كل الكتّاب عميان يحتاجون إلى عيني امرأة تقرأ

«القارئ الأخير» لريكاردو بيجيليا

دوستويفسكي
دوستويفسكي
TT

كل الكتّاب عميان يحتاجون إلى عيني امرأة تقرأ

دوستويفسكي
دوستويفسكي

من عنوانه يبدو كتاب الأرجنتيني ريكاردو بيجيليا «القارئ الأخير» نصاً آخر حول القراءة التي باتت باباً جذاباً من التأليف، لكنه أوسع من ذلك. هو في الحقيقة عن الكتابة، عن ماهية الأدب، يتوقف فيه مطولاً أمام نصوص تولستوي، وجيمس جويس، وكافكا، وإدغار آلان بو، وسرفانتيس بالطبع. وضمن هذه الوقفات المطولة، يستشهد بكثير من النصوص الأخرى. وهو بالقدر نفسه كتاب عن قارئ الأدب في ظروفه المختلفة، وعن القارئ داخل الرواية.
صدر الكتاب هذا الشهر عن منشورات المتوسط، في ترجمة عن الإسبانية أنجزها الروائي المصري أحمد عبد اللطيف.
وفي واحدة من أعلى مطالع الكتب، يبدأ بيجيليا بحكاية عن مصور فوتوغرافي يحتفظ بنموذج مصغر لمدينة شيده بطريقته الخاصة لكي تبدو مدينته قريبة متعددة، بعيدة هائمة، تبدو فيها الميادين والشوارع والضاحية التي تتلاشى وتضيع في الحقول؛ المدينة الصغيرة هي بوينس آيرس معدلة ومصابة بالجنون، وخاضعة لرؤية بانيها.
يعيش الرجل من التصوير، أي من مهنة تمثيل واختزال للواقع، ويخرج من بيته نادراً، ويعمل دورياً على إعادة تشييد الجهة الجنوبية من مدينته بعد أن يطمسها الفيضان في كل خريف، وبهذا يتجاوز نموذجه علاقات «التمثيل» بين بوينس آيرس الواقعية ونموذجها المصغر، لتبدو المدينة الحقيقية هي المختبئة في بيته، وتبدو الأخرى مجرد سراب أو ذكرى!
يسمح المصور للراغبين برؤية مدينته الصغيرة، لكنه لا يسمح إلا بزائر وحيد في كل مرة، وهكذا خلق الرجل عالماً موازياً يتطابق مع مفهوم عزرا باوند عن الكتابة، ومفهوم كلود ليفي شتراوس عن الفن بصفته نموذجاً معقداً عن الواقع، يختلف عنه بأنه يعمل على نطاق صغير.
وبعد أن يضعنا بيجيليا أمام شرط العزلة الضروري لدخول نطاق القراءة الصغير، يسأل: ما القارئ؟ في صورة فوتوغرافية يجلس بورخيس مقرفصاً في دهليز، وفوق عينيه كتاب يحاول فك رموز حروفه. هو القارئ الأخير الذي واصل القراءة حتى فقد نور عينيه.
مدمن القراءة والقارئ المتيقظ دائماً يعدهما الكاتب تمثيلين متطرفين لما تعنيه قراءة نص، ويمثلان تجسيدات سردية لحضور القارئ المعقد في الأدب. هذا النوع يستحق أن نسميهم القراء الأنقياء، حيث لا تكون القراءة مجرد ممارسة لنشاط، بل أسلوب حياة. وبالتركيز على أشكال ولحظات التلقي، يحدد ريكاردو بيجيليا مشروعه بصفته كتابة عن القارئ، لا القراءة.

قارئ القارئ
أصل القارئ المنعزل هو بورخيس الذي سيعود إليه الكاتب دائماً، وهذا طبيعي، فذلك هو الرجل الذي وحَّد بين فعلي القراءة والكتابة، حيث يقوم مشروعه على قصص كانت موجودة من قبل، تدخل إلى بورخيس القارئ بشكل وتخرج من بورخيس الكاتب بتضعيفات لعبة المرايا التي يلعبها جيداً.
القارئ بورخيس والقارئ الذي اخترعه يقيمان في النص انطلاقاً من الفضاء الذي يفتحه بين الكلمة والحياة. بورخيس هو القارئ الأكثر إبداعاً منذ دون كيخوتة، وهو القارئ الأكثر تراجيدية، ليس كقارئ كافكا الذي يجلس في غرفة تطل على جسور براغ في ظلام الليل، لكنه قارئ في تيه مكتبة، يقرأ سلسلة من الكتب، وليس كتاباً معزولاً، قارئ مبعثر في اقتفاء الأثر داخل نص. وثمة شيء مفقود أو مستبعد يقطع انسجام النص، وفي ذلك الغامض تكمن الفنتازيا، ويجد القارئ نفسه في مواجهة التكاثر واللانهائية. من هذا التوليد الذي يقوم به القارئ، نشأ رفض بورخيس للاعتقاد بانغلاق فرصة الكتابة أمام الأجيال: «اليقين بأن كل شيء قد كُتب يلغينا، ويحولنا إلى أشباح»، لهذا كان حريق المكتبة في نصوصه هاجساً براحة مستحيلة.

كافكا والناسخة
في يومياته، يصف كافكا الآنسة فيليس باور التي التقى بها في بيت صديقه ماكس برود عندما ذهب ليُسلمه مخطوط كتابه الأول عام 1912: «بدت لي خادمة. لم أشعر بأدنى حد من الفضول لأعرف من هي، لكني في الحال تفاهمت معها». يبدأ في مراسلتها. هكذا يحافظ على عزلته، ويستحضر المرأة إلى تلك العزلة بالصفة التي يريدها هو: المرأة القارئة. يختبرها بقراءة الخطابات أولاً، بعد ذلك تصبح قارئة للمخطوطات. القارئة الخادمة التي يجب أن تظل مقيدة إلى كتابته. وهكذا تصبح المرأة الصورة العاطفية التي تسمح بتوحيد الكتابة مع الحياة.
وفي ليلة اللقاء الأولى، يتلقى كافكا هدية أخرى عندما يكتشف أن الآنسة ناسخة، فتتحول من صورة المرأة التي تقرأ إلى صورة المرأة التي تنسخ النصوص على الآلة الكاتبة التي شاعت في ذلك الوقت، ولا يستطيع أن يستعملها بنفسه، لأن ضرباتها تقطع خط إلهامه؛ المرأة صارت آلة نسخ.
ثمة صور للمرأة بصفتها آلة نسخ قبل كافكا. آنا غريغوري سنيتكينا، ناسخة الاختزال التي التقى بها دوستويفسكي في أكتوبر (تشرين الأول) 1866 ليملي عليها رواية المقامر، وبعد شهر طلب يدها ثم تزوجها في فبراير (شباط) من العام التالي. وفيرا نابوكوف، المرأة التي تمشي بمسدس لتحمي زوجها، وتساعده في دروسه، وهي قبل كل شيء ناسخة نصوصه. ثمة علاقة شبيهة تربط بورخيس بالنساء، قارئات وناسخات، ومن ملاحظة أن بورخيس كان أعمى، ينتهي بيجيليا إلى الخلاصة: كل الكُتّاب عميان، تعوزهم نظرة شخص آخر، نظرة امرأة عاشقة تقرأ.

القراءة والجريمة
أحدث تمثيل لصورة القارئ هو المتحري السري، ليس بصفته الرمزية قارئ بصمات، بل لأن هذا النوع الأدبي ولد في مكتبة. المشهد الأول في رواية إدغار آلان بو «جرائم شارع مورج - 1841» التي أسست لرواية الجريمة يجري في مكتبة بشارع مونمارتر، حيث يتعرف الراوي مصادفة على أوجست دوبين، كلاهما يبحث عن كتاب نادر رفيع، لا نعرف ما هو مثلما لا نعرف الكتاب الذي كان هاملت يقرأه حين زاره شبح أبيه.
دوبين رجل أدب مهووس بالكتب، معزول اجتماعياً. وهذا شرط يميز رجل التحري عن البشر العاديين، شخص لا يقيم علاقات مع المجتمع، وليست لديه أسرة، وهذه صورة كافكا المنعزل. هي صورة العازب في فضاء استقلال متطرف، شرط لامتلاك رجل التحري القدرة على القراءة والتحليل. ويتابع بيجيليا حضور الأدب والقراءة في الرواية البوليسية لدى كثير من الكتاب بعد بو.

القراءة باب الموت
القراءة في أوقات الخطر. القراءة المتطرفة، خارج المكان، في ظروف الخسارة، ظروف الموت، أو أياً كان التهديد بالتدمير. القراءة تعارض عالماً كريهاً، مثل مخلفات حياة أخرى وذكرياتها. وهناك صورة فريدة لجيفارا في بوليفيا كان يقرأ فوق شجرة، وسط تجربة الفرقة المحاربة المطاردة. وقد ظل جيفارا حتى موته وفياً لما قرأه، وربما كانت حياته ذاتها إعادةً وتكراراً لنموذج تعلق به من القراءة. يكتب تشي في مشاهد من الحرب الثورية: «سريعاً ما فكّرتُ في أفضل طريقة أموت بها في تلك اللحظة، وقد بدا أن كل شيء قد ضاع. تذكرتُ قصة قديمة لـجاك لندن، حيث يستعد البطل المتكئ إلى جذع شجرة لإنهاء حياته بكرامة، عندما عرف أنه محكوم عليه بالإعدام مجمداً في المناطق المثلجة بـألاسكا».
يعثر جيفارا في القراءة على النموذج المناسب لموته، وقد مات بكرامة مثل شخصية في قصة منسية بتاريخ الكتابة، مثلما عثر دون كيخوته في روايات الفروسية عن نموذج الحياة التي يريد أن يعيشها؛ إنها الثقافة التي تقولب التجربة.
ويتوقف بيجيليا أمام المشهد الشهير لآنا كارنينا وهي تقرأ كتاباً في القطار. ثمة رغبة من الرواية في تثبيت صورة المرأة بصفتها مستهلكاً لفن السرد. كان تولستوي مثل أدباء عصره منبهراً بالقطار، لكن هناك معنى أبعد للقراءة في القطار؛ معنى الرحلة داخل رحلة. في أي ظرف آخر، يتوغل القارئ، ويكتشف التوازي بين رحلته ورحلة البطل في العمل الذي يقرأ.
وترسم رواية تولستوي صورة لقارئة تفك شفرة حياتها من خلال الروايات الخيالية، هكذا يتجلى التوتر بين التجربة الحياتية المملة وتجربة القراءة العظيمة. وحينئذ تظهر البوفارية (نسبة إلى مدام بوفاري) الحلم بحياة الرواية بصفتها طموحاً لما نفتقده في الحياة الواقعية. أنا وبوفاري محاولتان للهروب من الحياة إلى الرواية قادتهما إلى الموت، وثمة تجارب تفعل العكس. ينقلب الخيالي إلى واقعي.

القراءة الأصعب
ينتهي بيجليو بتأمل متأنٍ طويلٍ لـعوليس، رواية جيمس جويس؛ النص الروائي الأصعب. ويعنون الفصل بـ«كيف صُنعت عوليس»، في نوع من التحية للروسي فيكتور سيكلوفسكي، صاحب دراسة «كيف صُنعت دون كيخوته»، مثنياً على تفرد طريقة الروس في قراءة الأدب، حيث يبحثون عن المعنى من خلال الشكل والبناء. ويقتبس كذلك عن نابوكوف قوله «القارئ الجيد، القارئ المثير للإعجاب، لا يتماهى مع شخصيات الكتاب، إنما مع الكاتب الذي ركب الكتاب». هذه الطريقة الروسية لامتلاك النصوص يراها ملائمة للاقتراب من رواية جويس الذي قال رداً عن سؤال حول عنوان روايته، والعلاقة مع نص هوميروس عن عوليس الأصلي، فقال إنه النظام الذي أعمل به. هكذا، علينا أن نبحث عن الأوديسة في البنية المختبئة والممحوة في عوليس جويس.
وحتى نهاية الكتاب، يؤرقنا العنوان: لماذا القارئ الأخير؟ لا يضع بيجيليا نقطة الختام قبل أن يريحنا، مستنداً إلى مقولة فيتغنشتاين: «في طريق الفلسفة، يربح من يستطيع الركض بتأنٍ، أو ذاك الذي يصل الأخير إلى هدفه». والقارئ الأخير يستجيب ضمنياً لهذا البرنامج.



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).