بايدن يشكل «الانتقالي» ولا يتجاوب مع اتهامات ترمب

جورجيا تعيد الفرز يدوياً... وولايات تستعد للمصادقة

ترمب شارك في إحياء يوم المحاربين القدامى بمقبرة أرلينغتون الوطنية أمس (إ.ب.أ)
ترمب شارك في إحياء يوم المحاربين القدامى بمقبرة أرلينغتون الوطنية أمس (إ.ب.أ)
TT

بايدن يشكل «الانتقالي» ولا يتجاوب مع اتهامات ترمب

ترمب شارك في إحياء يوم المحاربين القدامى بمقبرة أرلينغتون الوطنية أمس (إ.ب.أ)
ترمب شارك في إحياء يوم المحاربين القدامى بمقبرة أرلينغتون الوطنية أمس (إ.ب.أ)

تلافى الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن الخوض في أي جدال بشأن رفض الرئيس دونالد ترمب الإقرار بنتائج الانتخابات، واصفاً عدم اعتراف خصمه بالهزيمة بأنه «مخجل»، ومؤكداً أن ذلك لن يعيق العملية الانتقالية إلى البيت الأبيض، رغم امتناع الإدارة الجمهورية عن التعاون مع فريق الرئيس الديمقراطي من أجل الوصول إلى الموارد الرئيسية.
ولم تصدر إدارة ترمب بعد التصنيف التقني الروتيني النموذجي الذي يسمح لموظفي بايدن بالاطلاع على معلومات سرية مفصلة، وبإرسال ممثلين عنه للعمل مع الوكالات الحكومية، وبجعل وزارة الخارجية تيسر المكالمات مع الزعماء الأجانب. وكذلك يمكن أن يعيق هذا التأخير اختيار بايدن لأعضاء حكومته؛ لأن القدرة على الاستقصاء عنهم والحصول على التصاريح الأمنية مجمدة.
وبمناسبة يوم قدامى المحاربين، غرد بايدن على «تويتر»: «اليوم، نكرم خدمة أولئك الذين ارتدوا الزي الرسمي للقوات المسلحة للولايات المتحدة. إلى قدامى المحاربين الفخورين، سأكون قائداً عاماً يحترم تضحياتكم، ويفهم خدمتكم، ولن أخون أبداً القيم التي ناضلتم بشجاعة للدفاع عنها».
وكان قد تعهد «العمل بشكل صحيح». وأكد من مدينة ويلمينغتون بولاية دالاوير أن فريقه يمكنه العمل من دون هذه الموارد، مضيفاً أنه لا يخطط لاتخاذ إجراء قانوني في محاولة لإجبار إدارة ترمب على إعلان أنه الفائز في الانتخابات. وقال: «أنا واثق من حقيقة أن عدم استعدادهم للاعتراف بفوزنا في هذه المرحلة ليس له عواقب كبيرة على تخطيطنا، وعلى ما يمكننا القيام به من الآن وحتى 20 يناير (كانون الثاني) المقبل»، مستدركاً أنه «من المستحسن» الحصول على المعلومات السرية المعتادة لفريق الرئيس المنتخب؛ لكن المسألة «ليست حرجة». وأكد أيضاً أن فريقه الانتقالي يمكن أن يعمل من دون ملايين الدولارات من الأموال الحكومية التي سيتلقاها لإنشاء إدارة جديدة.
وعندما سُئل عن العمل مع الجمهوريين الذين لا يزالون يرفضون الاعتراف بفوزه، لفت بايدن إلى الضرورة الملحة والحاجة إلى تمرير حزمة إغاثة من فيروس «كوفيد- 19»، مضيفاً أن «الناس بحاجة إلى الإغاثة في الوقت الحالي. الشركات الصغيرة، الأشخاص الذين على وشك أن يُطردوا من منازلهم لأنهم لا يستطيعون دفع رهنهم العقاري، والتأمين ضد البطالة». وأكد أنه «إذا لم نتدارك الفشل في تقديم المساعدة الحكومية والمحلية، فسنرى ضباط الشرطة ورجال الإطفاء والمستجيبين الأوائل يسرحون من أعمالهم».
وأشار بايدن إلى أنه يتطلع إلى «مفاوضات» مع زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل في شأن اختيار الوزراء في حكومته. وتلقى بايدن سلسلة مكالمات من حلفاء دوليين. وكانت رسالته إلى نظرائه أن «أميركا عائدة. سنعود إلى اللعبة. أميركا ليست وحدها».
- فريق بايدن الانتقالي
وأتت هذه التعليقات المدروسة من بايدن في وقت يستعد فيه لمواجهة الأزمات الوطنية المتنافسة التي تهدد بشكل فعال صحة وسلامة وأمن ملايين الأميركيين، بغض النظر عن الجدل السياسي، إذ تزداد الإصابات بفيروس «كوفيد- 19» وحالات الاستشفاء والوفيات، بينما يواجه الاقتصاد احتمال حدوث أضرار طويلة الأجل، مع تفاقم الانقسامات السياسية والثقافية في البلاد.
وعلى الرغم من رفض الجمهوريين التعاون في العملية الانتقالية، أعلن الفريق الانتقالي للرئيس المنتخب أسماء نحو 500 من الأشخاص الذين سيعملون على إعداد الإدارة القادمة للسيطرة على السلطات الفيدرالية. ونشر الموقع الخاص لبايدن ونائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس أسماء الذين سيعملون مع الوكالات الحكومية المختلفة، بدءاً من مكتب الحماية المالية للمستهلكين إلى جهاز الأمن الداخلي وخدمة البريد الأميركية. وسيعمل هؤلاء خلال الفترة الانتقالية بصفة تطوعية مع المسؤولين المهنيين داخل الحكومة، لإعداد إدارة بايدن لتولي المسؤولية؛ لكن الفريق الانتقالي يعتقد أن في إمكانه إنجاز العمل حتى من دون الوصول الكامل.
وقال السيناتور السابق تيد كوفمان الذي يشارك في هذه الجهود: «إن عملية المراجعة ستساعد في إرساء الأساس لمواجهة التحديات في اليوم الأول». وأشار بيان الفريق الانتقالي إلى أنه بينما تنتظر إدارة الخدمات العامة للتأكد من نتائج الانتخابات، سيلتقي هؤلاء الموظفون «مسؤولين من مراكز الأبحاث، ومجموعات العمل، والجمعيات التجارية، وغيرها من المنظمات غير الحكومية». وأفاد بأنه «بمجرد أن تتأكد مسؤولة إدارة الخدمات العامة من نتائج الانتخابات، سيعمل أعضاء الفريق الانتقالي مباشرة مع الموظفين في الوكالات الفيدرالية لضمان أن تكون إدارة بايدن - هاريس المقبلة قادرة على تحقيق أهداف سياسة الرئيس المنتخب ونائبة الرئيس المنتخبة، بشكل فعال».
- ترمب يواصل التحدي
وسلك الرئيس ترمب خطاً محدداً يكرر فيه أنه حصل على «أصوات قانونية» أكثر من تلك التي نالها خصمه، وأن فرز الأصوات في الولايات المتأرجحة شابته «عيوب» و«مفاسد»، مدعياً في الوقت ذاته أن هناك مسؤولين انتخابيين وقضاة على مستوى الولايات والقضاء الفيدرالي على استعداد لتوليه ولاية ثانية. وغرد على «تويتر» مجدداً ليهاجم استطلاعات الرأي، وليشير إلى حالات غش واحتيال في انتخابات ولايتي بنسلفانيا وويسكونسن خصوصاً، علماً بأنه وجه اتهامات سابقة عن تزوير في ولايات جورجيا ونيفادا وأريزونا.
من جهته، توقع وزير الخارجية مايك بومبيو أنه سيكون هناك «انتقال سلس، إلى أربع سنوات أخرى لترمب في السلطة». وخلافاً لاتهامات حملة ترمب، أفاد مسؤولو الانتخابات من كلا الحزبين، علناً، بأن الانتخابات سارت على ما يرام. وهذا ما أكده أيضاً المراقبون الدوليون لجهة عدم وجود مخالفات خطيرة، علماً بأن القضايا التي أشارت إليها حملة ترمب وحلفائه نموذجية في كل انتخابات: مشكلات في التواقيع، ومغلفات السرية، والعلامات البريدية على بطاقات الاقتراع بالبريد، فضلاً عن احتمال حدوث خطأ أو فقدان عدد صغير من بطاقات الاقتراع. وبسبب تقدم بايدن على ترمب بهوامش واسعة في الولايات المصنفة «ميادين معارك» انتخابية رئيسية، يستبعد أن يكون لأي من هذه القضايا أي تأثير على نتيجة الانتخابات.
وواصلت الولايات الست التي هدد فيها ترمب بالطعن، مسيرتها نحو إعلان النتائج. وأقر مستشارو الرئيس المنتهية ولايته، سراً، بأن فوز الرئيس المنتخب ليس مسألة «إذا»؛ بل «متى»، رغم تغريدات ترمب عن «تزوير شوَّه الانتخابات» في أريزونا وجورجيا ونيفادا وبنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن. وتسربت معلومات عن أن مساعدي الرئيس، وبينهم كبير موظفي البيت الأبيض مارك ميدوز، ورئيسة اللجنة الوطنية الجمهورية رونا مكدونيل، والمستشار غير الرسمي كوري ليفاندوفسكي، عبَّروا عن قلقهم حيال فرص نجاح الدعاوى القضائية ما لم يظهر مزيد من الأدلة. وفي أريزونا، ستذهب النتائج إلى وزير خارجية الولاية الذي يجب أن يصادق عليها بحلول 30 نهاية الشهر الحالي. ويتطلب القانون في ولاية ميشيغان الحصول على الشهادة في 23 الجاري. وفي نيفادا 24 منه. أما في ويسكونسن فيكون عادة في 1 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ولا يوجد موعد نهائي في بنسلفانيا، ولكن يجب على المقاطعات التصديق على نتائجها بحلول 23 من الشهر الجاري. وقال عديد من مسؤولي الانتخابات وعلماء القانون، إن ترمب لا يستطيع فعل الكثير لوقف العملية.
- فرز يدوي في جورجيا
وقال مسؤول في الحزب الجمهوري في جورجيا، إنه «لا يوجد دليل على انتشار تزوير الناخبين». وستصدر النتائج النهائية في جورجيا غداً في 13 نوفمبر (تشرين الثاني). وبعد ذلك يجب أن يصدق وزير خارجية الولاية براد رافينسبيرغر، وهو جمهوري، على النتائج في موعد أقصاه 20 نوفمبر.
وفي خطوة كانت مقررة سابقاً، سمح وزير خارجية جورجيا الجمهوري براد رافنسبيرغر بإعادة فرز الأصوات يدوياً في الولاية؛ غير أن أحد مسؤولي الانتخابات هناك استبعد أن يؤدي ذلك إلى محو تقدم الرئيس المنتخب بايدن على ترمب.
ويتقدم بايدن حالياً بأكثر من 14 ألف صوت في الولاية. وقال رافنسبيرغر: «مع ضيق الهامش، سيتطلب الأمر إعادة فرز كاملة يدوياً في كل مقاطعة»، مضيفاً أن ذلك «سيكون عبئاً ثقيلاً»؛ لكنه أكد أن إعادة الفرز ستمنح المتشككين حساباً لا جدال فيه بحلول الموعد النهائي في 20 نوفمبر للتصديق رسمياً على الانتخابات، معلناً أن مراقبين من كلا الطرفين سيكونون حاضرين في كل خطوة من العملية. وحتى لو فاز ترمب بجورجيا، فسيبقى بايدن الذي يمتلك حالياً 279 صوتاً في المجمع الانتخابي، هو الرئيس المنتخب.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».