صراع «أولويات» يعطل «جنيف 2»

دمشق تصر على مكافحة الإرهاب أولا

المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)
المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)
TT

صراع «أولويات» يعطل «جنيف 2»

المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)
المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)

انتهى اليوم الثالث من مفاوضات «جنيف2» من دون إحراز تقدم يذكر، إذ اصطدمت المحادثات منذ الجلسة الأولى لبحث الحل السياسي برفض وفد الحكومة السورية بحث بيان «جنيف1»، الذي يعتبر أساسا للمفاوضات التي يشرف عليها مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي. وبدلا من بحث بيان جنيف، وفرص المضي قدما بعملية سياسية تنهي الأزمة السورية، قدم وفد الحكومة السورية وثيقة «مبادئ أساسية» أراد من وفد المعارضة السورية القبول بها كأساس للتفاوض. وأكد منذر ابقيق الناطق باسم الوفد المعارضة ومستشار رئيس الائتلاف السوري لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نرفض الوثيقة، بل نرفض حتى أن ننظر إليها، فبيان (جنيف1) الوثيقة الوحيدة التي تهمنا هنا». ويذكر أن الإبراهيمي أكد أكثر من مرة أن الهدف من اجتماعات الطرفين السوريين تطبيق بيان جنيف. وأضاف ابقيق أن الحكومة السورية «تعرف جيدا بيان (جنيف1) ولكنها تريد تجاهله»، وتتجاهل العنصر الأساسي في بيان (جنيف1) وهو نقل السلطة إلى آلية حكم انتقالي.
وعقد الإبراهيمي مؤتمرا صحافيا بعد الانتهاء من لقاءات منفصلة عقدها مع الوفدين السوريين عصر أمس، بعد جلسة مشتركة مقتضبة صباح أمس. وبدا أنه متعب، قائلا إنه لم يحرز تقدما ملموسا في اللقاءات التي جرت، قائلا: «لا توجد معجزة هنا»، ولكنه أوضح: «إنني مسرور بأن يبدو أن هناك عزيمة لمواصلة المحادثات - لم نتوقع معجزة، لا توجد معجزات هنا، سنتواصل لنرى إذا من الممكن تحقيق شيء هنا». وناشد الوفدين، و«من يقف وراءهما» أن «يفكروا بالشعب السوري». ولفت الإبراهيمي إلى أن عقد بدء عملية التفاوض واستمرار جولة المفاوضات رغم المخاوف من انهيارها «خطوة صغيرة جدا، والتقدم الذي حصلنا عليه قد يتراجع». وأضاف: «نأمل أن الأطراف ستتعاون وأن من لديه النفوذ على الطرفين يساعدنا».
وحول مسار المفاوضات حول الحل السياسي في جنيف، قال الإبراهيمي: «ناقشنا وثيقة قدمتها الحكومة للمبادئ الأساسية، غالبيتها في بيان جنيف أساسا، و(اليوم) سنتحدث عن وثيقة جنيف نفسها». وأضاف: «نحاول أن ننفذ خطة جنيف الحقيقية التي ترمي إلى إنهاء الحرب وتمكين الشعب السوري من تحقيق طموحاته المشروعة وبناء سوريا الجديدة، كيف نطبق هذا؟ إنه أمر ليس سهلا»، موضحا: «هدفنا إنهاء الحرب وبداية بناء الدولة الجديدة». وحول آلية مناقشة بيان جنيف اليوم، قال الإبراهيمي: «كل طرف يعرفه وسنناقش معهم كيف يتم تطبيق أجزائه العدة، من بين تلك النقاط آلية الحكم الانتقالي، ولكن لن يكون البند الأول الذي سنناقشه لأنه الأصعب».
ورفضت المعارضة السورية أمس مساعي الحكومة السورية لفرض وثيقة جديدة على طاولة المفاوضات، إذ أكد ابقيق أن الوثيقة الوحيدة المقبولة هي بيان جنيف الذي صادق عليه مجلس الأمن الدولي، ولكن المستشارة الإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان أكدت التزام الحكومة السورية بهذه الوثيقة: «من أجل وجود أرضية مشتركة لهذا الحوار من أجل سوريا والشعب السوري قدمنا ورقة سياسية.. نعتقد أنه لا يختلف عليها اثنان، وهي الاحترام لأرض الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها ورفض كل أنواع التدخل الخارجي ورفض الإرهاب والمحافظة على الدولة... وفوجئنا بأن الطرف الآخر قد رفض هذه المبادئ التي أعتقد أن كل سوري طبيعي يحب بلده يقبلها». وأضافت أن على الرغم من عدم الاتفاق على الوثيقة السياسية فـ«ستستمر المحادثات لأن السيد الإبراهيمي أراد أن نبدأ بنقاط لا يختلف عليها اثنان، لم نرد أن نبدأ بالنقاط الخلافية».
ومن المتوقع أن يقدم أحد أعضاء فريق الإبراهيمي صباح اليوم إطارا حول كيفية بحث الانتقال السياسي لمنع التصادم بين الوفدين. وهناك قضايا شائكة عدة على الوفدين بحثها مثل إذا ما سيكون انتقالا سياسيا بناء على الدستور الحالي أم وضع دستور مؤقت أو إقرار قانون جديد لنقل السلطة في البلاد.
وتواصلت الحرب الإعلامية بين وفدي الحكومة والمعارضة السورية أمس، إذ حرص الطرفان على الإدلاء بأكبر عدد ممكن من التصريحات، كل طرف يدعي الالتزام بـ«جنيف1»، ومعتبرا الطرف الآخر المعرقل. وظهر على الإبراهيمي الامتعاض من هذه التصريحات، قائلا: «من الطبيعي أن الطرفين يتحدثون مع الإعلام، لكن أرى أن التصريحات الإعلامية أكثر من المطلوب، وقلت لهم إن عليهم أن يتصرفوا بمسؤولية وأن يحترموا سرية المحادثات، وإذا لم تحترموها فعلى الأقل لا تبالغوا في التصريح». ولفت إلى إشاعة دارت بين الصحافيين أمس أن الإبراهيمي وبخ وفد النظام، نافيا أن يكون قد حدث أي شيء من هذا القبيل، موضحا: «إنني لا أوبخ، هذا ليس من طبعي». وأضاف الإبراهيمي: «طلبت من أعضاء الوفدين أن يكونوا حذرين في التصريحات».
وأقر الإبراهيمي بأن «المحادثات الإنسانية لم تقدم الكثير مع الأسف.. أطلب من الطرفين أن يفعلوا شيئا بالنسبة للمناطق المحاصرة من قبل طرف أو آخر، وما زلت أطلب أن يحدث شيء حول هذه المناطق، إذا كانت محاصرة من قبل الحكومة أو الجماعات المسلحة». وعبرت المعارضة عن امتعاضها من عدم تطبيق اتفاق رفع الحصار عن المدينة القديمة في حمص، وهي كانت أولى خطوات «إجراءات بناء الثقة» الهادفة إلى جعل المحادثات في إطار أكثر إيجابية لكن لم تحرز نتيجة. وأوضح الممثل الأممي والعربي: «أعتقد أن إجراءات بناء ثقة يجب أن تضع الأرضية لأجواء بناءة، ومع الأسف لم تحدث قبل لقائنا على الرغم من حديثنا عنها لوقت طويل.. كنا نتمنى إطلاق المعتقلين وإعطاء الغذاء للرجال والنساء والأطفال، وسنواصل مطالبنا بذلك». ولكن ستتواصل المحادثات من دون إحراز تقدم في تلك الملفات، إذ أوضح الإبراهيمي: «أعتقد أننا مسرورون ومتشجعون أن هذا المؤتمر نعمل عليه منذ مايو (أيار) الماضي». وأضاف: «مع الأسف الشديد لا يوجد اتفاق على وقف إطلاق نار أو على الأقل تخفيف مستوى العنف الممارس في سوريا»، موضحا: «في الكثير من عمليات السلام يبدأ الحديث عن الحل من دون وقف القتال، ولكنه شيء مؤسف.. كلامنا عن رفع الحصار كله دعوة إلى تخفيف معاناة الناس». وأكد الإبراهيمي أن «قافلات الغذاء ومواد غذائية جاهزة ستدخل من الأمم المتحدة» في حال وافقت الحكومة السورية. واعتبر وزير الإعلامي السوري عمران الزعبي أن المطالبة برفع الحصار عن 500 عائلة محاصرة في حمص «محاولة لمكسب سياسي» من قبل المعارضة، في إشارة جديدة إلى رفض الحكومة الموافقة على رفع الحصار، معتبر أن «ملفات المساعدة الإنسانية ليس لها صلة بوجودنا أو عدم وجودنا في مؤتمر جنيف».
ونددت الولايات المتحدة وبريطانيا برفض الحكومة السورية رفع الحصار عن حمص، وطرحها مقترحا آخر أول من أمس وهو إجلاء النساء والأطفال من حمص. وشرح السفير البريطاني المخول التعامل مع المعارضة السورية جون ويلكس: «لنبقِ الأمور بسيطة، يحب أن يسمح النظام بدخول القافلات الإنسانية، وبعدها يمكن للشعب أن يقرر، يبقى أو يغادر».
ومن جانبه، قال ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ايدي فازغيس: «على النظام السوري أن يوافق على دخول القافلات إلى المناطق، وهي بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية في مدينة حمص القديمة، الأمر حرج والناس تعاني من التجويع... ما طرحه النظام، وهو إخلاء النساء والأطفال، ليس كافيا، يجب أن يكون للمدنيين حرية الحركة ويجب أن لا يجبر أهالي حمص على ترك بيوتهم وتمزيق عائلاتهم من أجل الحصول على الغذاء والمساعدات».
ومن جهة أخرى، من المتوقع أن ينضم ممثلون عن المجموعات المسلحة إلى المستشارين لوفد المعارضة السورية في جنيف، في الجولة المقبلة، والمتوقع أن تكون بعد أسبوعين، أي بعد انتهاء الجولة الحالية يوم الجمعة المقبل وبعد استراحة لمدة أسبوع.
ومن جنيف، أكدت الإدارة الأميركية قرارها لاستئناف المساعدات العسكرية غير الفتاكة للمعارضة السورية. وأكد مسؤول أميركي لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة «اتخذت قرار استئناف المساعدات غير الفتاكة، وقد بدأ ذلك فعلا بالنسبة للجهات غير المسلحة في المعارضة، بينما توصيل المساعدات لمجموعات مسلحة سيستأنف فور التأكد من سلامة خطوط إيصالها، وهذا سيكون قريبا جدا». وتشمل المساعدات أجهزة اتصالات وسيارات إسعاف ومولدات كهربائية ومساعدات غذائية وطبية، إضافة إلى معدات مكتبية للمجالس المحلية ومجالس المحافظات ومنظمات المجتمع المدني. وتؤكد الإدارة الأميركية أن المساعدات لا تشمل أسلحة أو ذخائر. وكانت واشنطن قد علقت إرسال المساعدات للمعارضة السورية الشهر الماضي بعد استيلاء مجموعات متطرفة على مخازن الأسلحة التابعة للجيش الحر. واتخذت بريطانيا نفس الإجراء، كما أغلقت تركيا حدودها مع سوريا بعد تزايد المخاوف من نمو قوة الجهاديين المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة في شمال سوريا. ويشير المحللون إلى أن استئناف المساعدات غير القتالية سيعزز من موقف المعارضة السورية على الأرض، كما ينظر إليها على أنها مكافأة من الولايات المتحدة للمعارضة لمشاركتها في محادثات السلام الجارية مع حكومة بشار الأسد في جنيف.



الخارجية الفلسطينية ترحب بموافقة الأمم المتحدة على تمديد ولاية «الأونروا»

رجل يعلق علماً فلسطينياً على هوائي في مبنى شبه مدمّر كان يضم عيادة لـ«الأونروا» في مخيم جباليا بغزة (أ.ف.ب)
رجل يعلق علماً فلسطينياً على هوائي في مبنى شبه مدمّر كان يضم عيادة لـ«الأونروا» في مخيم جباليا بغزة (أ.ف.ب)
TT

الخارجية الفلسطينية ترحب بموافقة الأمم المتحدة على تمديد ولاية «الأونروا»

رجل يعلق علماً فلسطينياً على هوائي في مبنى شبه مدمّر كان يضم عيادة لـ«الأونروا» في مخيم جباليا بغزة (أ.ف.ب)
رجل يعلق علماً فلسطينياً على هوائي في مبنى شبه مدمّر كان يضم عيادة لـ«الأونروا» في مخيم جباليا بغزة (أ.ف.ب)

رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية، الجمعة، بتبني الجمعية العامة بأغلبية ساحقة خمسة قرارات لصالح الشعب الفلسطيني، من بينها تجديد ولاية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».

وقالت الوزارة، في بيان، إن هذه القرارات «تعكس تضامناً واسعاً من جميع أنحاء العالم مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وتمثل إقراراً بمسؤولية المجتمع الدولي في دعم الاحتياجات السياسية والإنسانية، بما فيها حق لاجئي فلسطين».

وأضافت أن هذا التضامن يؤكد دعم العالم لوكالة «الأونروا» سياسياً ومالياً، ولحماية حقوق اللاجئين وممتلكاتهم وإدانة الاستيطان الإسرائيلي.

وأشارت الخارجية الفلسطينية إلى أن هذا التصويت «تعبير إضافي عن رفض المجتمع الدولي للضم والاستيطان والتهجير القسري والعقاب الجماعي والتدمير الواسع للبنية التحتية في الأرض الفلسطينية المحتلة، والإبادة في قطاع غزة».


حديث ترمب عن تعديل المرحلة الثانية... هل يُفعل «البند 17» بـ«اتفاق غزة»؟

يملأ فلسطينيون حاوياتهم بالمياه في مخيم النصيرات للنازحين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
يملأ فلسطينيون حاوياتهم بالمياه في مخيم النصيرات للنازحين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

حديث ترمب عن تعديل المرحلة الثانية... هل يُفعل «البند 17» بـ«اتفاق غزة»؟

يملأ فلسطينيون حاوياتهم بالمياه في مخيم النصيرات للنازحين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
يملأ فلسطينيون حاوياتهم بالمياه في مخيم النصيرات للنازحين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

حديث عابر للرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «تعديل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة» دون أن يوضح تفاصيل ذلك التعديل، أثار تساؤلات بشأن تنفيذ ذلك.

هذا الحديث الغامض من ترمب، يفسره خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بأنه سيكون تغييراً في تنفيذ بنود الاتفاق، فبدلاً من الذهاب لانسحاب إسرائيلي من القطاع الذي يسيطر فيه على نسبة 55 في المائة، ونزع سلاح «حماس»، سيتم الذهاب إلى «البند 17» المعني بتطبيق منفرد لخطة السلام دون النظر لترتيباتها، وتوقعوا أن «المرحلة الثانية لن يتم الوصول إليها بسهولة في ظل عدم إنهاء ملفات عديدة أهمها تشكيل مجلس السلام ولجنة إدارة غزة ونشر قوات الاستقرار».

و«البند 17» في اتفاق وقف إطلاق النار بغزة الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ينص على أنه «في حال أخّرت (حماس) أو رفضت هذا المقترح، فإنّ العناصر المذكورة أعلاه، بما في ذلك عملية المساعدات الموسّعة، ستنفّذ في المناطق الخالية من الإرهاب التي يسلّمها الجيش الإسرائيلي إلى قوة الاستقرار الدولية».

و«وثيقة السلام» التي وُقعت في أكتوبر الماضي بين «حماس» وإسرائيل تناولت فقط النقاط المتعلقة بما يسمى «المرحلة الأولى»، وتشمل الهدنة الأولية وانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي، وشروط تبادل الأسرى والمحتجزين، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، فيما لم يتم التوصل إلى اتفاق رسمي بشأن «المرحلة الثانية» المتعلقة بإدارة غزة بعد الحرب.

وأعلن ترمب في تصريحات نقلت، الخميس، أن المرحلة الثانية من خطته للسلام في غزة «ستخضع للتعديل قريباً جداً»، وسط تصاعد القلق من تعثرها وعدم إحرازها تقدماً ملموساً في التنفيذ، دون توضيح ماهية تلك التعديلات.

المحلل في الشأن الإسرائيلي بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن التعديل الذي يمكن أن يرتكز عليه ترمب للحيلولة دون انهيار الاتفاق كما يعتقد هو اللجوء لـ«البند 17» الذي يرسخ لتقسيم غزة، لغزة قديمة وجديدة، وهذا ما كان يطرحه المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف الشهر الماضي في عدد من لقاءاته.

وأشار إلى أن هذا التعديل هو المتاح خاصة أن الاتفاق أقر في مجلس الأمن الشهر الماضي، ويمكن أن يعاد تفعيل ذلك البند تحت ذرائع عدم استجابة «حماس» لنزع السلاح أو ما شابه، متوقعاً أن يقود هذا الوضع لحالة لا سلم ولا حرب حال تم ذلك التعديل.

رد فعل فلسطينية على مقتل أحد أقربائها في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ف.ب)

ويرجح المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أنه في ظل عدم توضيح ماهية تعديلات ترمب بشأن المرحلة الثانية، فإن «هناك مخاوف من ترسيخ تقسيم غزة يمكن أن نراها في التعديل مع رغبة إسرائيلية في استمرار بقائها في القطاع، تطبيقاً لما يتداول بأن هذا غزة جديدة وأخرى قديمة».

ووسط ذلك الغموض بشأن التعديل، أفاد موقع «أكسيوس» بأن ترمب يعتزم إعلان انتقال عملية السلام في غزة إلى مرحلتها الثانية، والكشف عن هيكل الحكم الجديد في القطاع قبل 25 ديسمبر (كانون الأول) الجاري. ونقل الموقع، الخميس، عن مسؤولَين أميركيين قولهما إن «تشكيل القوة الدولية وهيكل الحكم الجديد لغزة في مراحله الأخيرة»، متوقعين أن يعقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو قبل نهاية ديسمبر الجاري لمناقشة هذه الخطوات.

غير أن الرقب يرى أن المرحلة الثانية أمامها عقبات تتمثل في «عدم تشكيل مجلس السلام وحكومة التكنوقراط، وعدم تشكيل الشرطة التي ستتولى مهامها وقوة الاستقرار، وأن أي تحركات لن ترى النور قبل يناير (كانون الثاني) المقبل».

ولا يرى عكاشة في المستقبل القريب سوى اتساع احتلال إسرائيل للمناطق التي تقع تحت سيطرتها في القطاع لتصل إلى 60 في المائة مع استمرار تعثر تنفيذ الاتفاق دون تصعيد كبير على نحو ما يحدث في جنوب لبنان من جانب إسرائيل.

فلسطينيون يسيرون أمام الخيام الممتدة على طول الشوارع وسط أنقاض المباني المدمرة في جباليا (أ.ف.ب)

وقبل أيام، تحدثت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أن هناك خطة إسرائيلية لإعادة توطين نحو مليوني فلسطيني في مناطق جديدة خاضعة لإسرائيل شرق الخط الأصفر، وتفريغ المناطق الخاضعة لسيطرة «حماس» من المدنيين بالكامل، وملاحقة عناصر حركة «حماس» في هذه المناطق تدريجياً. كما نقلت صحيفة «تلغراف» البريطانية، عن دبلوماسيين غربيين أن الخطة الأميركية بشأن غزة تنطوي على خطر تقسيم القطاع إلى جزأين للأبد، ما يؤسّس لوجود قوات الاحتلال بشكل دائم في القطاع المنكوب.

وقبل نحو أسبوع، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في لقاء ببرشلونة مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، على وحدة الأراضي الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة ورفض مصر أي إجراءات من شأنها تكريس الانفصال بين الضفة الغربية وغزة أو تقويض فرص حل الدولتين على الأرض.

وأعاد عبد العاطي، التأكيد على ذلك في تصريحات، الأربعاء، قائلاً إنه «لا مجال للحديث عن تقسيم غزة، فغزة هي وحدة إقليمية متكاملة، وجزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية القادمة، جنباً إلى جنب مع الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وهذه هي قرارات الشرعية الدولية وبالتأكيد يتعين الالتزام بذلك»، مؤكداً أنه إلى الآن يجرى التشاور بشأن لجنة إدارة قطاع غزة مع الأطراف المعنية، حتى تتولى هذه اللجنة الإدارية من التكنوقراط مهام العمل على الأرض. وأشار عكاشة إلى أن الجهود المصرية ستتواصل لمنع حدوث تقسيم في قطاع غزة أو حدوث تعديل يؤثر على الاتفاق، لافتاً إلى أن السيناريوهات مفتوحة بشأن التطورات المرتبطة بخطة ترمب.


«المعاقون» في صنعاء... فئة منسيّة تحت مقصلة الحرمان

معاقون في صنعاء أخضعهم الحوثيون للمشاركة في فعالية طائفية (فيسبوك)
معاقون في صنعاء أخضعهم الحوثيون للمشاركة في فعالية طائفية (فيسبوك)
TT

«المعاقون» في صنعاء... فئة منسيّة تحت مقصلة الحرمان

معاقون في صنعاء أخضعهم الحوثيون للمشاركة في فعالية طائفية (فيسبوك)
معاقون في صنعاء أخضعهم الحوثيون للمشاركة في فعالية طائفية (فيسبوك)

تتفاقم معاناة الآلاف من ذوي الإعاقة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة الرعاية الاجتماعية، واتهامات مباشرة للجماعة الحوثية بتحويل الموارد المخصصة لهذه الفئة إلى قنوات تخدم مشروعها العسكري والآيديولوجي.

ومع استمرار انقطاع البرامج الحكومية والدعم الدولي، يجد المعاقون أنفسهم أمام واقع قاسٍ تتضاعف فيه الاحتياجات وتتراجع فيه فرص العلاج والرعاية.

مصادر محلية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية كثفت خلال الأسابيع الأخيرة من ممارساتها التي تستهدف ذوي الإعاقة في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرتها، سواء عبر استغلالهم في فعاليات ومناسبات سياسية، أو من خلال إجبار عشرات الأطفال على حضور دورات تعبئة فكرية تستند إلى خطاب طائفي، في مخالفة صريحة لأبسط قواعد الرعاية الإنسانية.

وتشير المصادر إلى أن ما تبقى من المراكز والمنشآت المتخصصة التي كانت تقدم خدمات طبية وتأهيلية للمعاقين، تحوّل إلى أماكن شبه مهجورة بعد إغلاقات تعسفية ووقف شبه تام للبرامج الفنية والدعم الخارجي، نتيجة استحواذ الجماعة على المخصصات والموارد المالية.

مبنى «صندوق رعاية وتأهيل المعاقين» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وكشف سكان في صنعاء أن مئات المعاقين فقدوا مصادر دخلهم المحدودة. ومع غياب برامج الدعم، اضطرت كثير من الأسر إلى إرسال أبنائها من ذوي الإعاقة إلى شوارع المدينة، بحثاً عن أي مساعدة تساهم في تغطية احتياجاتهم الغذائية أو تكاليف العلاج باهظة الثمن.

وتؤكد أسرة تقيم في ضواحي صنعاء أن اثنين من أبنائها من ذوي الإعاقة لم يعودا قادرين على تلقي جلسات العلاج الطبيعي أو الحصول على أجهزة طبية مساعدة، مثل الأطراف الصناعية أو السماعات، بعد ارتفاع أسعارها وغياب الدعم المخصص لهم من «صندوق رعاية وتأهيل المعاقين» الخاضع لسيطرة الحوثيين.

وتضيف الأسرة أن الصندوق ـ الذي كان يعد المتنفس الوحيد لهذه الفئة ـ توقف عن تقديم معظم خدماته التعليمية والتأهيلية، مما أدى إلى حرمان مئات الأطفال من ذوي الإعاقة من حقهم في التعليم المتخصص.

ضحايا بلا رعاية

تقدّر مصادر يمنية حقوقية أن عدد ذوي الإعاقة في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين يتجاوز 4.5 مليون معاق، بينهم مصابون بإعاقات خلقية، وآخرون نتيجة الحرب التي أشعلتها الجماعة منذ انقلابها. وتؤكد التقديرات أن أكثر من 70 في المائة منهم محرومون من الحصول على أهم الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها الكراسي المتحركة، والأجهزة التعويضية، وجلسات العلاج الطبيعي، وبرامج التأهيل المهني.

جانب من زيارة قيادات حوثية لـ«صندوق رعاية وتأهيل المعاقين» في صنعاء (إعلام حوثي)

وأكد عاملون في «صندوق رعاية وتأهيل المعاقين» بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تراجعاً حاداً في الخدمات المقدمة، مشيرين إلى أن الصندوق يستقبل شهرياً نحو 800 حالة جديدة، معظمها تحتاج إلى رعاية طويلة المدى لا يستطيع الصندوق تلبيتها حالياً. وقالوا إن سيطرة الحوثيين على موارد الصندوق وقراراته أدت إلى إيقاف عشرات المراكز وتجميد برامج التأهيل، إضافة إلى تحويل جزء كبير من الدعم لصالح الجرحى والمقاتلين العائدين من الجبهات.

وأشار العاملون إلى أن المساعدات النقدية والأجهزة التعويضية تُمنح بشكل شبه حصري لعناصر الجماعة وجرحاها، في الوقت الذي يُترك فيه آلاف المعاقين المدنيين لمواجهة مصيرهم دون أي دعم.

تعبئة فكرية

وسط هذا الانهيار الإنساني، تواصل الجماعة الحوثية إخضاع عشرات الأطفال من ذوي الإعاقة في صنعاء لدورات فكرية وتعبوية تحت اسم «دورات توعوية»؛ إذ أفادت مصادر مطلعة بأن الجماعة جمعت خلال الأيام الماضية أطفالاً ومراهقين من تسعة مراكز وجمعيات متخصصة، تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاماً، وأخضعتهم لمحاضرات تهدف إلى غرس أفكارها العقائدية.

وتقول المصادر إن هذه هي المرة الثالثة منذ مطلع العام التي يتم فيها إخضاع قاصرين معاقين لمثل هذه الأنشطة، في خطوة أثارت سخطاً واسعاً بين أسر الضحايا، الذين اعتبروا ذلك استغلالاً فجاً لفئة يُفترض حمايتها وتمكينها بدلاً من تجييرها لصالح مشروع سياسي.

ويأتي ذلك بعد زيارة مفاجئة للقيادي الحوثي محمد مفتاح، القائم بأعمال رئيس حكومة الانقلاب، إلى مقر الصندوق، وهي زيارة رأى فيها مراقبون محاولة لشرعنة ممارسات الجماعة لا أكثر.

فتيات معاقات لدى مشاركتهن في برنامج تعبوي نظمه الحوثيون في صنعاء (فيسبوك)

ويحذر مختصون اجتماعيون في صنعاء من أن استمرار الإهمال وغياب برامج الدعم قد يدفعان بمزيد من ذوي الإعاقة إلى دوامة الفقر المدقع، ويعمق من معاناتهم الصحية والإنسانية. ويتهمون الجماعة الحوثية بأنها حولت هذه الفئة من مواطنين يحتاجون إلى رعاية إلى وسيلة للابتزاز السياسي والاستغلال الإعلامي.

ويطالب المختصون المؤسسات الدولية والمانحين بضرورة إعادة تفعيل برامج الدعم والتأهيل وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بعيداً عن تدخّلات الحوثيين، داعين إلى وضع آلية رقابة مستقلة على البرامج الموجهة لذوي الإعاقة.

ويؤكد المختصون أن إنقاذ هذه الفئة يتطلب جهوداً عاجلة، خصوصاً في ظل الانهيار المتواصل للخدمات الصحية وارتفاع تكاليف العلاج وتوقف التمويل المحلي والدولي عن معظم المراكز.