بايدن يتشاور مع زعماء أجانب... وترمب يبدأ «معركة الطعون»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)
TT

بايدن يتشاور مع زعماء أجانب... وترمب يبدأ «معركة الطعون»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)

واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض قبول فوز خصمه الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة في انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، مطلقاً «معركة طعون» في النتائج، وساعياً إلى رص صفوف الجمهوريين وراء موقفه. وجاء ذلك في وقت باشر الرئيس الأميركي المنتخب بايدن تشكيل فريقه الانتقالي استعداداً لتسلم مقاليد السلطة في يناير (كانون الثاني) المقبل.
واستهل بايدن الاثنين مشاوراته مع القادة الأجانب عبر مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. وأعلنت أوتاوا أنهما تناولا موضوعات عدة تهم البلدين مثل مكافحة فيروس كورونا المستجد والتغيّر المناخي والاعتقال «التعسفي»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. كما أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون تحدث للمرة الأولى إلى بايدن بعد ظهر الثلاثاء، علماً بأنهما لم يلتقيا من قبل.
كذلك أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أنه تحدث إلى جو بايدن لتهنئته بفوزه في الانتخابات. وكتب جونسون حليف دونالد ترمب على «تويتر»: «تحدثت للتو إلى جو بايدن لأهنئه بانتخابه. إنني أتطلع إلى تعزيز الشراكة بين بلدينا والعمل معه حول أولوياتنا المشتركة، من التصدي للتبدل المناخي إلى تعزيز الديمقراطية والنهوض بعد الوباء».
كذلك أعلن في برلين أن المستشارة أنجيلا ميركل أجرت اتصالا ببايدن لتهنئته بفوزه بالرئاسة.

ورص الجمهوريون صفوفهم أمس خلف ترمب لخوض معركة على جبهتين في محاولة لدعم ادعاءات غير مسندة بأدلة حتى الآن عن «سرقة الانتخابات» التي فاز فيها خصمه الديمقراطي، فرفعوا العديد من الدعاوى والإجراءات القانونية حيثما تمكنوا من ذلك ووضعوا مجموعة من العراقيل الصعبة أمام إتمام العملية الانتقالية في مواعيدها التقليدية.
ووعد ترمب أنصاره بالفوز عبر «تويتر»، فكتب في تغريدة: «نحرز تقدماً كبيراً. النتائج ستبدأ بالظهور الأسبوع المقبل. فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى». وكتب في رسالة ثانية: «سنفوز»، وفي ثالثة: «انتهاك فرز الأصوات»، فضلاً عن تغريدات أخرى وضعت عليها شركة «تويتر» إشارات تشكيك. غير أن المسؤولين الكبار في الحزب الجمهوري لم يذهبوا على الفور إلى موافقته صراحة في كل هذه الادعاءات. ومع ذلك، لم يعترف زعيم الأكثرية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل وأعضاء آخرون في الحزب بفوز الرئيس المنتخب جو بايدن، غير مترددين أيضاً في مجاراة ترمب في تشكيكه بنزاهة عمليات الاقتراع والفرز وإصدار النتائج في العديد من الولايات التي كانت تصنف «ميادين معارك» انتخابية، مثل بنسلفانيا وجورجيا ونيفادا وأريزونا وميشيغن وويسكونسن.
ولكن الخطوة الأبرز جاءت من وزير العدل ويليام بار الذي حاول طمأنة مؤيدي ترمب، فوجه مذكرة إلى المدعين العامين الأميركيين سمح لهم فيها بفتح تحقيقات حول تزوير الانتخابات: «إذا كانت هناك ادعاءات واضحة وذات صدقية في شأن حصول مخالفات، إذا كانت صحيحة، فمن المحتمل أن تؤثر ولاية بعينها على نتيجة الانتخابات الفيديرالية».
وكان لهذه المذكرة الاستثنائية وقع مفاجئ ودراماتيكي، إذ دفعت مدير فرع جرائم الانتخابات في القسم الجنائي بوزارة العدل ريتشارد بيلغير الذي يدير مثل هذه المحاكمات إلى التنحي عن منصبه بمفعول فوري.
ووجه بيلغير رسالة بالبريد الإلكتروني إلى زملائه، موضحاً بشكل لا لبس فيه إن خطوة بار دفعته إلى ترك الوظيفة التي يشغلها منذ عام 2010. ووصف قرار بار بأنه «سياسة جديدة مهمة تلغي سياسة عدم التدخل المتواصلة منذ 40 عاماً حول تحقيقات تزوير الاقتراع قبل أن تصير نتيجة الانتخابات معتمدة وغير قابلة للطعن». وأضاف: «بعدما علمت بالسياسة الجديدة وتداعياتها (...) يجب علي أن أستقيل للأسف من دوري كمدير لفرع جرائم الانتخابات». وزاد: «استمتعت كثيراً بالعمل معكم لأكثر من عقد من الزمن لفرض القانون وسياسة وممارسة الانتخابات الجنائية الفيديرالية بقوة وجدية من دون خوف أو محاباة حزبية».
ومع ذلك، بقيت مذكرة بار غير واضحة حيال ما إذا كانت إلى حد كبير بمثابة دعم لأنصار الرئيس ترمب الذين أصابتهم الهزيمة بالمرارة، أو ما إذا كانت تنذر بتحقيقات جادة في الانتخابات. وكتب بار: «فيما يجب التعامل مع الادعاءات الخطيرة بحذر شديد، فإن الادعاءات الخادعة أو التخمينية أو الخيالية أو بعيدة الاحتمال يجب ألا تكون أساساً لبدء تحقيقات فيدرالية»، مضيفاً أن «لا شيء هنا يجب أن يؤخذ على أنه أي مؤشر إلى أن الوزارة خلصت إلى أن مخالفات التصويت أثرت على نتيجة أي انتخابات».
ومنذ انتخاب بايدن، راجت التساؤلات عما إذا كان بعض الجمهوريين سيحاولون إقناع ترمب بضرورة الإقرار بهزيمته الانتخابية أو على الأقل التوقف عن نشر الادعاءات حول نزاهة الانتخابات، مع استبعاد أن يقوم بهذه الخطوة أي من أولئك المعروفين بولائهم المطلق له والذين يدافعون عنه بأي ثمن، أو من أولئك الذين تربطهم به تحالفات فضفاضة ومتوترة.
وقال السيناتور والنائب السابق وليم كوهين، الذي كان من أوائل الجمهوريين الذين انفصلوا عن الحزب ودعموا محاكمة الرئيس ريتشارد نيكسون، إن ترمب «لا يهتم كثيراً بمجلسي النواب أو الشيوخ، وهو يحكم بالخوف». وسارع بعض أتباع ترمب إلى الترويج لنظريات لا أساس لها عن الاحتيال. وطالب السيناتوران كيلي لوفلر وديفيد بيرديو، اللذان يواجهان انتخابات إعادة في يناير المقبل في جورجيا، باستقالة أكبر مسؤول انتخابي في هذه الولاية، وهو جمهوري أيضاً، بعدما أعلن أنه لا يوجد دليل على وجود تزوير واسع النطاق في انتخابات الولاية. وكذلك أصر النائب الجمهوري كيفين مكارثي على أن ترمب كان محقاً في الطعن بنتائج الانتخابات. وقال: «يجب الاستماع إلى كل اعتراض قانوني».
وتزايد القلق لدى الحزب الجمهوري في ظل مواجهة بيردو ولوفلر انتخابات إعادة يرجح أن تحدد نتائجها السيطرة على مجلس الشيوخ، مما دعا زعماء الحزب إلى عدم إغضاب ترمب وجمهوره في حال مطالبته بالإقرار بنتائج الانتخابات.
وحيال ما يحصل الآن، استذكر مراقبو الانتخابات ما حصل عام 1974، حين واجه الرئيس ريتشارد نيكسون فضيحة ووترغيت، وصار عرضة للمساءلة والإدانة. فتوجه عدد من المشرعين الجمهوريين الأقوياء إلى البيت الأبيض وأخبروه بأن الوقت حان ليرحل. وأعلن نيكسون استقالته في اليوم التالي. ودعا المدير المؤسس لمكتبة ومتحف ريتشارد نيكسون الرئاسي تيموثي نفتالي إلى عدم توقع مثل هذا مع ترمب. وقال: «من الصعب للغاية بالنسبة للجمهوريين الذين حصل زعيمهم على 71 مليون صوت، وهو أكبر عدد من الأصوات التي حصل عليها أي جمهوري على الإطلاق، ببساطة أن يديروا ظهورهم له».
وفي المقابل، أقر عدد قليل من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المعروفين بنفورهم من ترمب، مثل ميت رومني وبن ساسي وسوزان كولينز وليزا موركوفسكي الذين اعترفوا بفوز بايدن.



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.