إياد مدني يعود لـ«بلاط صاحبة الجلالة»

يعيد نشر مقالات وحوارات وسجالات ثقافية بعد 40 عاماً

إياد مدني يعود لـ«بلاط صاحبة الجلالة»
TT

إياد مدني يعود لـ«بلاط صاحبة الجلالة»

إياد مدني يعود لـ«بلاط صاحبة الجلالة»

من بلاط «صاحبة الجلالة» بدأ، وإليها يعود، مستذكراً في إصدار جديد جانباً من الركض الممتع أحياناً والمضني دوماً في صناعة القصة الصحافية التي تحمل هماً إنسانياً وتواكب الحدث وتبحث عن الحقيقة.
في كتابه الجديد «من بلاط صاحبة الجلالة»، يستذكر الدكتور إياد أمين مدني، وزير الحج الأسبق، وزير الثقافة والإعلام السعودي السابق، ورئيس منظمة المؤتمر الإسلامي سابقاً، جانباً من الركض الممتع أحياناً والمضني دوماً في صناعة القصة الصحافية التي تحمل هماً إنسانياً وتواكب الحدث وتبحث عن الحقيقة. الكتاب هو الثاني بعد «سنّ الزرافة» الذي كان يروي فيه قصة جارية في المدينة المنورة، كانت تعيش في فترة العبيد والجواري في بيت سيدها، وتتعرض للتمييز والقهر الطبقي.
في الكتاب الجديد، يعيد د. مدني نشر مقالات وحوارات وسجالات ثقافية بعد أربعين عاماً من اشتعالها في فضاء يعج بالحركة، لكنّ المثير أنها ما زالت حتى اليوم صالحة للتعبير عن الهواجس الثقافية التي يعيشها المثقف المحلي وربما العربي.
من بوابة الصحافة والإعلام، ولج إياد أمين مدني عالم السياسة، فهو ينتمي لأسرة «آل مدني» بالمدينة المنورة، التي برز منها رجال في حقول القضاء والأدب والعلم. والده الأديب والمؤرخ المعروف، أمين بن عبد الله مدني؛ أول رئيس تحرير لجريدة «المدينة» (صدر العدد الأول منها في 8 أبريل/ نيسان، 1937). وتولى إياد مدني جملة من المسؤوليات الإعلامية تحريراً وتسويقاً، فقد شغل منصب مدير عام مؤسسة «عكاظ» للصحافة والنشر، ورئيس تحرير صحيفة «سعودي جازيت» باللغة الإنجليزية، ولم ينجُ عمله في الصحافة من الإثارة والمشاكل.
ثم تولى إياد مدني، المولود في مكة المكرمة في 16 أبريل 1946، والحاصل على شهادة البكالوريوس في إدارة الإنتاج من جامعة أريزونا الأميركية، حقيبة الحج، ثم حقيبة الثقافة والإعلام، وهي الفترة الأكثر إثارة في مشواره السياسي. فخلال الفترة التي تولى فيها هذه الوزارة واجه إياد مدني قوى كثيرة في المجتمع كانت تقاوم محاولاته للتحديث، وعلى صعيد الثقافة سعى لاستيعاب النقاش المحلي المحتدم في المجتمع، داخل أروقة معارض الكتاب، وتحويلها إلى موسم ثقافي للتحاور والإبداع، على الرغم من أنه لم يحسم معاركه، حتى خروجه من الوزارة في 14 فبراير (شباط) 2009.
وبدءاً من مطلع عام 2014، تولى إياد أمين مدني أمانة منظمة التعاون الإسلامي، حتى استقالته في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.
- هموم ثقافية وفكرية
الإصدار الجديد يحمل هموماً فكرية وسجالات ثقافية، توزعت بين النقد والدعوة إلى التنوير، عبر مقالات كانت تشغل الرأي العام، وقضايا فكرية وثقافية، كما تتضمن مسارات متنوعة في الرحلات والتنمية الاجتماعية والاقتصاد.
يضم الكتاب الذي يقع في 300 صفحة، خمسة فصول، حملت عناوین «كیف نتواصل، معهم، سجالات، أسئلة، ولقاءات». وخصص الفصل الخامس لنشر حوارات سياسية، تحمل قضايا شكلت محوراً في صناعة الأحداث السياسية في المنطقة، بينها الحرب السوفياتية في أفغانستان، واحتلال الكويت، وغيرها، أجراها الكاتب، مع زعامات سیاسیة: «برهان الدین رباني، والرئیس الباكستاني الأسبق ضیاء الحق، والأمين العام للأمم المتحدة، رئیس النمسا الأسبق كورت فالدهایم، ورئیس تركیا الأسبق تورجوت أوزال، ووزیر الخارجیة الأميركي الأسبق خلال فترة غزو الكویت جیمس بیكر».
في مقدمة الكتاب، يشرح مدني المرحلة التي خاض فيها مهنة الصحافة: «سنوات الكاتب في بلاط صاحبة الجلالة، شهدت ظهور وامتداد شركة تهامة كجهة كادت تنفرد بسوق إعلانات الصحف، في تلك المرحلة، كما شهدت مراحل الانفكاك منها، وما صاحب ذلك من عثرات وأخذ ورد، وما ساد سوق الإعلان من ترویج للمطبوعات اللبنانیة بحجة أنها مقروءة على امتداد العالم العربي، وليست محلية، وتسيير معظم وكالات الإعلان عبر خبرات لبنانية» (ص15 - 16).
يضيف: «أوراق هذا الكتاب لن تشیر إلى شيء من ذلك، فلیس الغرض منها تأریخاً أو توثیقاً للعمل الصحافي في المملكة في مرحلة من المراحل، فقد تسنح فرصة لذلك في وقت قادم» (ص16).
لكن هل بقي للصحافة بلاط؟ يجيب: «والبلاط، حتى ولو لم تعد الصحافة ملكته تنافسها فیه وسائل أخرى، یظل رمزاً وكنایة عن عرش الإعلام والتواصل والتعبیر عن الرأي، واحتكاك الأفكار، وبلورة توجهات الرأي العام، ذلك العالم الذي يموج بين الصادق والمتكلف، وبين صاحب الرأي وصاحب التوجه، وبين الباحث عن القناعة أينما كانت، وذاك الذي لا يرى سوى قناعته وقناعه».
يبدأ المؤلف فصول كتابه بالسؤال: «كيف نتواصل»، مشيراً إلى أن «عصر المعلومات الذي بزغت شمسه الملتهبة، سيخلق فروقاً بين الإنسان الذي يعيشه، وذلك الذي يقتات على فتاته» (ص25).
الفصل الثاني، حمل مطارحات ثقافية، بدأها في سبر أغوار شخصية «متعب الهذال» الشخصية الرئيسية في رواية عبد الرحمن منيف «مدن الملح»، حيث يرى متعب الهذال البدوي الهائم في الصحراء يمثّل «روح المجتمع الذي تركه النفط وراءه»، لكن... «المأخذ على عمل منيف الذي یقدم لأول مرة شخصیة ابن الصحراء ببعد إنساني یفوق حتى (فتوة) نجیب محفوظ، یكمن في الرؤیة النظریة التي یظهر البدوي من خلالها» (ص53).
في هذا الفصل يدخل في مساجلة مع الدكتور غازي القصیبي، بعنوان: «الأدیب الملتزم والأجیر»، وهذه المقالة نشرت في «عكاظ» 19 يناير (كانون الثاني) 1977.
يقول الكاتب معارضاً رأي القصيبي في قضية «الأديب الملتزم» خلال لقاء تلفزيوني: «وما استرعى الانتباه هو معارضة الدكتور غازي القصيبي لفكرة التزام الأديب ومساواته بين الأديب (الملتزم) والأديب (الأجير)».
ثم يطرح جملة أسئلة: «لماذا یكتب الأدیب؟ نحن نتصور أن الأدیب هو الإنسان قبل ذلك. أو أنه جزء من جزئیات المعادلة الاجتماعیة التي یعیش بداخلها، والمعادلة الاجتماعیة یعنى بدورها عدد كبیر من العلاقات الإنسانیة والاقتصادیة والتقلیدیة والطبقیة» (ص55).
يكمل: «بقي أن نضيف أن الالتزام ليس زنزانة، في سجن وليس قيداً من حديد»... و«لعل المرحلة التاريخية الراهنة تجعل من الالتزام الفكري لكل أديب في بلادنا حاجة ملحة وماسة. لأنها مرحلة احتكاك بل اصطدام مع مختلف التيارات الثقافية والتأثيرات الحضارية... اصطدام قد يؤدي لأن يفقد الإنسان العادي توازنه في غيبة فكر محلي يستقي حياته من الالتزام» (ص56).
يشمل كذلك هذا الفصل مناقشات مع المفكر أسامة عبد الرحمن، والناشر رياض نجيب الريس، والمطارحات الساخنة مع رئيس تحرير مجلة «المسقبل» نبيل خوري حول تعارض قيام دولة إسلامية مع القومية العربية والديمقراطية العلمانية... ومع الكاتب جلال كشك الذي كتب: «أرفض الحديث عن وجود مثقفين في الخليج... فما آخر كتاب قرأته لكاتب نفطي؟ من الشاعر؟ من صاحب البحث العلمي أو الدراسة الاجتماعية أو حتى الأدبية الذي شغل الدوائر العلمية أو الثقافية ببحثه وليس بماله؟»، (ص67). وضمّ الفصل مقالات عن: عزيز ضياء، كما ضم مقالاً عن جيمس بولدون بعنوان «الانفصام»، وهو أقدم مقال منشور ضمه هذا الكتاب، حيث نشر في صحيفة «المدينة المنورة» في 25 يوليو (تموز) 1970. وفي الفصل الثالث سجالات حول المال والأعمال والتجارة والسعودة و«الإنفلونزا الاستثمارية»، والإنفاق العام، والخصخصة، وخصص الفصل الرابع للتنمية الاجتماعية.



التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة مانشستر الإنجليزية، عن أنَّ التَّعرُّض لضوء النهار الساطع قد يكون مفتاحاً للنوم المُبكِّر، وتحسين جودة النوم، والحصول على راحة أعمق، وللاستيقاظ المبكر كذلك.

وتُلقي نتائج الدراسة المنشورة في دورية «Biological Timing and Sleep»، الضوء مجدداً على أهمية النوم، لوصفه أحد احتياجات الجسم الأساسية، والذي قد يتسبَّب عدم انتظامه إلى حدوث اضطرابات في المزاج والذاكرة والتمثيل الغذائي والصحة على المدى الطويل.

وتُشير أدلة قوية إلى أنَّ الضوء يُمكن أن يُؤثر على توقيت النوم ويُغيِّر في توازن مراحله المختلفة، كما أنَّ النوم يُعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم كل صباح، ويُساعد على التحكم في شعورنا باليقظة والتعب.

ولاختبار ذلك، جمع الفريق بيانات واقعية باستخدام جهاز بسيط يُرتدى على الجسم، حيث ارتدى 89 بالغاً جهاز استشعار ضوئياً قادراً على التقاط الضوء الميلانوبيكي - وهو نوع الضوء الذي يُؤثر بقوة على الساعة البيولوجية - إلى جانب جهاز تتبع نوم مُتاح للمستهلكين. كما قاموا بتدوين ملاحظاتهم اليومية حول النوم.

أنتجت الأجهزة بيانات لأكثر من 500 يوم، وقد أظهرت أنَّ الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في ضوء النهار الساطع يميلون إلى النوم والاستيقاظ مبكراً. كما أظهر أولئك الذين يتمتعون بأنماط إضاءة أكثر استقراراً وأقل اضطراباً على مدار الأسبوع توقيتاً أفضل للنوم.

ووفق النتائج تمتع المشاركون الذين تعرَّضوا لضوء أكثر انتظاماً، مع تقلبات أقل حدة بين الضوء الخافت والساطع، بنوم أكثر عمقاً - وهو أمر حيوي للذاكرة والتعافي والصحة العامة - خلال الجزء الأول من الليل.

وتعكس هذه النتائج قلقاً متزايداً بشأن الحياة العصرية داخل المباني، حيث يقضي معظم الناس نهارهم في إضاءة أقل سطوعاً بكثير من ضوء النهار الطبيعي، وأمسياتهم في إضاءة أكثر سطوعاً بكثير مما يتوقعه جسمهم. وقد رُبط هذا التباين بمشكلات صحية مزمنة وارتفاع خطر الوفاة.

ويرتبط نظام النوم والاستيقاظ في الجسم، بدورة ضوء الشمس، إذ يُعزِّز التَّعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار الشعور باليقظة، بينما يساعد غيابه على الشعور بالنعاس. لذلك، فإنَّ قضاء وقت في الخارج يمكن أن يزيد من الشعور بالنعاس الطبيعي ليلاً، ويقلل الوقت اللازم للدخول في النوم، كما أنَّه يحسِّن جودة النوم بشكل عام.

وتُظهر الدراسة الجديدة أنَّ الأيام المشمسة ترتبط بنوم أفضل. كما وجد الباحثون أنَّ تقارير الأشخاص عن نومهم تتطابق عموماً مع بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. لكن عندما ازداد اضطراب النوم - مع قلة النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة - اتسعت الفجوة بين ما يعتقده الناس عن نومهم وما سجَّلته أجهزتهم. كما وجد الفريق أنَّ أنماط الإضاءة الأكثر استقراراً ترتبط بنوم أعمق يتركز في بداية الليل.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ألتوغ ديديكوغلو، من جامعة مانشستر الإنجليزية ومعهد إزمير للتكنولوجيا في تركيا: «تُظهر نتائجنا أنَّ الأيام المشرقة وروتين الإضاءة المنتظم ليسا مجرد أمرَين مرغوبَين، بل قد يكونان أساسيَّين لنوم صحي. فبمجرد التُّعرَّض المستمر لضوء النهار، يمكن للناس تحسين جودة نومهم ليلاً بشكل ملحوظ».

وأضاف في بيان الجمعة: «تُبرز هذه الدراسة إمكانية قياس البيئات اليومية باستخدام أجهزة استهلاكية بأسعار معقولة».

واستطرد أن الدراسة تُشير أيضاً إلى رسالة صحية عامة بسيطة، وهي أنَّ «الأيام المشرقة قد تؤدي إلى ليلٍ أفضل، وأنَّ الحفاظ على استقرار التَّعرُّض للضوء - وتجنب أنماط الإضاءة الخافتة والساطعة المتقلبة - قد يُساعد على تقوية إيقاعات الجسم الداخلية».


لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
TT

لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)

نجح فريق دولي من الباحثين في رسم أطلس للخلايا والجينات التي تنظم تكوين العظام وعمليات فقدانها، واكتشفوا الدور المحوري الذي تلعبه خلايا الأوعية الدموية في صحة العظام، فيما وُصف بأنه «إنجاز علمي وعالمي غير مسبوق».

ووفق دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر جينيتكس»، دمج الباحثون قراءات التسلسل الجيني مع بيانات نصف مليون شخص، ما مكنهم من تحديد مئات الجينات غير المعروفة سابقاً التي تتحكم في صحة العظام، والكشف عن الخلايا المحيطة بالأوعية الدموية كأحد أهم محركات ترميم العظام.

ويتوقع الباحثون أن يُسهم هذا الاكتشاف في تطوير علاجات جديدة لإعادة بناء العظام المفقودة، مما يُعطي الأمل لما يقرب من نصف الأشخاص فوق سن الخمسين الذين يعانون من أمراض مثل هشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وتكوّن العظم الناقص، بالإضافة إلى المصابين باضطرابات عظمية نادرة وسرطانات تنتشر إلى العظام.

وكما صرح الفريق البحثي بقيادة البروفسور بيتر كروشر والدكتور رايان تشاي من معهد غارفان للأبحاث الطبية بأستراليا، في بيان الجمعة: «تُعزز نتائج الفريق فهمنا لأمراض الهيكل العظمي بشكل جذري».

الدكتور ريان تشاي والبروفسور بيتر كروشر من معهد غارفان للأبحاث الطبية (معهد غارفان)

وقال كروشر: «لا يُدرك معظم الناس أن العظام تتغير باستمرار، إذ يُجدد الجسم هيكله العظمي كل عشر سنوات تقريباً».

وأضاف: «هذه عملية بالغة الأهمية، ولكن حتى الآن، كان فهمنا للخلايا والآليات التي تتحكم في عملية تجديد العظام محدوداً للغاية».

واستطرد: «معظم الأدوية المتوفرة حالياً تركز فقط على إيقاف أمراض العظام، بدلاً من إعادة بناء العظام المفقودة، وهو أمر بالغ الأهمية لعكس الضرر».

ومن المنتظر أن يكون لهذه البيانات آثارٌ على المعرفة الخاصة بنمو الهيكل العظمي، واضطرابات العظام النادرة، والشيخوخة، والأورام الخبيثة والالتهابات. وستساعد هذه المعرفة الأساسية في تحديد أهداف علاجية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي.

استخدم الفريق أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي لقياس الجينات النشطة داخل الخلايا الموجودة في العظام، مع التركيز على منطقة التماس بين العظم الصلب ونخاع العظم، وهي الموقع الرئيسي لتكوين العظام وتحللها.

قال تشاي إن التحليل الشامل الذي أجراه الفريق كشف عن 34 مجموعة مختلفة من الخلايا، وحدد الجينات النشطة في كل نوع منها.

واستخدم الفريق أطلسه الجديد لتحديد الخلايا المتورطة في أمراض الهيكل العظمي النادرة والشائعة، بما في ذلك تكون العظم الناقص وهشاشة العظام.

وقال جون كيمب المشارك في الدراسة إنه من خلال تحليل البيانات الجينية وبيانات كثافة العظام لنصف مليون شخص مشارك في بنك المملكة المتحدة الحيوي، تمكن الفريق من تحديد الخلايا المسؤولة عن أمراض الهيكل العظمي بدقة.

وأضاف: «تشمل هذه الخلايا خلايا معروفة بتنظيم تكوين العظام وفقدانها، بالإضافة إلى خلايا الأوعية الدموية التي لم يُقدّر دورها في صحة العظام حق قدره حتى الآن».

وقال كروشر إن البحث كشف عن فرص علاجية جديدة ليس فقط ضد أمراض العظام، بل أيضاً ضد أمراض السرطان، موضحاً أن «العظام هي المخبأ الرئيسي للخلايا السرطانية الكامنة وموقع شائع لانتكاس المرض، لذا فإن تحديد الخلايا والجينات التي تحفز تجدد العظام يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للوقاية من السرطان».

ويواصل الفريق حالياً دراسة أدوار الخلايا والجينات المكتشفة حديثاً والمسؤولة عن تنظيم العظام. وقد أُتيحت بياناتهم الرائدة للباحثين الطبيين حول العالم عبر منصة مفتوحة.


«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

يفتح هادي سي في معرضه «أرواح صاعدة» فضاءً يلتقي فيه الإنسان مع التكنولوجيا من دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الحديد الصدئ والفولاذ اللامع، مستنداً إلى فكرة تقوم على التعايُش بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة بقاء الإنسان في صُلب أي تقدُّم تقني.

الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي)

تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطاً وتفرّعات وتكوينات عضوية. تصبح قطع الحديد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والخلايا، وتظهر الأرقام داخل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشكال العضوية يُشكّل الخيط الناظم للمعرض ويمنحه تماسكه العام.

ينظر هادي سي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال أثره المتوقَّع في الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والتعاطف. ومن هذا التصوّر تنبثق المنحوتات، مُحاولةً الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته.

حين تتسارع الآلة تصبح الذاكرة أكثر قيمة (الشرق الأوسط)

ينعكس هذا المعنى في اختيار المواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بينما يعكس الفولاذ المصقول الضوء والوجوه والمكان. ومن تباين السطحين تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، وما يشيخ وما يبدو حديثاً. يترك الفنان هذه العلاقة مفتوحة على أكثر من قراءة. فتستدعي بعض الأعمال أشكالاً عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية.

كل تقدّم... امتحان جديد لِما يجعلنا بشراً (الشرق الأوسط)

يُعامل هادي سي الحديد بطريقة تُخفِّف من ثقله. يُحوله في عدد من القطع إلى خطّ مرسوم في الفراغ أو إلى شريط يلتفُّ ويصعد ويعود إلى نفسه. تتدخَّل المساحات الخالية داخل المنحوتة في تشكيلها، ويصبح الفراغ عنصراً أساسياً في بنيتها. تساعد هذه المعالجة على إضفاء حركة بصرية انسيابية، خصوصاً في الأعمال التي تتفرَّع فيها العناصر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها.

تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها على حَمْل الفكرة. تملك الأعمال الأكثر تركيباً حضوراً أقوى، لأنها تجمع بين شكل متماسك وبنية تتيح للعين أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاوية النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيقاع والمعنى. قطع أخرى تُعيد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال.

كلّ خطوة نحو الذكاء... تستحقّ خطوة نحو الذات (الشرق الأوسط)

يظهر هذا التفاوت أيضاً في العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعمال في تحويل الحديث عن الإنسان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأنّ المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخرى، يحتاج المتلقّي إلى الاستناد أكثر إلى نصّ المعرض لفَهْم الصلة بالذكاء الاصطناعي. لا تفقد هذه القطع قيمتها داخل المجموعة، لكنها لا تترك الأثر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل.

يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُستَخرجة من الصفر والواحد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضاً عن حدودها حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُوسِّع هادي سي مفرداته ويضعها داخل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقلّ عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها.

ليس كلّ ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط)

هذا المسار امتداد لخلفية هادي سي، المولود في بيروت عام 1964 لأم لبنانية وأب سنغالي، والذي تنقَّل بين التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقرَّ في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بالإنسان داخل الأنظمة التي تُحيط به، من المال والحدود إلى الذاكرة والأرقام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعاً أخلاقياً.

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها. عندها لا يعود الحديد رمزاً للصناعة وحدها، ويظهر على هيئة جذر أو جسد أو أثر حياة. وفي الأعمال الأقل كثافة، يبدو التنفيذ حاضراً بقدر الفكرة، لكن المسافة بينهما لا تُردَم تماماً.

الذاكرة... آخر ما لا يمكن برمجته (الشرق الأوسط)

يخرج المعرض في مجمله وفيّاً لرؤيته، متفاوتاً في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شيئاً من صفاته. أن ينمو ويتشعَّب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائناً يقف في الحدّ الفاصل بين ما صنعته اليد وما يمكن أن تمنحه الحياة.