البحرين.. زعيم الوفاق في {قبضة القانون}

أمين عام كبرى جمعيات المعارضة في النقطة الحرجة أمام كشف ممولي العنف في البحرين

علي سلمان
علي سلمان
TT

البحرين.. زعيم الوفاق في {قبضة القانون}

علي سلمان
علي سلمان

ماذا يحدث في البحرين؟ هل غضبت حكومة المنامة على جمعية الوفاق كبرى جمعيات المعارضة السياسية التي كان يعتقد أنها تلقى معاملة خاصة، من الحكومة.. هل انتهى شهر العسل.. وما الذي أجبر المنامة على المجازفة بتوقيف أمين عام الجمعية الشيخ علي سلمان؟.. وفي الطرف الآخر تدور أسئلة أخرى من نوع.. لماذا لم تجد الخطوة رد الفعل الكبير الذي كان يحدث داخليا وإقليميا ودوليا، لماذا لم تقم الدنيا ولم تقعد. ما الذي تغير.
فالإجابة تبدو طبيعية كما يقول مسؤولو حكومة البحرين.. لأن ما يحدث هو في الإطار القانوني.. في دولة القانون تتم المحاكمات والاستجوابات.. وتتم مساءلة الكبير والصغير، وفق النظم القانونية.. لذا فان ردة الفعل لم تكن كما كان يتوقعها البعض.. حتى إن أنصار الوفاق أنفسهم ظلوا في حالة من الدهشة من الموقف برمته.. ومن ردة الفعل الباهتة.
جهات خارجية غربية تجاهلت خطوة توقيف الشيخ سلمان باعتبارها تمت وفق القانون فيما اكتفت جهات أخرى بمطالبة المنامة بإعمال القانون.. ولا شيء غيره.
لكن رغم ذلك يرى البعض أن نشاط الوفاق السياسي لم يتغير منذ أحداث 14 فبراير (شباط) من عام 2011 وحتى الآن، فهي تنظم المسيرات والفعاليات وتصدر البيانات ويتحدث قادتها للإعلام وفي المناسبات، ولم يحدث أن خضعوا للإيقاف أو للتحقيق أو تم عرضهم على المحاكم، مما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن «الوفاق» تحظى بمعاملة خاصة، فقياداتها لم تتهم في قضايا تمس أمن الدولة كما حدث مع جمعيات سياسية أخرى معارضة. فلماذا الآن.
الواضح جليا في الوقت الحالي هو انحسار الحراك السياسي المعارض في البحرين، ولم يبق منه إلا مظاهرات خجولة تتم في القرى التابعة للمعارضة، وباعتراف المعارضين أنفسهم. وهي تحركات لا تستدعي حتى تحرك الجهات المعنية لمواجهتها لأنها تتم في إطار المسموح.
ومعروف ومنذ أمد بأن الدولة والجمعيات المعارضة لم يكونا يوما على وفاق، فتحدث تجاذبات لكنها سرعان ما تنتهي، وإن كان أبرزها ما حدث في سبتمبر (أيلول) عام 2013، وهي الأزمة التي كانت مؤشرا حينها للإطاحة بحوار التوافق الوطني في نسخته الثانية.

* تساؤلات مقلقة

* يواجه الشيخ علي سلمان أمين عام جمعية الوفاق عقوبة قد تصل إلى السجن 10 سنوات إذا ثبتت عليه تهمة التحريض على تغيير نظام الحكم بالقوة، ففي تجمع عام لجمعية الوفاق تحدث أمين عام الجمعية عن عرض تلقته المعارضة البحرينية بانتهاج أسلوب المعارضة السورية لتحويل البحرين إلى معركة عسكرية، كما تحدث عن هذا العرض في حوار أجرته مع إحدى القنوات الفضائية.
السؤال الذي يقلق البحرينيين خلال هذه الفترة هو الجهة التي قدمت هذا العرض لتحويل مملكتهم الصغيرة إلى بركة من الدماء. يقول نائب في البرلمان البحريني: «نريد أن نعرف هذه الجهة، فقد يقبل شخصية غير الشيخ علي سلمان أو تيار غير الوفاق هذا العرض».
بعد عام تقريبا وخلال الربع الأخير من 2014 تكرر التجاذب بين الحكومة والجمعية السياسية المعارضة التي تصنف على أنها أكبر فصائل المعارضة. كانت البداية إنذارا لتعديل وضعها القانوني لوجود مخالفات صريحة لقانون عمل الجمعيات السياسية. لم تكترث الجمعية حينها وبعد أن وصل الأمر إلى القضاء وصدر حكم بتعليق نشاطها قدمت تعهدات بتعديل وضعها وإعادة تنظيم مؤتمرها العام بما يتوافق مع قانون الجمعيات السياسية.
عقدت الجمعية مؤتمرها العام في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2014، وألقى الشيخ علي سلمان أمين عام الجمعية الفائز بالتزكية البرنامج السياسي للجمعية للفترة المقبل وتضمنت كلمة سلمان عدة محاور بينها قوله إنه تلقى عرضا على المعارضة البحرينية أن تنتهج نهج المعارضة السورية وأن تحول البلد إلى معركة عسكرية ولكن ثبات هذه المعارضة على السلمية ووضوح رؤيتها هو العنصر الأساس الذي حافظ على البحرين بعيدا عن الانجرار إلى العنف.
أيضا تغير الوضع كثيرا وجرى في النهر مياه كثيرة، فهناك فرق كبير بين الأحداث التي شهدتها نهاية عام 2013 وتلك التي ترافقت مع نهاية عام 2014، ففي المرة الأولى منع أمين عام الوفاق من السفر وجرى التحقيق معه على فترات متباعدة نسبيا ولم تحال القضية إلى المحكمة.
في نهاية 2014 وبداية 2015 تم إيقاف سلمان لمدة 7 أيام على ذمة التحقيق فيما جدد إيقافه أول من أمس لـ15 يوما أخرى ويجري التحقيق معه على 4 تهم هي «الترويج لقلب نظام الحكم بالقوة، والتحريض على بغض طائفة من الناس مما يؤثر على السلم الاجتماعي، والتحريض على عدم الانقياد للقانون، وإهانة وزارة الداخلية»، إحداها تصنف كجريمة وتصل عقوبتها إلى السجن 10 سنوات.
يقول عيسى عبد الرحمن وزير شؤون الإعلام البحريني إن الحكومة البحرينية تضمن حقوق أمين عام جمعية الوفاق أثناء توقيفه والتحقيق معه ومحاكمته، وأن يتمتع بكافة حقوقه القانونية كأي مواطن يتعرض للإيقاف والتحقيق والمحاكمة، وأضاف ضمان الحقوق في مملكة البحرين عملية مؤسسية مستمرة فلدى البحرين مفوضية حقوق السجناء والموقوفين وتمارس عملها كجهة مستقلة وتحقق في أية قضية تصل إليها سواء من السجناء أو من ذويهم بكل شفافية وحيادية.
ويتابع: العمل الحقوقي أصبح عملا مؤسسيا والأجهزة التي تمارس دور الرقابة تتمتع باستقلالية كاملة.
بدورها قالت سوسن تقوي رئيسة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس الشورى البحريني لـ«الشرق الأوسط»: «يجب الوقوف جديا أمام تلويح أمين عام جمعية الوفاق بعسكرة المعارضة في البحرين، وذلك عبر التواصل مع أنظمة وتشكيلات سياسية مسلحة في الخارج، وما ينطوي على ذلك من استقواء بالخارج في سبيل إحداث تغيير معين في النظام السياسي بالبحرين، وإن ذلك موثق من خلال كلمة أمين عام الجمعية في المؤتمر العام لجمعيته، وما يعنيه ذلك من دلالات سياسية تحمل أوراق استخدام العنف والسلاح ورقة للضغط والابتزاز والتأثير لتحقيق المطالب غير التوافقية بالطرق غير المشروعة وبعيدا عن المؤسسات الدستورية».
يقول النائب على العرادي نائب رئيس مجلس النواب لـ«الشرق الأوسط»: «الشيخ علي سلمان أمين عام جمعية سياسية مرخصة ولكنه مواطن بحريني يخضع للقانون كأي مواطن، ويواجه في الفترة الراهنة اتهامات ولم يدان حتى الآن وأشار في إحدى خطبه إلى تلقيه عرضا بتزويده بالسلاح وتحويل المعارضة البحرينية إلى معارضة عنيفة على غرار المعارضة السورية ويشكر على رفضه لهذا العرض، لكن من حق البحرين والبحرينيين أن يعرفوا من هي هذه الجهة؟».
ويتابع نائب رئيس مجلس النواب القانون البحريني نص على أن الجميع سواسية والشيخ علي سلمان لا يختلف عن غيره من المواطنين، وما حدث هو اتهام طبيعي ونشد على يد النيابة بأن تمضي في تحقيقاتها حتى النهاية، فمن حق الدولة والنيابة أن تعرف التي تنوي شرا للبحرين وأهلها، ويضيف العرادي: «هو رفض لكن قد يتلقى العرض شخص آخر أو تيار آخر وقد يقبله، وحدث خلال الفترة الماضية حالات تهريب سلاح إلى البحرين».
في المقابل اعتبر جميل كاظم أحد قياديي جمعية الوفاق أن الشيخ علي سلمان في خطابه الأخير وفي جميع خطاباته يؤكد على السلمية وقال إن هناك أطرافا في المعارضة البحرينية لا تتبنى خطاب سلمان وتعتبره ضعفًا، واعتبر كاظم أن محاكمة أمين عام الجمعية هي محاكمة لمنهج جمعية الوفاق في التعاطي السياسي.
ردود الفعل الدولية حول إيقاف أمين عام جمعية الوفاق كانت محدودة وإن كانت أبرز ردود الفعل جاءت من إيران التي وسمتها الحكومة البحرينية بأنها تحريض سياسي وديني في بيان صدر عن وزارة الخارجية البحرينية هنا يقول وزير شؤون الإعلام إن ما يهم مملكة البحرين هو الشأن الداخلي وإن الأمر يتعلق بمخالفات صريحة للقانون وكان هناك تدرج في التعاطي مع القضية فتمت مساءلة المتهم قبل التحول إلى السلطة القضائية، وأي تعليق خارجي «لا يعنينا» وتتعامل مع القضية كشأن داخلي بحت.
تقول سوسن تقوي: «البحرين دولة قانون ومؤسسات، والجميع خاضع للمسطرة القانونية، وما جرى بالنسبة لأمين عام جمعية الوفاق هو مساءلته عما نسب إليه من اتهامات، وما زالت النيابة العامة تواصل استجوابها له، شأنه في ذلك شأن أي متهم آخر يمثل أمام النيابة العامة أولا ثم القضاء لتتخذ العدالة مجراها الطبيعي».
وتضيف تقوي إن جمعية الوفاق تعتبر مساءلة أمينها العام معاقبة لها، ولكنها تحرف بذلك الموضوع وتبتعد عن كبد الحقيقة، فما جرى هو تشكيل مجموعة من الاتهامات بحق أمين عام الجمعية في ظل سقوطه في مجموعة من المخالفات الصريحة لعدد من القوانين، ولا يمكن غض النظر عن المجاهرة بمخالفة الدستور أو التمرد على التشريعات، وإلا فإن ذلك سيفتح الباب واسعا أمام تسيب الممارسة القانونية وبالتالي إحداث الفوضى تحت ذرائع متعددة.
واعتبرت تقوي أن أغلب ردود الفعل الخارجية انصبت على ضرورة استكمال الإجراءات القانونية بشكل صحيح وضمان تنفيذها بشكل أمين والشفافية في إجراءات التقاضي، كما قالت إن المؤسسة القضائية في البحرين لا تحتاج إلى نصائح من هذا النوع من هذه الدول لأنها تمارس الشفافية والحياد في ممارساتها القانونية والقضائية، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن ردود الفعل الكثيرة أبرزت من جديد بسط الدولة للأمن والاستقرار وهيبة القانون وتنفيذه بين جميع المواطنين وذلك دون تمييز أو تفرقة بين أي مواطن وآخر، وبخاصة من يخطئ أو يتمادى في المخالفة وبشكل لا يمكن السكوت عنه لئلا يكون ذلك سابقة للعدوان على الدستور.
بدوره قال علي العرادي نائب رئيس مجلس النواب «إن ما حدث لأمين عام جمعية الوفاق هو شأن داخلي ومن غير المناسب لأي دولة انتهاك سيادة دولة أخرى، وأتمنى كمواطن أن تظهر الحقيقة وأن نعرف ما وراء الادعاءات فإذا كانت صحيحة نتمنى تنفيذ القانون، وإن كانت غير صحيحة نتمنى أن بفرج عنه وأن يعود إلى حياته الطبيعية».
وتابع العرادي: «ردود الفعل كان أبرزها من المنظمات غير الحكومية وإن كانت لا تنظر في حقيقة الادعاء ولديها وجهة نظر مسبقة إلا أنها كانت مع تطبيق القانون، أما ردود فعل الدول كانت محدودة وكانت في الغالب حذرة».
يقول جميل كاظم القيادي في جمعية الوفاق: «لدى الجمعية تصنيف لردود الفعل سواء الصادرة عن الدول أو المنظمات دولية»، ويضيف: «(الوفاق) لديها علاقات جيدة مع مختلف المنظمات والمؤسسات الدولية فضلا عن علاقتها مع السلك الدبلوماسي الدولي».
واعتبر كاظم أن ردود الفعل كانت جيدة على مستوى المنظمات والمؤسسات الدولية وأبرزت الأزمة البحرينية، بينما كانت ردود فعل الدول الغربية دون مستوى الحدث.
ويعتبر أن إيقاف الأمين العام للجمعية وتعليق نشاطها السياسي حتى تصحيح أوضاعها كان نتيجة رفض الجمعية لوثيقة الأعيان التي أعلن عنها في سبتمبر من عام 2014 بعد لقاء جمع ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة مع شخصيات وطنية وتضمنت الوثيقة حينها 5 نقاط وجدتها الوفاق والمعارضة بشكل عام غامضة.
وتابع كاظم: «أعتقد أن الأمور خطيرة عندما تستهدف جمعية سياسية مصرحة وتمارس نشاطها منذ 12 عاما قضائيا ويحاكم رموزها ولو استمر هذا الوضع التصاعدي ستدخل البحرين في أزمة».
في المقابل أكد وزير شؤون الإعلام أن ما تقوم به الحكومة البحرينية وبكل وضوح هو تطبيق للإجراءات والقانون ولا يوجد ترصد أو استهداف لجمعية الوفاق أو قياداتها فالجمعية أنشئت على أساس قانون عمل الجمعيات السياسية ويجب أن تلتزم بهذا القانون وأمين عام الجمعية كان خلال السنوات الماضية يمارس عمله كأي مواطن بحريني ويتم استدعاؤه ومساءلته إذا خالف القانون.
وشدد عيسى عبد الرحمن على أن حكومة البحرين تضمن لأي جمعية سياسية مرخصة أو شخصية تمارس العمل السياسي أن تمارس عملها بكل أريحية إذا لم تخالف القانون وأضاف: «هناك 17 جمعية سياسية أخرى في البحرين لم تتعرض لها أية جهة حكومية وتمارس نشاطها بكل حرية».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».