية الشرقية للبلاد. ورغم أن كولينز خدمت في المجلس منذ أعوام، فإن ما دفع بها إلى الواجهة هو مواقفها التي تحدّت فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير مرة، وكانت المغردة الوحيدة خارج سرب الحزب في بعض الأحيان.

من زرع البطاطا إلى سن القوانين
ولدت سوزان كولينز لعائلة من أصول آيرلندية في بلدة كاريبو بولاية ماين، التي تحتل أقصى الطرف الشمالي الغربي للحدود مع كندا، حيث شغل كل من والدها وأمها منصب عمدة البلدة. وهي متعلقة جداً بإرثها الآيرلندي، ولذا جمعتها علاقة صداقة قوية بالسيناتور الراحل إدوارد تيد كنيدي (الشقيق الأصغر للرئيس الأسبق جون كنيدي) بسبب «حبهما لوالدتيهما الآيرلنديتين» على حد قولها. وهي غالباً ما تخطّت التجاذبات السياسية، وجمعتها صداقات مع كثيرين من الديمقراطيين بفضل الأصول الآيرلندية المشتركة.
وعلى الصعيد الأسري، لدى كولينز 6 أخوة، ولم تُرزق بأولاد. إذ إنها تزوّجت عام 2012 وهي في التاسعة والخمسين من العمر، من صديقها القديم توماس دافرون، الذي يعمل في إحدى مجموعات الضغط في مجموعة جيفرسون للاستشارات.
عندما كانت كولينز تلميذة في مدرسة كاريبو، اعتادت المدرسة إغلاق أبوابها لثلاثة أسابيع خلال شهر سبتمبر (أيلول) كي يساعد التلامذة المزارعين هناك في جني محصول البطاطا. وأدى هذا إلى صقل شخصيتها، لتغدو في المستقبل من الداعمين الأقوياء للمزارعين. وهي عندما تتحدث عن تجربتها هذه تقول: «أنا محظوظة لأني كبرت وأنا أعمل بجهد وإصرار... وهذه أمور تعكس روح هذا القطاع المتميّز. بالنسبة إلي لا شيء يضاهي رؤية نبتات البطاطا منتشرة على امتداد النظر، والإرث الذي تمثله». وفيما بعد، تلقّت كولينز تعليمها الجامعي وتخرّجت في جامعة سانت لورانس، وهي جامعة خاصة راقية بشمال ولاية نيويورك، عام 1975 حاملة شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية.
أما بالنسبة لمسيرتها السياسية، فإنها بدأتها في العمل مساعدة ضمن فريق السيناتور الجمهوري المعتدل ووزير الدفاع السابق (في عهد بيل كلينتون) ويليام كوهين، وتولّت مسؤوليات محلية في ولاية ماساتشوستس. وعام 1994، كانت المرأة الأولى في تاريخ ولايتها ماين التي كسبت ترشيح حزبها لمنصب الحاكم إلا أنها خسرت في الانتخابات العامة. وبعد ذلك ترشحت لمقعد مجلس الشيوخ وفازت عام 1996، واحتفظت بمقعدها عبر 4 انتخابات متتالية أعوام 2002 و2008 و2014 وأخيراً 2020.

تحديات صحية واعتدال متزن
كثيرون ممن الذين لا يعرفون السيناتورة كولينز جيداً يتساءلون عن سبب البطء الشديد في كلامها، الذي يصل إلى درجة التلعثم. أما السبب وراء ذلك فهو مشكلة صحية تعاني منها، وتؤثر على عضلات الصوت التي تتشنج فجأة فينجم عن تقلصها تقطعاً في الصوت أثناء الكلام، ما يجعل كلامها هذا صعباً على الفهم في بعض الأحيان. مع هذا، لم تمنع هذه المشكلة كولينز من التكلّم بصرامة، وفرض وجودها بقوة في مجلس الشيوخ، فتترأس في عام 2003 لجنة الأمن القومي في المجلس، ثم تصبح في العام 2013 المرأة الأطول خدمة في المجلس عن الحزب الجمهوري. وللعلم، فهي تحتل المركز الثاني في مرّات التصويت عبر تاريخ مجلس الشيوخ، إذ صوّتت ستة آلاف مرة متتالية.
وحقاً، عرفت كولينز باعتدالها منذ تسلمها لمنصبها في مجلس الشيوخ. ففي عام 2017 صنفها «مركز لوغر» المعروف في العاصمة واشنطن (الذي يحمل اسم السيناتور الجمهوري الراحل ريتشارد لوغر تيمناً به) على أنها عضو مجلس الشيوخ «الأكثر اعتدالاً» في دورة الكونغرس الـ115.
وبحسب الأرقام في موقع «فايف ثيرتي آيت»، فإن كولينز الجمهورية دعمت 75 في المائة من مواقف الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق باراك أوباما الديمقراطي، مقابل تصويتها لدعم مواقف ترمب 68 في المائة فقط من المرات، وهي النسبة الأقل بين الجمهوريين في المجلس الذين يدعمون الرئيس الأميركي في معظم مواقفه.

تحدي الرئيس منذ البداية
عند إعلان الرئيس دونالد ترمب نيّته الترشح للسباق إلى الرئاسة عام 2016، لم تتخيل كولينز أنه سيتمكن من انتزاع ترشيح الحزب الجمهوري. إلا أنه، وفي مفاجأة لكثيرين، حصد دعماً كافياً أدى إلى اختياره مرشح الحزب الرسمي. حينذاك، في الثامن من أغسطس (آب) 2016 رفضت كولينز دعمه، وأعلنت أنها لن تصوت لصالحه في الانتخابات الرئاسية. وتابعت في ذلك الوقت، أن قرارها هذا لم يكن سهلاً لأنها انتمت للحزب الجمهوري طوال حياتها، ثم فسّرت موقفها بالقول إنها قرّرت ألا تدعمه لأنها شعرت أنه ليس مؤهلاً لتولّي الرئاسة بسبب «تصرفاته، وبخاصة أنه لا يكترث بمعاملة الآخرين باحترام، ما سينعكس سلباً على سياساته».
وما كان هذا هو الموقف المعارض الوحيد من كولينز إزاء ترمب، بل افتتح سلسلة من المواقف المواجهة له، التي أدت في بعض الأحيان إلى عرقلة أجندته في الكونغرس. إذ صوّتت كولينز ضد المصادقة على تعيينه وزيرة التعليم اليمينية المحافظة بيتسي دي فوس، وانضمت إليها زميلتها الجمهورية الليبرالية عن ولاية ألاسكا السيناتورة ليزا موراكاوسكي، فكانتا بذلك النائبتين الجمهوريتين الوحيدتين اللتين صوّتتا ضد المصادقة. وهذا الأمر، ووفق الدستور، اضطر نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى المجيء إلى مجلس الشيوخ والإدلاء بصوته المرجح الحاسم، وبالتالي، إنقاذ مرشحة الرئيس.
وبعد ذلك بنحو عام، أعربت كولينز عن معارضتها لخطة ترمب والجمهوريين بإلغاء مشروع الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباما كير». وفعلاً صوتت ضد محاولات الإلغاء، معتبرة أن ثمة حاجة للاستعاضة عن المشروع بمشروع بديل قبل إلغائه كلياً. ولقد أدى تصويتها هذا إلى فشل محاولات ترمب في إلغاء «أوباما كير»، وخرق وعده الانتخابي. وكأن كل هذا ما كان كافياً لإغضاب ترمب، فقد صوّتت كولينز عام 2019 لمنع إدارة ترمب من رفع العقوبات عن بعض الشركات الروسية، معتبرة أن أي رفع للعقوبات «سيرسل الرسالة الخاطئة لروسيا وحلفاء الرئيس فلاديمير بوتين».

محاكمات عزل ترمب وكلينتون
شهدت كولينز قضيتي عزل رئيسي جمهورية إبّان فترة خدمتها في مجلس الشيوخ. الأولى في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، والثانية في عهد الجمهوري الحالي ترمب. وصوّتت في القضيتين ضد خلع الرئيسين.
في قضية عزل كلينتون، عام 1990، صوتت كولينز (ومعها من كان قد تبقّى من جمهوريي نيوإنغلاند في المجلس) ضد إدانة الرئيس (يومذاك) كلينتون وعزله. وبرّرت كولينز موقفها بأنه رغم أن كلينتون خرق القانون عبر الكذب على المحققين في قضية مونيكا لوينسكي، فهذه التهم لا ترقى إلى عزل رئيس من الحكم، ثم استعملت الحجة نفسها في قضية ترمب عام 2019.
وحول القضية الثانية، ورغم أن كولينز انضمت إلى زميلها السيناتور الجمهوري ميت رومني (المرشح الرئاسي السابق) في دعم الدعوات لاستدعاء المزيد من الشهود لمحكمة ترمب في مجلس الشيوخ، منهم مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، فإنها وقفت في نهاية المطاف وراء الصف الجمهوري وصوّتت ضد إدانة الرئيس وعزله. وبرّرت موقفها بأن أفعال ترمب «لا تقع في خانة الجرائم والجنح التي قد تؤدي إلى عزل الرئيس». وأردفت: «سأصوت ضد العزل، لأنني لا أعتقد أن تصرفاته وصلت إلى المستوى المنصوص عليه في الدستور لقلب نتيجة الانتخابات وعزل رئيس منتخب».
أيضاً، اعتبرت كولينز أن ترمب «تعلّم درساً كبيراً في إجراءات عزله، وسيكون أكثر حذراً في المستقبل». وتابعت: «الرئيس أدين بالفعل، وهذا درس كبير له»، في إشارة إلى قرار إدانته وعزله في مجلس النواب. وفي المقابل، انتقدت كولينز تصرّفات الرئيس ووصفت اتصاله الشهير بنظيره الأوكراني، محور قضية العزل، بأنه غير مناسب أبداً. وأوضحت: «الاتصال الذي أجراه الرئيس كان غير مناسب. لا يجوز لرئيس الولايات المتحدة أن يطلب من بلد أجنبي فتح تحقيق ضد خصمه السياسي (جو بايدن). هذا غير مناسب (وليس اتصالاً رائعاً)»... وذلك في انتقاد مباشر لوصف ترمب اتصاله أكثر من مرة بأنه «اتصال رائع».
من جانب آخر، كانت كولينز تدرك سلفاً أن تصويتها ضد عزل الرئيس قد يؤثر على حظوظها في الانتخابات التشريعية. وعن هذا الأمر قالت: «متأكدة من أنه سيكون هناك أشخاص غير راضين عني في ماين. لكن عملي لا يقضي باتخاذ قرارات بناءً على الثمن السياسي الذي سأدفعه، بل إن أكون حكماً عادلاً أحترم قسم اليمين الذي أديته».
وبالفعل، صدقت مخاوف كولينز، فخاضت سباقاً حامياً للغاية مع منافستها الديمقراطية سارة غيديون، التي طرحت إبان الحملة الانتخابية ملف تصويت كولينز الداعم لترمب، وتمكنت من جمع أموال طائلة. غير أن كولينز تمكنّت في النهاية من الفوز والاحتفاظ بمقعدها الذي احتلته على مدى 23 سنة.

قضاة المحكمة العليا
في سياق متّصل، لعبت كولينز دوراً مهماً في المصادقة على تعيين قضاة المحكمة العليا اليمينيين المحافظين الذين عيّنهم ترمب. لكنها، في حين صوتت للمصادقة على تعيين القاضي بريت كافاناه في منصبه رغم الاتهامات الموجهة ضده بالتحرّش الجنسي، عارضت تسمية آيمي كوني باريت معتبرة أن التوقيت غير مناسب في الموسم الانتخابي. وفي هذه الحالة الأخيرة، كانت الشيخ الجمهوري الوحيد التي صوّت ضد المصادقة على تعيين باريت يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أي قبل أسبوع تقريباً من يوم الانتخابات الرئاسية.
ورغم أن المجلس (بفضل غالبيته الجمهورية) صادق على تعيين القاضية المحافظة، رغم معارضة كولينز، أثار موقفها هذا حفيظة ترمب الذي علّق: «هناك شائعة بشعة بأن كولينز لن تدعم القاضية الرائعة للمحكمة العليا، وهي لم تدعم إلغاء (أوباما كير) كذلك... إنها غير جديرة بالدعم!». وعلى الأثر، خشي كثيرون أن يكون موقف ترمب هذا هو الضربة القاضية لفرص السيناتورة المخضرمة في إعادة انتخابها.

مواقفها الأخرى البارزة
في موضوع الإجهاض، سوزان كولينز، هي من الجمهوريين القلائل جداً الذين يدعمون حق المرأة بالإجهاض، وعددهم ثلاثة فقط، إلى جانب الجمهوريتين ليسا موركاوسكي (من ألاسكا) وشيلي مور كابيتو (ويست فيرجينيا). إلا أنها رغم دعمها هذا، لم تتردد في دعم تعيين قضاة محافظين يعارضون الإجهاض.
وكانت حجتها في ذلك أنهم لن يسعوا لنقض قرار المحكمة العليا المعروف بـ«رو ضد وايد» الذي يحمي حقوق المرأة في الإجهاض. وهي كانت محقة في تقديراتها، حتى الساعة.
أما في قضايا السياسة الخارجية، فإن كولينز صوتت لصالح حرب العراق عام 2003، لكنها دعمت في عام 2007 الجهود الديمقراطية القاضية بوضع خطة لسحب القوات الأميركية من هناك.
وإزاء الملف الإيراني، عارضت كولينز الاتفاق النووي مع إيران، معتبرة أنه «سيترك طهران قادرة على بناء سلاح نووي بعد انتهاء صلاحية الاتفاق»، وأعربت عن خشيتها من أن إيران ستصبح حينها دولة نووية قوية وخطرة. وفي العام الماضي (2019). وبعدما أسقطت إيران طائرة مسيرة «درون» أميركية، قالت إن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح لإيران بشن هجمات من هذا النوع، وإنها حذّرت من أن «أي تصرف متهوّر من قبل أميركا قد يؤدي إلى حرب في الشرق الأوسط».
وفيما يخص إسرائيل، تُعد كولينز «عرّابة» مشروع قانون «معاقبة مقاطعي إسرائيل»، وهو مشروع يجعل من الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل من قبل أميركيين جريمة فيدرالية يعاقب عليها القانون تحت طائلة السجن لمدة 20 سنة، إلا أن مساعي كولينز أخفقت في تمرير المشروع في الكونغرس.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.