أرشيف مجلة «الشرق الأدنى» يروي قصة الملك عبد العزيز ودولته الناهضة

مواد تاريخية نادرة عن «مملكة الحجاز ونجد»

الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)
الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)
TT

أرشيف مجلة «الشرق الأدنى» يروي قصة الملك عبد العزيز ودولته الناهضة

الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)
الملك فيصل يستقبل أمين سعيد عند قدومه إلى السعودية مقيماً عام 1965 وبدا في الصورة عن يمين الملك فيصل الأمير محمد بن سعود وعلى يسار سعيد الأمير مشعل بن عبد العزيز (أرشيف الصور الخاص لأمين سعيد)

شكلت وحدة إقليمي الحجاز ونجد حدثاً تاريخياً لافتاً على المستوى الإقليمي والدولي، إذ عُدّ هذا الحدث أهم فترات بناء الدولة السعودية الحديثة. فقد ساهم مشروع وحدة الحجاز بنجد من خلال «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، في بناء أرضية الدولة بوحدتها الكاملة، والانفتاح على العالم الخارجي، والإسراع في اعتراف الدول، خصوصاً الغربية، بدولة الملك عبد العزيز، والبدء في بناء العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء والقناصل مع الدول التي اعترفت بها، إضافة إلى إقرار الأنظمة الداخلية والخارجية وبناء الدولة الحديثة... وفوق ذلك كله نشر الأمن والأمان في ربوع المملكة، وخدمة الحجاج وتأمين الخدمات التي يحتاجون إليها في ظل إمكانيات متواضعة، وحمايتهم من النوازل التي كانت تلازمهم في الفترات السابقة لقيام هذه المملكة. كل هذا حدث في ظروف إقليمية ودولية بالغة الصعوبة، حيث كانت مشاريع كل من فرنسا وبريطانيا الاستعمارية مستمرة لصناعة حدود الدول العربية وطمس معالم وحدتها وفرض الهيمنة عليها وفق مصالحها، ورسم خريطة جديدة للمنطقة.
في هذه الأجواء، كان الصوت العربي غائباً لرصد ما يجري، وكانت الأحداث متسارعة ويصعب تسجيلها، ما أفقد الذاكرة العربية حتى اليوم تاريخاً وأحداثاً مهمة وقعت في تلك الفترة قبل 95 سنة وشكلت هذه الأحداث الواقع الجديد. غير أن صوتاً وحيداً لم يكن غائباً هو صوت المؤرخ والإعلامي الكبير أمين سعيد، الذي رصد كل هذه الأحداث في مجلته «الشرق الأدنى»، التي أصدرها في القاهرة عام 1927م، الموافق 1346هـ، جاعلاً منها صوتاً لنصرة قضايا الأمة العربية. ولقد احتلت أخبار الحجاز ونجد وملحقاتها مكانة الصدارة فيها، ونجحت المجلة في تحقيق الغرض المطلوب في رسالتها الإعلامية تجاه مملكة الحجاز ونجد خاصة، والدول العربية عامة، علماً بأن أمين سعيد كان فتح صفحات مجلة «المقطّم» المصرية ليستقل بوسيلة أخرى، وهي مجلة «الشرق الأدنى».
وبخلاف عادة نظر الباحثين والمؤرخين إلى المجلات والصحف من زاوية العين، لا من العين كلها - لاعتقادهم بأن المجلات والصحف آخر ما يفكرون فيها لجعلها وسيلة لتوثيق أحداث تاريخية - أتت مجلة «الشرق الأدنى» لتقدم صورة مصدرية وذات مصداقية عن تاريخ المملكة العربية السعودية في مرحلة مهمة من نشأتها.
المؤرخ السوري عبد الكريم إبراهيم السمك، المقيم في السعودية منذ نصف قرن والحاصل على الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر، قدّم رصداً لكل ما احتوته «الشرق الأدنى» وعرضه صاحبها أمين سعيد من نفائس الأخبار والأحداث والاتفاقيات التي عاشتها «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها» في فترة تُعد من أهم فترات بناء الدولة السعودية في محيطها الإقليمي والدولي. وجمع الحصيلة في كتاب من جزأين، مضيفاً بذلك إلى مكتبة التاريخ السعودي عملاً نفيساً ونادراً في الدولة الحديثة.
في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال السمك: «تأتي أهمية هذا العمل النفيس والنادر بسبب معاصرته للحدث، ومشاهدة صاحبة لعطاء سياسة الملك عبد العزيز في هذه العملية العظيمة، فكان هذا العمل بحكم المفقود في بطن مجلة (الشرق الأدنى) لأمين سعيد. وبنشره اليوم كان بمثابة الحلقة المفقودة في هذا التاريخ الكريم، وها هو يرى النور بعد 95 سنة مضت عليه. وأمين سعيد سبق له أن كتب كتابات متفرقة في جريدة (المقطّم) ومجلة (المقتطف) عن الملك عبد العزيز، ضمن ضوابط أصحاب هاتين الوسيلتين الإعلاميتين، بسبب ولاء أصحابها للسياسة البريطانية». وأردف: «كذلك تأتي أهمية هذه المواد التي جاءت في المجلة من عدة جوانب، منها أنها كتابة معاصرة لهذه المرحلة في بناء الدولة على يد الملك المؤسس. ولقد سمت المجلة في الساحة الإعلامية المصرية، لكونها أول مجلة عربية تناصر قضايا العرب جميعها، وخاصة منها ما يخدم التاريخ السعودي».
وأشار السمك إلى أن «أهمية هذا العمل تظهر أيضاً في جوانب أخرى منها: ندرة المجلة غير الموجودة إلا في موروث أمين سعيد، والكتابة فيها من قبل أمين سعيد كانت كتابة موالاة ووفاء ومصداقية. أيضاً استطاعة أمين سعيد استقطاب الرأي العام في مصر لتأييد سياسة الملك عبد العزيز في توحيده للحجاز بنجد، وتغيير موقف هذا الرأي العام من المعارضة إلى الموالاة للملك. ثم إن الميزة الأهم أن المجلة كانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تحملت عبء نصرة سياسة الملك عبد العزيز خارجياً، وخاصة في القاهرة عاصمة الإعلام في العالم العربي ذلك التاريخ»، وهنا يلفت السمك إلى أن أمين سعيد لم يكن يعلم بأن حرص المجلة على تأييد سياسية الملك عبد العزيز سيدفع بريطانيا لتعطيلها، مبرزاً أن المجلة لم تقتصر في توزيعها في مصر فقط، بل كانت تصل إلى معظم الأقطار العربية.
من ناحية أخرى، أبرز المؤرخ عبد الكريم السمك القضايا التي تناولتها المجلة في سياسة البناء التي انتهجها الملك عبد العزيز من خلال الانفتاح على العالم الغربي ودوله، بعد ما قررت عشر دول غربية الاعتراف بمملكة الحجاز ونجد، وخاصة بعد الذي لمسه قناصل هذه الدول المقيمون في جدة من استقرار الحجاز. وبالفعل، قدموا تقاريرهم لدولهم بذلك، الأمر الذي دفع الملك عبد العزيز إلى تكليف ابنه الفيصل زيارة هذه الدول وتقديم الشكر لها على الاعتراف الرسمي بالدولة. وترتب على ذلك تبادل السفراء والقناصل مع هذه الدول. وأيضاً، مضى الملك عبد العزيز في بناء الدولة بأنظمة حديثة متطورة، واكب فيها أنظمة الدول الغربية الحرة على المستويين الداخلي والخارجي، منضماً إلى «عصبة الأمم» عام 1928م. ويضاف إلى ذلك تأسيس «مجلس شورى» أشرك فيه أبناء الحجاز للنهوض بالدولة وبنائها والارتقاء بنهضته في الإعمار وتوفير المياه والخدمات الصحية والتعليم وإصلاح الطرق وبنائها، مع تقديم أسمى الخدمات للحرمين الشريفين. وبجانب هذا كله، أحسن الملك صنعاً بتعيين ابنه الأمير فيصل نائباً له على الحجاز، فقام الأمير بإدارته وتنظيم أموره على أحسن وجه.
ويتابع السمك قائلاً: «وتوج الملك عبد العزيز هذه الأعمال بسياسة الأمن والأمان، وكان من نتائج هذه السياسة توفير الأمن للحاج من ساعة وصوله حتى سفره إلى بلده، وهكذا لمس المسلمون الفارق بين الحاضر والماضي. ولما لمسه المسلمون من الحال الذي ارتقى فيه الحجاز، وجّه الملك عبد العزيز الدعوة لعلماء المسلمين في العالم لحضور أول حج بعد وحدة الحجاز بنجد. ولما وقعت عليه عيون هؤلاء العلماء من نهضة الملك بالحرمين الشريفين، وراحة حجاج بيت الله وزوار الحرمين وطيب الرعاية، ما كان منهم إلا مباركة الملك في حكمه للحجاز وسدانته للحرمين الشريفين. ومع هذه المباركة من العلماء المسلمين للملك، ازداد عدد الحجيج في الأعوام التالية، بعدما تخطت سمعة نجاحات الملك عبد العزيز في إدارة شؤون الحرمين وتنظيم أموره، الحدود لتصل إلى عموم المسلمين في العالم.

محتويات المجلة
الكتاب أبرز محتويات المجلة في أعدادها الـ67، على صعيد المواد التي تخص التاريخ السعودي لعل أبرزها الإصلاح والتجديد في الحجاز، و«معاهدة جدة» التي وصفتها المجلة بأنها «أعظم فوز سياسي أدركه ابن سعود حتى الآن»، وسياسة إيطاليا في البحر الأحمر وعلاقتها مع جميع الدول المطلة عليه بمن فيهم ابن سعود. كذلك احتوى أحد الأعداد على حوادث وأخبار، بجانب نص «معاهدة جدة» ونشر الاتفاقية في الصحافة البريطانية ومباركة ملك بريطانيا للاتفاق. وفيها أخبار عن الأوامر الملكية للملك عبد العزيز بإصلاح الطرق بين مكة وعرفات، ومنى والطائف، مع أخبار أخرى، منها تكليف الشيخ كامل القصاب النهوض بالتعليم.
على صعيد متصل، احتوت المجلة على مواد عن العلاقات الإيرانية الحجازية النجدية، والعلاقات الحجازية النجدية مع اليمن، وملحقات «معاهدة جدة»، ونص قرار الإبرام وتبادل قرارات الإبرام. وأيضاً، حملت أعداد المجلة مسألة توتر العلاقات النجدية مع العراق، بسبب هجوم «الإخوان» على حدود العراق، الأمر الذي دفع الملك عبد العزيز إلى العمل على الحد من هجماتهم، إضافة لتسويات الحدود مع اليمن، كما تناولت المجلة نظام النقد في الحجاز ووضعه موضع التطبيق. كذلك صاغ أمين سعيد موضوعا عنوانه «نظام الحكم في بلاد العرب، كيف يحكم الحجاز»، وهو دراسة مقارنة بين حال الحكم الجديد (السعودي) والحكم الذي سلف (الهاشمي). وتضمن بحثاً مستفيضاً، سواء في القضاء أم الزكاة أم الإدارة أم التعليم أم الأمن والصحة والبناء.
في الحقيقة، من الصعوبة الإحاطة بكل ما نشرته مجلة «الشرق الأدنى» عن حالة «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، وأبرزه المؤرخ السمك. ولكن مما يلفت الصور المهمة التي نقلها أمين سعيد من خلال رحلته إلى الحج ولقائه الملك عبد العزيز. ولقد تحدث فيها سعيد عن النهضة بكل أطيافها التي شهدها الحجاز على يد الملك المؤسس، معتبراً أن «الحجاز (كان) لا يزال على الفطرة»... وأن يد الإصلاح والتعمير لم تمتد إليه شأن معظم الأقطار العربية التي كانت خاضعة للحكم التركي. وشدد على أن الحكومة العثمانية لم تترك في هذه البلاد الشاسعة الواسعة ما يدل على أنها قد حكمتها إلا في بعض أبنية أنشأها أحد القادة في القرن الماضي «ولولاها ما كان هناك ما يذكّر الناس بها وبعهدها»، مضيفاً أن «أول ما فعله ابن سعود هو أنه قد دك النظام البالي القديم دكّاً، وأقام على أنقاضه نظاماً جديداً يختلف من جهات كثيرة عن النظام الذي كان متبعاً في العهد التركي». وزاد أمين سعيد بالقول إن النظام الذي أنشأه ابن سعود للحجاز، هو مزيج من أنظمة شتى فقد أخذ من كل نظام ما اعتقد أنه الأصلح للبلاد.
المجلة كُتِبت أيضاً عن وفاة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، والد ملك الحجاز ونجد، ووصفته بأنه «من أعاظم رجال العرب في السياسة والعلم، وقد اشتهر بالعدل بين رعيته، والأخذ بناصر الضعيف إلى القوي»، مضيفة أنه «لما استتب الأمر في نجد لآل سعود وعادت الإمارة إليهم، كانت الإمامة فيها للمرحوم الإمام عبد الرحمن، ولكنه لكبر سنه وعدم قدرته على الاضطلاع بأعباء الحكم، قلدها لنجله عبد العزيز جلالة الملك الحالي، الذي افتتح الحجاز بعد ذلك».

أخبار متفرقة
كذلك، حملت أعداد المجلة على صعيد ما يتعلق بالحج وراحة الحجيج، أن الملك عبد العزيز شهد بناء أول دار لكسوة الكعبة. ومن الأخبار العامة الأخرى نشرت أخباراً عامة في قضايا العلاقات الدولية، عربية كانت أم غربية، إذ حمل أحد أعداد المجلة خبراً بعنوان «بين الحجاز والسوفيات»، جاء فيه «وصلت في الأسبوع الماضي إلى جدة من أوديسا الباخرة (يانتوميس) من بواخر الحكومة السوفياتية تحمل 9054 طرداً من البضائع المختلفة لبيعها في أسواق الحجاز، لأن حكومة موسكو تنوي كما يظهر إنشاء صلات تجارية مع بلاد العرب». وتابع الخبر أنه وصل على هذه الباخرة ستة ركاب من روسيا، فنزلوا إلى جدة بلا معارضة ومن دون أن يبرزوا جوازات سفرهم. ولكن عندما وصل الأمر إلى الحكومة المحلية، فحصت جوازاتهم، فرأت أنها غير مستكملة الشروط التي تتيح لهم الإقامة في الحجاز، وعندها دعتهم إلى الرجوع من حيث أتوا.
وتابع الخبر أنه على أثر ذلك تدخلت دار الاعتماد السوفياتية، وأبلغت أن من بين هؤلاء الركاب اثنين جاءا للعمل في دارها؛ أحدهما طبيب والثاني كاتب، فسمحت لهما الحكومة بالبقاء وأصرت على إعادة الآخرين وهكذا كان. ومن ثم، ذكرت المجلة أن نائب الملك أصدر أمراً بفصل مأمور جوازات جدة من وظيفته، لأنه قصّر في فحص جوازات هؤلاء القادمين، وتسامح معهم، وأثبتت الحكومة الحجازية بعملها هذا أنها لا تسمح بتسرب الشيوعية إلى بلادها.



جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».


«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».