ترمب «المثير للجدل» ومفجر انقسامات الأميركيين

ترمب «المثير للجدل» ومفجر انقسامات الأميركيين

السبت - 22 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 07 نوفمبر 2020 مـ

كتب دونالد ترمب من خلال الاستفزازات والإهانات والتغريدات الساخرة، فصلاً استثنائياً بالكامل من تاريخ الولايات المتحدة هو الذي يقول عن نفسه: «يعتقد البعض أنني عبقري حقيقي».
انتخب ترمب مستفيداً من مشاعر الغضب لدى الأميركيين وانقسامات البلاد التي واصل تأجيجها طوال فترة ولايته، لكنّه تلقى ضربة قاسية بتكبّده خسارة أمام خصمه جو بايدن جعلت عهده يقتصر على ولاية واحدة.
على مدى أربعة أعوام شهد الأميركيون بحماسة أو ذهول أو خوف أحياناً، عرضاً غير مسبوق لرئيس وصل إلى السلطة بطريقة مدوية ولم يضع لنفسه أي رادع.
هذا الرئيس الاستعراضي (74 عاماً) الذي كان سبباً في مضاعفة مخاوف المجتمع الأميركي وانقساماته، عرف كيف يتوجه إلى أميركيين شعروا بأنهم «منسيون» لكنه رفض على الدوام بعد وصوله إلى البيت الأبيض لعب دور شخص يوّحد الأميركيين، في قطيعة واضحة مع أسلافه.
حتى في ذروة انتشار وباء كوفيد - 19 الذي تسبب بوفاة أكثر من 230 ألف شخص في الولايات المتحدة، وفيما كان الشعب الأميركي بحاجة إلى صوت مطمئن، رفض بعناد انتهاج سلوك رئاسي ولم يبد أي تعاطف.
فهو سخر من وضع الكمامات كما هاجم الطبيب أنطوني فاوتشي مدير المعهد الأميركي للأمراض المعدية وعضو خلية مكافحة فيروس كورونا المستجد، الذي عمل مع خمسة رؤساء سابقين ويعتبر عموماً صوت العقل العلمي في البلاد.
وقلل من شأن التهديد الصحي مقدماً نفسه على أنه بطل خارق مثل «سوبرمان». وحتى بعد إصابته بالوباء، فوت الفرصة التي أتيحت له لإبداء بعض التعاطف.
وهو يبدو في هذا السياق غير مستعد لتقبّل الخسارة، متحدّثاً عن تزوير يشوب عملية فرز الأصوات، من دون تقديم أي دليل، ما يهدد بزعزعة ثقة الناخبين بالديمقراطية الأميركية.
ولم تشهد البلاد النزعة الاستبدادية أو الانهيار الاقتصادي اللذين توقعهما البعض في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 يوم انتخابه المفاجئ.
فرغم تعرض المؤسسات في أحيان كثيرة لسوء معاملة، إلا أنها أثبتت صلابتها فيما بدا عدد من المؤشرات وفي مقدمها أرقام التوظيف، في وضع جيد قبل أن تظهر الآثار المدمرة لانتشار فيروس كورونا المستجد.
لكن وسط رئاسة شهدت عدة فضائح وتتناقض تماماً مع رئاسة باراك أوباما، ألحق ترمب المعروف بأنه يعشق مخالفة القواعد والاستفزاز، الضرر بهذا المنصب، وضرب الأعراف عرض الحائط، وهز المؤسسات، وزعزع تحالفات الولايات المتحدة.
فقد هاجم قضاة وموظفين رسميين وأعضاء منتخبين وأجج التوترات العرقية في البلاد، كما أبدى إعجابه بقادة سلطويين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وأوقف بشكل مفاجئ جهود مكافحة التغير المناخي.
ترمب المتبجح والمتلاعب الذي يستخدم بحسب تعبير الكاتب فيليب روث «مجموعة مفردات لا تتجاوز 77 كلمة»، أفقد معجبيه ومنتقديه على حد سواء الشعور بمعنى الأمور.
وواجه الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة أيضاً إجراءات إقالة في الكونغرس ستبقى وصمة على رئاسته.
ولم يؤثر الديكور المهيب في المكتب البيضوي ولا صور أسلافه المعلقة في ممرات البيت الأبيض، على شخصية رجل الأعمال النيويوركي.
ولا تزال هذه العبارة التي قالها خلال مقابلة لمجلة «بلاي بوي» في 1990 تنطبق عليه اليوم «العرض هو (ترمب) والبطاقات نفدت تماماً. استمتع بذلك وسأستمر في الاستمتاع».
ونجح الملياردير الأميركي الذي يتميز بأداء قوي على منصات الحملات الانتخابية، في تنصيب نفسه ناطقاً باسم أميركا «المنسيين» أو «الجديرين بالشفقة» بحسب تعبير منافسته الديمقراطية عام 2016 هيلاري كلينتون.
عرف ترمب كيف يلعب على وتر مخاوف أميركيين، غالبيتهم من البيض والمتقدمين في السن عموماً، كانوا يشعرون بأنهم «محتقرون» من قبل «النخب» على ساحل الولايات المتحدة الشرقي ونجوم هوليوود على الساحل الغربي.
واعتمد ترمب المحب للهامبرغر والدايت كوك الذي عرفه الأميركيون أساساً من خلال برنامج تلفزيون الواقع «ذي ابرينتس»، قاعدة بسيطة طبقها على الدوام وهو أن يشغل الساحة بأي ثمن.
وبسبب استخفافه بالعلم وتصريحاته غير المطابقة للواقع، اضطر فريق تقصي الحقائق من صحيفة «واشنطن بوست» إلى استحداث فئة جديدة للتثبت من المعلومات الخاطئة التي تتكرر أكثر من 20 مرة.
ومن جناحه الشهير في البيت الأبيض «ويست وينغ»، عمد رجل الأعمال السابق إلى توسيع الهوة بين المجتمع الأميركي المنقسم أصلاً بين الأحمر للجمهوريين والأزرق للديمقراطيين.
وبدلاً من إطلاق دعوات جامعة على غرار أسلافه، لعب ترمب على خوف الأميركيين.
ولوح عند إعلان ترشحه في 2015، بشبح المهاجرين غير الشرعيين واصفاً إياهم «بالمغتصبين»، ونصب نفسه في حملة 2020 الضامن الوحيد «للقانون والأمن» في مواجهة تهديد «اليسار الراديكالي».
وفي بلد يعشق اللحظات المؤثرة التي تعبر عن الوحدة الوطنية، لم يعتمد ترمب إلا نادراً لهجة تبلسم الجراح، حتى بعد حدوث كارثة طبيعية أو عمليات إطلاق نار دموية.
استخدم هجماته العنيفة على وسائل الإعلام التي يصفها بأنها «كاذبة» و«فاسدة» و«عدوة الشعب»، لكي يؤلب قسماً من الشعب ضد القسم الآخر.
لكن ترمب يبقى الرئيس الوحيد في التاريخ الذي لم تصل شعبيته إلى نسبة 50 في المائة خلال توليه مهامه.
يتفق مؤيدوه ومعارضوه على نقطة واحدة وهي أن ترمب وفّى بجزء من وعوده الانتخابية.
فكما أعلن سابقاً، انسحب ترمب من معاهدات أو اتفاقات تم التفاوض بشأنها مطولاً، في مقدمتها اتفاق باريس حول المناخ الذي وقعت عليه معظم دول العالم للحد من الاحترار المناخي.
لكن هذا الوفاء بتعهداته ووعوده الانتخابية جاء عبر عمليات اعتبرت هدامة.
وتبدو حصيلة مبادراته هذه هزيلة نسبيا. ويبدو ذلك جلياً على صعيد الملف النووي الإيراني، فهو مزق الاتفاق الذي تفاوض عليه سلفه لفترة طويلة وزاد الضغوط على إيران وصولاً إلى تصفية الجنرال النافذ قاسم سليماني لكن بدون تقديم استراتيجية فعلية.
أما خطته الكبرى للسلام في الشرق الأوسط التي أوكلها إلى صهره ومستشاره جاريد كوشنر، فلم تؤد إلى نتائج بعد. لكن بإمكانه القول إنه تمكن من تحريك الخطوط في المنطقة عبر رعايته اتفاقات تطبيع بين إسرائيل وثلاث دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان.
ويبقى مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 خلال عملية أميركية في سوريا، المحطة الأقوى في رئاسته.
لكن تحركه الأكثر جرأة الذي فاجأ فيه العالم وخوله أن يحلم بنيل جائزة نوبل للسلام، لم يأتِ بالنتائج المرجوة.
فقد انتهت القمتان مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وزيارة ترمب التاريخية إلى المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين و«الرسائل الرائعة» بينهما، من دون تحقيق أي نتيجة ملموسة. فالنظام الكوري الشمالي لم يقدم أي تنازل بشأن مسألة نزع الأسلحة النووية.
في الأجواء الجيوسياسية المعقدة والمتقلبة للقرن الحادي والعشرين، هاجم ترمب شخصياً رئيس وزراء كندا جاستن ترودو، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.
ولم يأتِ التحذير الأشد من خصومه السياسيين بل من وزير دفاعه جيمس ماتيس. ففي كتاب الاستقالة، ذكر ماتيس الرئيس الأميركي بقاعدة بسيطة في الدبلوماسية تقوم على ضرورة «معاملة الحلفاء باحترام».
في سيناريو سياسي غير مسبوق لم يتوقعه أي محافظ، أقدم دونالد ترمب بقدرته على إشعال مشاعر قاعدته الانتخابية، على تحجيم الحزب الجمهوري الذي كان قلل من أهميته في البداية أو حتى تجاهله.
وعبر بعض النواب الجمهوريين أحياناً عن معارضتهم لبعض قراراته مثل موقفه المتساهل بشكل غير عادي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي.
لكن مع مرور الوقت، اتحدوا حوله باستثناء بعض الأصوات المعارضة مثل السيناتور جون ماكين الذي حذر قبل وفاته في أغسطس (آب) 2018 من نزعته نحو «قومية غير منطقية ومضللة».
ويعتمد ترمب في الأعمال كما في السياسة، على مبدأ بسيط: معه أو ضده.
وتحدث المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) جيمس كومي الذي أقاله الرئيس فجأة، في مذكراته عن رئيس يخضع أوساطه لمعايير ولاء تذكره بموقف زعماء المافيا عندما بدأ حياته المهنية كمدع عام.
ولد دونالد جاي ترمب في كوينز في نيويورك وتلقى تعليمه في مدرسة عسكرية، وانضم إلى شركة العائلة بعد دراسة الأعمال.
وهو ليس «رجلاً عصامياً» خلافاً للصورة التي يريد عكسها عن نفسه. فبعد الحرب العالمية الثانية بنى والده فريد ترمب المتحدر من مهاجر ألماني، إمبراطورية في مدينة نيويورك من خلال تشييد مبانٍ للطبقة الوسطى في الأحياء الشعبية.
وعندما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» في صيف عام 2020 أنه لم يدفع سوى 750 دولاراً من الضرائب الفيدرالية على الدخل في 2016 وأن العديد من الشركات تكبدت خسائر، تلقت صورته كرجل أعمال ناجح ضربة.
لم يتوقف دونالد ترمب وهو أب لخمسة أبناء ولدوا لثلاث زوجات مختلفات، وله عشرة أحفاد، عن الإشادة علنا بزوجته ميلانيا، عارضة الأزياء السابقة التي أصبحت «السيدة الأولى الرائعة».
لكن الكشف عن علاقات يعتقد أنه أقامها خارج إطار الزواج، وخصوصا مع ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز، واتهامات بالاعتداء الجنسي موجهة إليه، لا يتناسب تماماً مع مديحه المتكرر للقيم العائلية في كل لقاء مع المسيحيين الإنجيليين.
لكن ترمب تجاوز كل هذه الفضائح مستنداً على دائرة عائلية صغيرة ومتضامنة فضلاً عن «غريزة» دائمة الحضور.
إلا أن ذلك انتهى بخسارته انتخابات الرئاسة ما حرمه فرصة تحقيق وعده للأميركيين بـ«أربع سنوات رائعة جديدة في البيت الأبيض»، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية.


اختيارات المحرر

فيديو