نظام إصغاء ذكي.. يحسن السمع حتى لدى الأشخاص الطبيعيين

وسيلة سمعية جديدة مطورة على أسس علمية

نظام إصغاء ذكي.. يحسن السمع حتى لدى الأشخاص الطبيعيين
TT

نظام إصغاء ذكي.. يحسن السمع حتى لدى الأشخاص الطبيعيين

نظام إصغاء ذكي.. يحسن السمع حتى لدى الأشخاص الطبيعيين

يشكو ملايين الأميركيين من درجة معينة في صعوبة السمع، لكن نسبة قليلة منهم يستعينون بالوسائل المساعدة. ويضع الأشخاص العاملون في هذا المجال بعض اللوم في هذا، على التقنية الخاصة بذلك.
والوسائل المساعدة على السمع باهظة التكلفة، فغالبا ما تباع الوسيلة الواحدة منها بأكثر من ألف دولار. كما أنها، خلافا للنظارات الطبية، لم تكن في يوم من الأيام مجارية للموضة، فعلى الرغم من أن بعض شركات الإنتاج تحاول تغيير الصورة هذه، وفي كيفية استيعابها، لكنها تحمل دائما سمة الشيخوخة والعجز، وهذا مما دفع كثيرين من الذين يعانون من صعوبة في السمع، إلى تحمل معاناتهم، بدل الظهور وهم يضعون هذه الوسائل.

* وسيلة سمع مطورة
لكن مؤسسي شركة تقنية جديدة تدعى «ساوندهوك»Soundhawk حاليا في طريقهم إلى تغيير ذلك؛ فمنذ وقت قريب شرعت في توريد منتجها الأول «سمارت ليسنينغ سيستم» Smart Listening System، الذي يعني «نظام الإصغاء الذكي»، المكون من جهاز ذكي، وتطبيق من شأنه المساعدة في تحسين الأصوات في بعض البيئات العالية الضجيج.
ويباع نظام «سمارت ليسنينغ سيستم» بسعر 300 دولار، ويبدو أشبه بسماعة «بلوتوث»، لكن بدلا من تسهيل إجراء المكالمات الهاتفية، فهو متخم بالميكروفونات والشرائح المتطورة لترجمة الأصوات وفك شفرتها، بغية تضخيم الأصوات المحيطة.
وهذا النظام يتصل بتطبيق للهاتف الذكي، ويتيح لمستخدميه تعديل كيفية عمل الجهاز في بيئات الصوت المختلفة. ومثال على ذلك، تقوم سماعة «ساوندهوك» بتخفيض الأصوات والضجيج الخلفي لدى الجلوس على طاولة الطعام، وبالتالي تضخيم صوت الجالس قبالتك، أما لدى استخدام النظام خارج المنزل، فيقوم بتخفيض صوت صفير الرياح.
ويأتي «سمارت ليسنينغ سيستم» أيضا مع ميكروفون لاسلكي يمكن وضعه على مسافة أقدام قليلة من مستخدمه. ولدى شبكه بعروة الشخص الجالس قبالتك في المطاعم المزدحمة، أو لدى وضعه قريبا من جهاز التلفزيون، يمكن سماع كل ما يلتقطه.
وتعاني الشركة المنتجة كثيرا من محاولة الإشارة إلى أن هذا النظام ليس وسيلة مساعدة على السمع، ولا المقصود منه الأشخاص المعاقون سمعيا، بل هو مصنف من قبل «إدارة الغذاء والدواء الأميركية ((FDA» على أنه «منتج شخصي لتكبير الصوت».
وهنالك كثير من هذه المنتجات في السوق، وغالبيتها ليست نافعة، بل يجري الإعلان عنها تلفزيونيا في أواخر الليل بسعر يقل عن 50 دولارا لكل منها. لكن «ساوندهوك سمارت ليسنينغ سيستم» بالمقابل، صمم من قبل علماء الصوت الذين عملوا في بعض أفضل شركات مساعدة السمع. وكانت الشركة قد استأجرت أيضا بعض موظفي «أبل»، و«أمازون»، وغيرها من الشركات العاملة في ميدان الأجهزة والعتاد، لجعل جهازها عصريا وسهل الاستخدام أيضا. والنتيجة كانت نوعا جديدا من أجهزة السمع، من شأنه تعزيز ما تسمعه الأذنان، حتى ولو كانت تسمعان جيدا في غالبية الأوقات.
«والسوق التي يسعى هذا الجهاز وراءها هم الأشخاص الذين يسمعون جيدا، لكن يجدون أنفسهم أحيانا في مناسبات تتطلب بعض المساعدة، كالمطاعم العالية الضجيج، أو الذين يجدون صعوبة في سماع شيء من بعيد»، وفقا لمايكل كيش مدير «ساوندهوك» التنفيذي.

* «نظارات الأذن»
ويمكن التفكير بـ«سمارت ليسنينغ سيستم» على أنه أشبه بنظارات القراءة، لكن للآذان. وهو خلافا للوسائل المساعدة على السمع، لا يحتاج إلى شرائه من اختصاصي في هذا المضمار، مما يفسر أنه أرخص بكثير من وسائل السمع الأخرى، رغم وجود إلكترونيات متطورة داخله.. «فقد استبدلنا بالمكون الاحترافي منه، تطبيقا يمكن الأفراد من اختيار التضبيطات المناسبة لهم عن طريق تقييم أدائهم»، كما يقول آندرو دونداس خبير السمع والمدير العلمي في «ساوندهوك»، الذي أضاف: «على الرغم من أنني أتمتع بسمع جيد، ولا أحتاج إلى (ساوندهوك) في غالبية حياتي اليومية، فإنني أجد أن مزاعم الشركة في محلها. وتركيب الجهاز كان سهلا، فقد انطوى على تنزيل التطبيق وعملية التوصيل إلى سماعات الأذن، ثم النقر على نقاط مختلفة على شاشة التعديل، لمعرفة أفضل الأصوات بالنسبة إليّ، أو بالنسبة لأي شخص آخر معني. بعد ذلك، بت مستعدا لاستخدام النظام.. وبالنسبة إليّ، ففد كان أفضل استخدام له هو التلفزيون الذي أشاهده في الليل، عندما يكون أطفالي نياما. وهذا يعني ألا أرفع الصوت كما أحب أحيانا؛ إذ ومع وجود (ساوندهوك) على أذني، والميكروفون البعيد قرب جهاز التلفزيون، حلت المشكلة. وكان الغريب في البداية سماع تضخيم الصوت في أذن واحدة فقط، لكن بعد دقائق قليلة شعرت أن (ساوندهوك) بات قريبا من سمعي الطبيعي».
والمشكلة الوحيدة مع «ساوندهوك» في مظهره الخارجي، لأنه شبيه بسماعة «بلوتوث»، وحتى إنه يعمل مثلها، مجيزا لك إجراء المكالمات الهاتفية، لكن له سمة تختلف عن تلك الخاصة بوسائل مساعدة السمع، فالناس غير معتادين على التحاور والتناقش معك إن كنت تضع على أذنيك سماعة. لذا عندما ترغب في مقابلة أحدهم، فعليك أن تشرح ما هو «ساوندهوك»، حتى لا يأخذ عليك بعضهم، بعض السطحية في التعامل مع الآخرين. وكان من الأفضل في الواقع، لو كان هذا الجهاز أكثر صغرا، وأقل ظهورا أمام الآخرين.

* خدمة «نيويورك تايمز»



مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.