أجندة بايدن السياسية والاقتصادية مرهونة بنتائج «الشيوخ»

خلافات حزبية عميقة قد تجبره على إعادة ترتيب أولوياته

أطفال يشاركون في احتفالات بفوز بايدن في أتلانتا بولاية جورجيا في 7 نوفمبر (رويترز)
أطفال يشاركون في احتفالات بفوز بايدن في أتلانتا بولاية جورجيا في 7 نوفمبر (رويترز)
TT

أجندة بايدن السياسية والاقتصادية مرهونة بنتائج «الشيوخ»

أطفال يشاركون في احتفالات بفوز بايدن في أتلانتا بولاية جورجيا في 7 نوفمبر (رويترز)
أطفال يشاركون في احتفالات بفوز بايدن في أتلانتا بولاية جورجيا في 7 نوفمبر (رويترز)

يعكف الفريق المعاون للرئيس المنتخب جو بايدن على وضع مجموعات متنوعة من مقترحات السياسات المتعلقة بالاقتصاد والرعاية الصحية والتغييرات المناخية وقضايا داخلية أخرى، بما في ذلك الأجندة الطموحة التي أعلنها بايدن خلال حملته الانتخابية التي انتهت بفوزه بالرئاسة، في الوقت الذي يقرون فيه بإمكانية اضطرارهم إلى تقليص هذه المقترحات بسبب انقسام الحكومة.
وبذلك، فإن سياسات الإدارة الجديدة تعتمد بشدة على نتائج انتخابات مجلس الشيوخ في جورجيا، مطلع يناير (كانون الثاني).
حال فوز الديمقراطيين في كلا السباقين، يقول مساعدون مقربون من بايدن وخبراء اقتصاديون عاونوا في تقديم المشورة إلى حملته، إن الرئيس المنتخب سيحاول دفع خطة تحفيز اقتصادي ضخمة للإسهام في تعافي الاقتصاد، مع احتمال أن تتوافق قيمتها مع 2.2 تريليون دولار، والتي أقرها الديمقراطيون في مجلس النواب هذا الخريف.
وتبعاً لهذا السيناريو، ستتضمن خطة التحفيز الاقتصادي الخاصة ببايدن مئات مليارات الدولارات الموجهة لحكومات الولايات والحكومات المحلية التي فقدت عائدات ضريبية في خضم حالة الركود التي سببتها جائحة فيروس «كورونا»، مع تمديد أجل إعانات البطالة للأشخاص الذين فقدوا وظائفهم أثناء الأزمة، وإقرار موجة جديدة من المساعدات للشركات الصغيرة.
إضافة إلى ذلك، يعكف الفريق المعاون لبايدن على صياغة برنامج تنموي حكومي تحت عنوان «هيئة وظائف الصحة العامة»، من شأنها توظيف 100000 أميركي بمجال إجراء اختبارات وتتبع الاتصال فيما يخص الفيروس.
ومن شأن فوز الديمقراطيين بأغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ منح بايدن فرصة تمرير الزيادات الضريبية التي يقترحها على الشركات والأثرياء، وهي زيادات ضريبية من المقرر استخدامها في تمويل الخطط الأكثر طموحاً للرئيس المنتخب مثل إعادة بناء الطرق والجسور، والإسراع من وتيرة الانتقال إلى قطاع طاقة خالي من الكربون ومعاونة الأميركيين في الحصول على رعاية صحية بتكلفة معقولة.
إلا أنه حال فوز الجمهوريين ولو بمقعد واحد في جورجيا، فإن الاحتمال الأكبر حينها أن بايدن سيحتاج إلى الاكتفاء بسلسلة من الإجراءات التنفيذية التي ستحقق تقدّماً تدريجياً نحو أهدافه المنشودة، مع العمل في الوقت نفسه على إبرام اتفاقيات تسوية مع السيناتور عن ولاية كنتاكي، ميتش مكونيل، زعيم الأغلبية.
ويكاد يكون في حكم المؤكد أن زيادة الضرائب، ولو فيما يخص مفرطي الثراء، سيجري استبعادها تماماً من طاولة التفاوض، وكذلك توسيع نطاق قانون الرعاية الصحية بهدف منح مزيد من الأميركيين القدرة على الانضمام للبرنامج الحكومي للتأمين مثل «ميديكير». في الوقت ذاته، سيستمر بايدن في الضغط من أجل تمرير مشروعات قوانين تتعلق بالبنية التحتية والرعاية الصحية، حسبما ذكر خبراء اقتصاديون مقربون منه، لكنه من غير المحتمل أن يفوز بتأييد لكامل أجندته المرتبطة بهذه المجالات.
ومن أجل توفير أكبر قدر من المساعدة الاقتصادية للأفراد والشركات والحكومات المحلية والولايات التي يعتقد فريقه أنها ضرورية للحفاظ على التعافي الاقتصادي، يمكن أن يضطر بايدن لإعادة ترتيب على نحو مبتكر لوجهات إنفاق الأموال التي لم تنفق بعد من حزمة التحفيز المعتمدة مسبقاً، على غرار الخطوة التي انتقدها الديمقراطيون عندما تحرك الرئيس ترمب هذا العام لإعادة تخصيص التمويل الفيدرالي لمواجهة الكوارث باتجاه توفير إعانات بطالة إضافية.
من جهتهم، يقول مساعدو بايدن إن فريقه الانتقالي يعمل على مجموعة متنوعة من خطط الطوارئ حسب الظروف الاقتصادية، بما في ذلك ما إذا كانت الزيادة الأخيرة في حالات الإصابة بالفيروس تضر بالإنفاق الاستهلاكي، وعلى سيطرة الحزب على مجلس الشيوخ. كما يمضي الفريق قدماً في تحديد المرشحين النهائيين للتعيينات في المناصب الوزارية الرئيسية والمناصب الأخرى، والتي سيجري الإعلان عن كثير منها قبل جولة الإعادة في جورجيا.
في هذا الصدد، قال ستيف فيلدمان مدير حملة بايدن لشؤون السياسات إن «الفريق الانتقالي للرئيس المنتخب بايدن يعج بالخبراء الذين يشاركون في هذه اللحظة في العمل على تجسيد مقترحات سياسة حملة بايدن - هاريس، في صورة إجراءات تنفيذية ومقترحات تشريعية قابلة للتنفيذ». وأضاف: «ستكون إدارة بايدن - هاريس مستعدة للعمل منذ اليوم الأول على جميع السيناريوهات، بما في ذلك النتائج المحتملة المختلفة لجولات الإعادة في جورجيا».
جدير بالذكر أن جورجيا تتجه إلى جولة الإعادة لأن أياً من المرشحين لمقعدين في مجلس الشيوخ لم يفز بنسبة 50 في المائة من الأصوات، وهي العتبة القانونية التي تحددها الولاية. وفي 5 يناير، من المقرر أن تجري الولاية انتخابات أخرى، يخوضها السيناتور الجمهوري ديفيد بيرديو، في مواجهة الديمقراطي جون أوسوف، وعضوة الحزب الجمهوري كيلي لوفلر، في مواجهة القس رافائيل جي وارنوك من الحزب الديمقراطي.
ومن المعتقد أن هذه السباقات ستكون تنافسية ومرتفعة التكلفة، ما يعكس مكانة جورجيا الجديدة كساحة معركة والمخاطر الكبيرة التي تحملها النتيجة في طياتها. علاوة على ذلك، فإن السباق الرئاسي هناك لم يحسم بعد؛ حيث يتقدم بايدن على ترمب في الوقت الراهن بأكثر من 14000 صوت داخل الولاية، التي صوتت للجمهوريين في كل انتخابات رئاسية منذ عام 1992.
من جهته، أمر مسؤول الشؤون الخارجية داخل جورجيا عن الحزب الجمهوري، الأربعاء، بإعادة فرز الأصوات يدوياً، وهي خطوة دافع عنها ترمب، لكن مسؤولين قالوا إنه من غير المرجح أن تمحو تقدم بايدن.
من ناحيته، قال السيناتور تشاك شومر من نيويورك، الزعيم الديمقراطي: «إن الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي ستكون أكبر عامل في مساعدة الرئيس المنتخب بايدن على تلبية احتياجات الأسر العاملة في جميع أنحاء البلاد».
ومن شأن هذه الأغلبية منح الديمقراطيين القدرة على تمرير تشريعات معينة دون المخاطرة بالتعرض لمحاولات تعطيل من جانب الجمهوريين، وذلك من خلال استخدام نفس المناورة التي استخدمها ترمب وحزبه لتمرير تخفيضات ضريبية كاسحة عام 2017 دون تصويت ديمقراطي واحد لصالحها. ويكاد يكون من المؤكد أنها ستكون وسيلة بايدن لتحقيق معظم طموحاته في مجالات مثل البنية التحتية والتعليم والتغييرات المناخية. كما ستسمح له هذه المناورة برفع الضرائب على الشركات والأثرياء، الأمر الذي يبدو شبه مؤكد أن الجمهوريين سيرفضونه.
في هذا السياق، أوضحت هايدي شيرهولز الخبيرة الاقتصادية السابقة في وزارة العمل في عهد الرئيس باراك أوباما، ومديرة السياسة في معهد السياسات الاقتصادية الليبرالية في واشنطن: «يبدو الأمر وكأنه كل شيء. إذا كانت النسبة 50 - 50 في مجلس الشيوخ بعد انتخابات جورجيا، فسيكون الديمقراطيون قادرين على دفع شيء جوهري بإمكانه حقاً تعزيز الاقتصاد. إذا لم يكن الأمر كذلك، لن يكون من الممكن إنجاز ذلك».
في حين أن الخطة التي طرحتها حملة بايدن كانت أقل تكلفة واتساعاً من منافسيه في السباق الأساسي الديمقراطي، فإنها تميزت بإنفاق حكومي جديد وزيادات ضريبية مستهدفة - بالقيمة الدولارية - تفوق أي مرشح ديمقراطي قبله.
سيتطلب كثير من أجندة السياسة الداخلية الخاصة بحملته إجراءات من قبل الكونغرس، بما في ذلك كثير من السياسات الاقتصادية التي سلط عليها الضوء فريق بايدن الانتقالي في الأيام الأخيرة.
وتبدأ القائمة باقتراح تحفيزي يتوافق بشكل وثيق مع حزمة من مليارات الدولارات، وافق عليها الديمقراطيون في مجلس النواب هذا الخريف، على الرغم من أنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق مع مسؤولي إدارة ترمب ومكونيل من أجل المصادقة على مشروع القانون.
كما تدعو أجندة بايدن الأكبر حجماً إلى تشريع جديد، فهو يرغب في تمرير مشروع قانون البنية التحتية الذي يتضمن توسيع نطاق خدمة الإنترنت إلى داخل المناطق الريفية وزيادة الإنفاق الفيدرالي على أبحاث الطاقة النظيفة. كما يسعى إلى تمويل نظام شامل لروضة الأطفال، ومزايا الضمان الاجتماعي المعززة والائتمانات الضريبية الموسعة لتغطية التأمين الصحي. كما يسعى إلى رفع الحد الأدنى الفيدرالي للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة من 7.25 دولاراً والتيسير على العمال بناء نقابة عمالية.
لتعويض هذا الإنفاق الجديد، يسعى بايدن للحصول على موافقة الكونغرس لرفع الضرائب على الشركات، خاصة الشركات متعددة الجنسيات، والأفراد الذين يكسبون أكثر عن 400 ألف دولار سنوياً.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه ستظل أجزاء من هذه الأجندة ممكنة بالنسبة لبايدن دون سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ. وما تزال المجموعات الممثلة لأعمال تجارية تأمل في أن يتمكن هو ومكونيل من التوصل إلى اتفاق بشأن فاتورة تحفيز مخففة وحزمة بنية تحتية، ربما في شكل مشروع قانون جديد يعنى بالطرق السريعة.
أيضاً، باستطاعة بايدن دفع الإجراءات التنفيذية لإعادة تشكيل التنظيم التجاري والمالي وسياسة الطاقة، من بين أمور أخرى. من ناحيته، قال كيمبرلي كلاوزينغ، الخبير الاقتصادي في كلية ريد في ولاية أوريغون، والذي قدم المشورة بشأن السياسة الضريبية لحملة بايدن، إن وزارة الخزانة يمكن أن تستخدم سلطتها التنظيمية لقضم حوافّ السياسة الضريبية، بما في ذلك تحويل دفة جهود إنفاذ القانون للتركيز أكثر على أصحاب الدخل المرتفع والشركات التي تتهرب من المسؤولية الضريبية.
تضمنت أجندة حملة بايدن مجموعة واسعة من الإجراءات التنفيذية المحتملة، مثل وضع متطلبات جديدة على الشركات الساعية للحصول على عقود فيدرالية لتعزيز أجور أعلى والمساواة العرقية. كما تضمنت خطة لتوجيه 400 مليار دولار من المشتريات الفيدرالية إلى المنتجات المصنوعة في الولايات المتحدة، وفرض معايير جديدة صارمة للاقتصاد في استهلاك الوقود لمكافحة التغييرات المناخية.
إلى ذلك، يستكشف مستشارو بايدن في العملية الانتقالية كيف يمكن إعادة توظيف أموال التحفيز المخصصة سابقاً، والتي لم تنفق بعد لمساعدة الأفراد والشركات. ويخشى اقتصاديون ليبراليون وكثير من النشطاء التقدميين من أن هذا السيناريو سيعرض الاقتصاد لخطر التعافي البطيء في وقت مبكر من ولاية بايدن.
في هذا الصدد، قال مايكل ليندين، المدير التنفيذي لشركة «غراوندوورك كولابوراتيف»: «كي أكون أميناً وواقعياً تماماً، هذا أمر هائل. بيد أن هذا لا يعني أنه إذا فاز الديمقراطيون بمجلس الشيوخ، فإن كل أحلامهم تتحقق، وإنما يعني أنه بدلاً عن الاضطرار إلى تقديم تنازلات كبيرة لميتش مكونيل لحمله على التفكير في القيام بشيء ما، سيصبح باستطاعتهم في الواقع تمرير بعض الأشياء لتحسين حياة الناس».
في المقابل، نجد أن مجموعات الأعمال وكثيراً من الاستشاريين في واشنطن يرحبون بإمكانية وجود حكومة منقسمة، لما تحمله في طياتها من تهديد ضئيل بزيادة الضرائب على عاتق الشركات.
في هذا الصدد، قال جون غيميليانو، عضو مجلس النواب السابق عن الحزب الجمهوري، والذي كان معنياً بالضرائب، والذي يعمل حالياً لدى «كيه بي إم جي» في واشنطن: «علينا أن نقلص سقف توقعاتنا في هذا السيناريو. إننا اليوم ننظر باتجاه مقترحات أكثر تواضعاً وأكثر قدرة على الفوز بتأييد الحزبين. وكي أكون أميناً، ربما لا يكون هذا أمراً سيئاً بالضرورة».
- خدمة «نيويورك تايمز»



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.