بايدن يتشاور مع زعماء أجانب... وترمب يبدأ «معركة الطعون»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)
TT

بايدن يتشاور مع زعماء أجانب... وترمب يبدأ «معركة الطعون»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أمس (رويترز)

واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض قبول فوز خصمه الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة في انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، مطلقاً «معركة طعون» في النتائج، وساعياً إلى رص صفوف الجمهوريين وراء موقفه. وجاء ذلك في وقت باشر الرئيس الأميركي المنتخب بايدن تشكيل فريقه الانتقالي استعداداً لتسلم مقاليد السلطة في يناير (كانون الثاني) المقبل.
واستهل بايدن الاثنين مشاوراته مع القادة الأجانب عبر مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. وأعلنت أوتاوا أنهما تناولا موضوعات عدة تهم البلدين مثل مكافحة فيروس كورونا المستجد والتغيّر المناخي والاعتقال «التعسفي»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. كما أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون تحدث للمرة الأولى إلى بايدن بعد ظهر الثلاثاء، علماً بأنهما لم يلتقيا من قبل.
كذلك أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أنه تحدث إلى جو بايدن لتهنئته بفوزه في الانتخابات. وكتب جونسون حليف دونالد ترمب على «تويتر»: «تحدثت للتو إلى جو بايدن لأهنئه بانتخابه. إنني أتطلع إلى تعزيز الشراكة بين بلدينا والعمل معه حول أولوياتنا المشتركة، من التصدي للتبدل المناخي إلى تعزيز الديمقراطية والنهوض بعد الوباء».
كذلك أعلن في برلين أن المستشارة أنجيلا ميركل أجرت اتصالا ببايدن لتهنئته بفوزه بالرئاسة.

ورص الجمهوريون صفوفهم أمس خلف ترمب لخوض معركة على جبهتين في محاولة لدعم ادعاءات غير مسندة بأدلة حتى الآن عن «سرقة الانتخابات» التي فاز فيها خصمه الديمقراطي، فرفعوا العديد من الدعاوى والإجراءات القانونية حيثما تمكنوا من ذلك ووضعوا مجموعة من العراقيل الصعبة أمام إتمام العملية الانتقالية في مواعيدها التقليدية.
ووعد ترمب أنصاره بالفوز عبر «تويتر»، فكتب في تغريدة: «نحرز تقدماً كبيراً. النتائج ستبدأ بالظهور الأسبوع المقبل. فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى». وكتب في رسالة ثانية: «سنفوز»، وفي ثالثة: «انتهاك فرز الأصوات»، فضلاً عن تغريدات أخرى وضعت عليها شركة «تويتر» إشارات تشكيك. غير أن المسؤولين الكبار في الحزب الجمهوري لم يذهبوا على الفور إلى موافقته صراحة في كل هذه الادعاءات. ومع ذلك، لم يعترف زعيم الأكثرية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل وأعضاء آخرون في الحزب بفوز الرئيس المنتخب جو بايدن، غير مترددين أيضاً في مجاراة ترمب في تشكيكه بنزاهة عمليات الاقتراع والفرز وإصدار النتائج في العديد من الولايات التي كانت تصنف «ميادين معارك» انتخابية، مثل بنسلفانيا وجورجيا ونيفادا وأريزونا وميشيغن وويسكونسن.
ولكن الخطوة الأبرز جاءت من وزير العدل ويليام بار الذي حاول طمأنة مؤيدي ترمب، فوجه مذكرة إلى المدعين العامين الأميركيين سمح لهم فيها بفتح تحقيقات حول تزوير الانتخابات: «إذا كانت هناك ادعاءات واضحة وذات صدقية في شأن حصول مخالفات، إذا كانت صحيحة، فمن المحتمل أن تؤثر ولاية بعينها على نتيجة الانتخابات الفيديرالية».
وكان لهذه المذكرة الاستثنائية وقع مفاجئ ودراماتيكي، إذ دفعت مدير فرع جرائم الانتخابات في القسم الجنائي بوزارة العدل ريتشارد بيلغير الذي يدير مثل هذه المحاكمات إلى التنحي عن منصبه بمفعول فوري.
ووجه بيلغير رسالة بالبريد الإلكتروني إلى زملائه، موضحاً بشكل لا لبس فيه إن خطوة بار دفعته إلى ترك الوظيفة التي يشغلها منذ عام 2010. ووصف قرار بار بأنه «سياسة جديدة مهمة تلغي سياسة عدم التدخل المتواصلة منذ 40 عاماً حول تحقيقات تزوير الاقتراع قبل أن تصير نتيجة الانتخابات معتمدة وغير قابلة للطعن». وأضاف: «بعدما علمت بالسياسة الجديدة وتداعياتها (...) يجب علي أن أستقيل للأسف من دوري كمدير لفرع جرائم الانتخابات». وزاد: «استمتعت كثيراً بالعمل معكم لأكثر من عقد من الزمن لفرض القانون وسياسة وممارسة الانتخابات الجنائية الفيديرالية بقوة وجدية من دون خوف أو محاباة حزبية».
ومع ذلك، بقيت مذكرة بار غير واضحة حيال ما إذا كانت إلى حد كبير بمثابة دعم لأنصار الرئيس ترمب الذين أصابتهم الهزيمة بالمرارة، أو ما إذا كانت تنذر بتحقيقات جادة في الانتخابات. وكتب بار: «فيما يجب التعامل مع الادعاءات الخطيرة بحذر شديد، فإن الادعاءات الخادعة أو التخمينية أو الخيالية أو بعيدة الاحتمال يجب ألا تكون أساساً لبدء تحقيقات فيدرالية»، مضيفاً أن «لا شيء هنا يجب أن يؤخذ على أنه أي مؤشر إلى أن الوزارة خلصت إلى أن مخالفات التصويت أثرت على نتيجة أي انتخابات».
ومنذ انتخاب بايدن، راجت التساؤلات عما إذا كان بعض الجمهوريين سيحاولون إقناع ترمب بضرورة الإقرار بهزيمته الانتخابية أو على الأقل التوقف عن نشر الادعاءات حول نزاهة الانتخابات، مع استبعاد أن يقوم بهذه الخطوة أي من أولئك المعروفين بولائهم المطلق له والذين يدافعون عنه بأي ثمن، أو من أولئك الذين تربطهم به تحالفات فضفاضة ومتوترة.
وقال السيناتور والنائب السابق وليم كوهين، الذي كان من أوائل الجمهوريين الذين انفصلوا عن الحزب ودعموا محاكمة الرئيس ريتشارد نيكسون، إن ترمب «لا يهتم كثيراً بمجلسي النواب أو الشيوخ، وهو يحكم بالخوف». وسارع بعض أتباع ترمب إلى الترويج لنظريات لا أساس لها عن الاحتيال. وطالب السيناتوران كيلي لوفلر وديفيد بيرديو، اللذان يواجهان انتخابات إعادة في يناير المقبل في جورجيا، باستقالة أكبر مسؤول انتخابي في هذه الولاية، وهو جمهوري أيضاً، بعدما أعلن أنه لا يوجد دليل على وجود تزوير واسع النطاق في انتخابات الولاية. وكذلك أصر النائب الجمهوري كيفين مكارثي على أن ترمب كان محقاً في الطعن بنتائج الانتخابات. وقال: «يجب الاستماع إلى كل اعتراض قانوني».
وتزايد القلق لدى الحزب الجمهوري في ظل مواجهة بيردو ولوفلر انتخابات إعادة يرجح أن تحدد نتائجها السيطرة على مجلس الشيوخ، مما دعا زعماء الحزب إلى عدم إغضاب ترمب وجمهوره في حال مطالبته بالإقرار بنتائج الانتخابات.
وحيال ما يحصل الآن، استذكر مراقبو الانتخابات ما حصل عام 1974، حين واجه الرئيس ريتشارد نيكسون فضيحة ووترغيت، وصار عرضة للمساءلة والإدانة. فتوجه عدد من المشرعين الجمهوريين الأقوياء إلى البيت الأبيض وأخبروه بأن الوقت حان ليرحل. وأعلن نيكسون استقالته في اليوم التالي. ودعا المدير المؤسس لمكتبة ومتحف ريتشارد نيكسون الرئاسي تيموثي نفتالي إلى عدم توقع مثل هذا مع ترمب. وقال: «من الصعب للغاية بالنسبة للجمهوريين الذين حصل زعيمهم على 71 مليون صوت، وهو أكبر عدد من الأصوات التي حصل عليها أي جمهوري على الإطلاق، ببساطة أن يديروا ظهورهم له».
وفي المقابل، أقر عدد قليل من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المعروفين بنفورهم من ترمب، مثل ميت رومني وبن ساسي وسوزان كولينز وليزا موركوفسكي الذين اعترفوا بفوز بايدن.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».