ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل

اجتماعات قبلية وعسكرية تقدم صورة مختلفة عن المستقبل

ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل
TT

ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل

ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل

توجد 5 مفاتيح لوقف الفوضى والاقتتال الجاري في ليبيا. المفتاح الأول هم زعماء قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة، وكلها منتشرة في عموم ليبيا وتتركز في الوسط. والمفتاح الثاني هم قادة قبائل الشرق خاصة قبائل العبيدي والقطعان والمنفة والفرجان. والمفتاح الثالث زعيما قبيلتي التبو والطوارق في الجنوب والجنوب الغربي من البلاد. والمفتاح الرابع هو النائب باشاغا وأنصاره، وهو الرجل المعتدل في مدينة مصراتة والمدن القريبة من طرابلس في غرب البلاد. أما المفتاح الخامس والمهم فيتمثل في الجيش الوطني وتركيبته التي تحتاج إلى إعادة هيكلة.
وحضرت «الشرق الأوسط» جانبا من عدة اجتماعات عقدها قادة ليبيون في القاهرة والإسكندرية وفي مدن ليبية خلال الأسابيع الأخيرة، وتبين من خلال المناقشات الهادئة التي شارك فيها رجال قبائل أقوياء وعسكريون مخضرمون ممن لا يحبون الظهور في وسائل الإعلام، أن ما يظهر على السطح من اقتتال وخلافات يعد مقدمة لصراعات أكبر يحتمل وقوعها في المستقبل إذا لم يلتفت العالم ودول الجوار إلى الأطراف الرئيسية التي تملك مفاتيح الحل في هذا البلد الغني الذي يعاني من الفوضى منذ سقوط نظام القذافي في 2011 وحتى الآن.
ولوحظ خلال هذه الاجتماعات أن الميليشيات المسلحة مثل «فجر ليبيا» التي يتركز وجودها في مصراتة وطرابلس وتنظيم أنصار الشريعة الذي يوجد في بنغازي وصبراتة وسرت، وتنظيم داعش الموجود في درنة، كلها تنظيمات هشة يمكن القضاء عليها سريعا في حال توحدت القيادات القبلية والعسكرية والسياسية المشار إليها. لكن الأطراف المعنية بالتطورات في ليبيا، أي أن دول الجوار والأمم المتحدة، مستمرة في التعامل مع ما يجري على السطح فقط «دون الالتفات حتى الآن لمفاتيح الحل الأساسية في ليبيا».
وخلال واحد من هذه الاجتماعات جاء اتصال هاتفي لقائد عسكري وسياسي ليبي، من أحد الوسطاء المقربين من المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، برناردينو ليون. وكان هذا الوسيط يقيم في دولة اليونان، وقال عبر الهاتف للقائد المشار إليه: لماذا لا تقومون بالاتصال بالسيد ليون.. إنه ينتظر مكالمة منكم من أجل المساعدة في الحل. فأجاب الرجل قائلا: أرقام هواتفنا معه، وكان من الحصافة أن يتصل بنا هو إذا كان يسعى بالفعل إلى وضع حل للمشكلة الليبية، لكنه لم يفعل، فلماذا نبادر نحن بالاتصال.
ويمكن في حال جمع المفاتيح الخمسة المشار إليها، وفقا للنتيجة المبدئية التي أسفرت عنها تلك الاجتماعات، أن يكون هناك شكل للدولة الليبية التي تعاني من التمزق والصراعات. وهذه أهم تفاصيل ما دار في هذه اللقاءات..
بالنسبة للمفتاح الأول، الخاص بزعماء قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة، يوجد تحت أيدي هذه القبائل عدة مئات من الضباط المحترفين الذين يأتمر بأمرهم ألوف الجنود ممن تركوا الجيش وعادوا لبيوتهم بعد سقوط نظام القذافي. وبعض هؤلاء الضباط رجع وانضم بالفعل إلى الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، ويوجد في غرفة العمليات برئاسة أركان الجيش حاليا ضباط كثيرون من قبيلة ورفلة مثل قائد سلاح الجو، سعد الورفلي، وهو من معقل ورفلة في مدينة بني وليد.
لكن الضباط الكبار الذين يمكنهم إصدار أوامر بعودة ألوف الجنود السابقين المنتمين لقبيلة ورفلة والقبائل الأخرى كالمقارحة والقذاذفة، للانخراط في صفوف الجيش، ما زال معظمهم بعيدا عن ساحة المعركة ولم يتصل بهم أحد، وبعضهم يعيش في مصر وتونس والجزائر منذ 2011 حتى اليوم. هذا المفتاح المهم المتمثل في قادة عسكريين لديهم اعتبار كبير داخل قبائلهم وبين جنودهم، لم يلتفت إليه أحد على ما يبدو.
ويشير أحد المجتمعين: «حين انخرط عدة مئات من الجنود السابقين مع جيش حفتر في معارك غرب طرابلس في الأسابيع الأخيرة، تحت اسم (جيش القبائل)، تمكنوا من صد هجمات قوات (فجر ليبيا) ومن معها من متطرفين، ما بالك لو انضم للجيش كل الضباط والجنود في الجبهة الغربية».
ويقول أحد القادة ممن شاركوا في واحد من هذه الاجتماعات في القاهرة: لديك أسماء لضباط لديهم القدرة على حشد ألوف الجنود التابعين لهم من الذين تركوا الجيش بعد انهيار النظام السابق، لكن هناك إصرارا على تجاهلهم من جانب البرلمان الحالي وجيش حفتر ودول الجوار والأمم المتحدة.
مثلا حين تذكر اسم الفريق مبروك السحبان، وهو من قبيلة المقارحة فهذا كان آمرا للمنطقة الدفاعية الغربية في ليبيا أيام معمر القذافي، بداية من منطقة ورشفانة قرب طرابلس حتى حدود تونس والجزائر. كل المعسكرات هناك كانت تابعة له.
ويضيف أحد الزعماء القبليين أن «الفريق السحبان يعد رمزا كبيرا داخل قبيلته ويطلق عليه أيضا لقب شيخ قبيلة، وهو ضابط مخضرم ومحترف، واسمه في العسكرية الليبية كبير مثل اسم قادة مصريين تاريخيين كالجمسي وأبو غزالة وسعد الدين الشاذلي. إذا استعان حفتر أو عبد الرزاق الناظوري رئيس أركان الجيش الحالي، بمثل هذا القائد العسكري فأنت تكون قد استعنت بنحو 3 آلاف أو 4 آلاف جندي وضابط، ممن يأتمرون بأمره، لأن لديهم ولاء له ويطيعون أوامره أيا كانت، وسيعودون للانضمام للجيش بكلمة منه. كما أنك لو استعنت بمثل هذا الرجل تكون قد أتيت بكل قبيلته معك وهي قبيلة تنتشر وتحكم من غريان شمالا إلى سبها جنوبا، مرورا بمناطق الشويرف ومزدة والشاطئ. هذه كلها مناطق مقارحة».
وتقول المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» إن الفريق السحبان يعيش في الوقت الحالي في مصر «التي يوجد فيها ما لا يقل عن 100 ضابط ليبي من رتبة عقيد فأعلى. ولم يتصل بهم أحد لا من حكام ليبيا الجدد ولا من دول الجوار ولا من الأمم المتحدة. كما أن الجزائر يوجد فيها من 20 إلى 30 ضابطا كبيرا إضافة إلى عدة مئات من الضباط الآخرين في تونس».
وتضيف المعلومات أن «مثل هؤلاء، من قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة عسكريون أداروا معارك للجيش الليبي لمدة 8 شهور تحت قصف حلف الناتو، وصمدوا فيها، بينما الجيش العراقي انهار أمام ضربات التحالف الدولي في 2003 في عدة أيام.. وبالتالي، ونظرا لثقلهم القبلي، فهم يمثلون أحد المفاتيح المهمة لحل الأزمة الليبية سواء اليوم أو في المستقبل».
وبدا من خلال اجتماعات مماثلة عقدت في القاهرة بين أطراف تمثل قبائل ليبية مهمة، بشكل غير رسمي، أن هذه الأطراف لا تعطي اهتماما يذكر لا باجتماعات دول الجوار حول مشكلة بلادهم، ولا بجهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لسبب بسيط، وهو أن «تلك الدول والسيد ليون يتعاملون مع السطح لا مع العمق.. يقدمون مبادرات لاسترضاء من يظهرون على شاشات التلفزيون سواء من قادة البرلمان والجيش أو من قادة الميليشيات المتطرفة.. يريدون الجمع بين فصائل ليست لها الكلمة النهائية في مستقبل الدولة الليبية».
ولمح بعض المجتمعين إلى أن دولة الجزائر التي تعقد اجتماعات مع أطراف ليبية، كل على حدة، منذ عدة أشهر، سعيا لجمع القادة الليبيين حول مائدة حوار في نهاية المطاف، أكثر الدول تفهما للتركيبة الليبية. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الجزائر ربما ستستمع أخيرا لعدد من زعماء القبائل من ورفلة والمقارحة ومن قبائل الشرق أيضا. ويبدو أن تحفظات بعض شيوخ القبائل على الجزائر تكمن كما تردد في بعض الاجتماعات التي عقدت في مدينتي طبرق والبيضا بليبيا، في أنها تعطي أولوية لتأمين حدودها مع ليبيا، أكثر من الجهود المنتظرة لحل الأزمة الليبية.
والمفتاح الثاني المهم في حل المعادلة هم قادة قبائل الشرق خاصة قبيلة العبيدي، التي ينتمي إليها رئيس البرلمان الحالي عقيلة صالح، وقبيلة القطعان وقبيلة المنفة التي ينتمي إليها المجاهد التاريخي عمر المختار، إضافة لقبيلة الفرجان، وهذه القبيلة الأخيرة ينتمي إليها حفتر، لكن كل هذه القبائل لم تتمكن من حسم الأمر، لا في مدينة درنة ولا في مدينة بنغازي، ولا في مدينة سرت التي توجد فيها ميليشيات المتطرفين من «فجر ليبيا» و«أنصار الشريعة» وتنظيم داعش، رغم أن هذه القبائل، ومنها أيضا قبائل معدان وورفلة والقذاذفة وأولاد وافي، وباقي القبائل الأخرى، تمثل العدد الأكبر في تلك المدن من الشمال الأوسط وغالبيتها ضد المتطرفين.
ويقول أحد زعماء القبائل ممن شاركوا في الاجتماعات التي عقد بعضها أيضا في الإسكندرية شمالي غرب القاهرة، إن ألوفا من أبناء هذه القبائل كانوا ضباطا وجنودا في الجيش الليبي السابق، لكن الحكام الجدد يتجاهلون إعادة ضمهم إلى صفوف الجيش الجديد خشية مطالبة الرتب العسكرية الكبيرة بمواقعها القديمة في الجيش، بعد أن قام بعض من الضباط الصغار بترقية أنفسهم من مجرد ملازم أول إلى رتبة لواء، وهو أمر يقف حجر عثرة أمام «تقوية الجيش الحالي».
ويضيف أن الأمر «يحتاج إلى شجاعة من أجل إعادة إصلاح هذه الأمور حتى يكون هناك حسم للمعارك ضد المتطرفين. وإذا لم يجر إصلاح هذه المشاكل الآن فإنها ستظل موجودة لتظهر في المستقبل. لا يمكن التوصل لحلول بتجاهل هذه القوات التي تنتظر وستواصل الانتظار إلى حين. من مصلحة دول الجوار، وأوروبا، إذا كانوا يريدون اتقاء شر الإرهاب مستقبلا، الضغط على حفتر من أجل معالجة وضع الضباط والجنود السابقين لتقوية جيشه، وبالتالي سيضطر لتقديم تنازلات صعبة لكن لا بد منها».
وانخرط عدد كبير من الضباط والجنود السابقين من قبائل المنطقة الشرقية في الجيش، لكن حتى بالنسبة لهؤلاء ما زالت توجد حساسيات بشأن الرتب العسكرية والأقدمية داخل المؤسسة العسكرية، وظهر ذلك واضحا وفقا للمصادر نفسها أثناء معارك بنغازي ضد المتطرفين، خلال الأسابيع الأخيرة، حين لوح بعض القادة، ممن يعدون أنفسهم أكثر أقدمية في الجيش، بأنهم هم من سيتولى الإعلان عن تحرير بنغازي، أمام وسائل الإعلام، وليس حفتر أو الناظوري.
وتخلو مدينة مثل سرت التي يهيمن عليها المتطرفون من أي قوات تابعة للجيش الوطني، منذ الحرب العنيفة التي شهدتها المدينة وانتهت بقتل القذافي فيها. ويقول أحد شيوخ القبائل هناك: «سرت تعرضت لتدمير وقصف من حلف الناتو.. القوة القتالية الرئيسية خرجت منها بعد مقتل القذافي.. مات من مات، واعتقل من اعتقل، وهرب من هرب. ولم يستطع من خرج منها أن يعود إليها. كان ينبغي على الجيش الوطني معالجة هذا الأمر، لكن القادة الجدد يخافون من اتهامهم بإعادة القيادات العسكرية التي كانت في الجيش أيام النظام السابق، وهذا في حد ذاته يعرقل الحل ويؤخره سنوات بل يفتح الباب لمزيد من الاحتقان والتربص».
ووفقا لما دار في عدد من الاجتماعات المشار إليها، فقد تبين من أحاديث المشاركين فيها أن المفتاح الثالث والمهم، للمشاركة في حل الأزمة الليبية والتعجيل بإنهاء الحرب ضد المتطرفين، هما قبيلتا الطوارق والتبو.. «هناك ضابط كبير يدعى علي كنة، وهو أيضا برتبة فريق.. وهو من قبيلة الطوارق، ويطلق عليه الطوارق لقب أمغار، ويعني أمير. وهو الآن موجود في الجزائر.. والطوارق مقاتلون شرسون جدا.. وتحت يد علي كنة ألوف المقاتلين المحترفين في جنوب وجنوبي غرب ليبيا.. من مصلحة من ترك هؤلاء القادة وهؤلاء الجنود بعيدا عن المعارك التي يخوضها جيش حفتر؟ جيش حفتر وحده غير قادر حتى الآن على طرد المتطرفين من مدن درنة وبنغازي وطرابلس وسرت وصبراتة وسبها. فإلى متى؟».
ورغم مشاركة عسكريين كثر من قبيلة التبو في الحرب على المتطرفين خاصة في مناطق الجنوب والشمال الأوسط، فإنه كانت هناك أسئلة لا تجد إجابات، كما بدا خلال اجتماع آخر عقد في القاهرة، وهي: «لماذا لا تأتي من التبو بالقائد العسكري المخضرم، واسمه بركة ورد أجوه.. وهو برتبة لواء ويعد شيخا معتبرا بالنسبة لقبيلة التبو أيضا؟».
أما المفتاح الرابع، وفقا لما دار في الاجتماع المشار إليه، فيكمن في النائب فتحي باشاغا وأنصاره، الذين أصبحوا يمثلون التيار المعتدل في مدينة مصراتة والمدن القريبة من طرابلس في غرب البلاد. ومع ذلك، ورغم أهمية هذا التحول، فإن حكام ليبيا الجدد ودول الجوار والأمم المتحدة «يتجاهلون هذا التيار المعتدل الذي تشكل في أوساط المتطرفين، خاصة داخل قوة (فجر ليبيا)، وهي قوة ضاربة تنتمي بالأساس إلى مدينة مصراتة ويسيطر عليها قادة متشددون من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة».
ويقول أحد المشاركين في الاجتماع: «إذا لم يسارع المعنيون بحل الأزمة الليبية لمؤازرة تيار باشاغا فإن المتطرفين في الغرب يمكن أن يقضوا على حركته في المهد، وبالتالي إطالة أمد الأزمة الليبية.. يوجد قادة لكتائب مهمة في مصراته، منها كتيبة الحلبوص وكتيبة المحجوب، أصبحوا يميلون إلى إيجاد حلول سلمية بدلا من الاقتتال الذي تصر عليه قوة (فجر ليبيا)، لكن مثلهم مثل تيار باشاغا، لا يجدون المساندة لا من الداخل أي من البرلمان والجيش حتى ولو بشكل سري، ولا من الأطراف الإقليمية والدولية».
أما المفتاح الخامس والمهم فيتمثل في الجيش الوطني نفسه وتركيبته «التي تحتاج إلى إعادة هيكلة.. قادته مثل حفتر والناظوري يتخوفون من وصمهم من جانب المتطرفين بأنهم يستعينون بقادة من جيش القذافي، بينما كان ينبغي على قادة الجيش الوطني أن يعلنوا صراحة أن عقيدة القوات المسلحة لا دخل لها بالتوجهات السياسية».
ويضيف أحد القادة القبليين: «نحن نقول كيف تريد من الجيش السابق أن يحارب معك، وأنت لا تريد أن تضم قياداتهم السابقة ولا تريد أن تعطي لهذه القيادات مكانتها واحترامها، حتى لو لم تعدها للعمل في الجيش بشكل رسمي. مجرد أن تعطي الاعتبار لهذه القيادات وتدعوها للانضمام للعمليات القتالية ضد المتطرفين، ولو معنويا، ستجد معك قوات كبيرة ومعتبرة من الجنود والضباط الذين يعزفون في الوقت الراهن عن المشاركة من قبائل ورفلة والطوارق وترهونة وغيرها.
وظهر من خلال هذه الاجتماعات أن بعض القادة القبليين تحدثوا مع رئاسة الأركان الحالية في الجيش الليبي عن حاجة البلاد لإعادة مثل هؤلاء الضباط بجنودهم للخدمة من أجل سرعة حسم المعارك قبل تفسخ البلاد ودخولها في المجهول.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.