«كوارا»... أول مطعم «فيغن» في لبنان

«كوارا»... أول مطعم «فيغن» في لبنان

يقصده السياسيون والمشاهير وأصحاب الذوق الرفيع في الطعام
الأحد - 16 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 01 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15314]

سمعت بمطعم اسمه «كوارا (Coara)» يقع في منطقة كفر قطرة بقضاء الشوف في لبنان، وعلى بعد 10 دقائق فقط من بيت الدين، ولفتني في هذا المطعم أنه يقدم الطعام الـ«فيغن». رد فعلي كان مفعماً بالتشكيك في الأمر؛ لأن المطبخ الخالي من اللحم والسمك ومشتقات الحليب... مطبخ معقد جداً وله ناسه في التحضير وله زبائنه لأكل طعامه. وسأكون صريحة هنا وأقول إنني فوجئت باختيار أصحاب المطعم الموقع في منطقة نائية، وفي قلب الطبيعة، وعنوانه مخفي لا يمكن الوصول إليه إلا إذا استعنت بدليل محلي.

قادتني إلى كفر قطرة الحشرية، فوصلت إلى نهاية طريق داخلية، توصلك إلى عدد من البيوت الريفية لا يتعدى عددها أصابع اليد، وهناك انتهت الطريق وتوقفت السيارة وبدأت المغامرة.

مطعم يبدو صغيراً من الخارج، يشبه الأكواخ الجميلة التي تراها في الأفلام المصورة في الأرياف. كان في استقبالنا صاحبا المطعم والطاهيان وليد وميسون نصر الدين وهما متزوجان ومن أبناء المنطقة.

دخلنا إلى المطعم الصغير والجميل الذي تزين جدرانه قصاصات من الصحف المحلية والعالمية التي كتبت عن المكان وكانت مذهولة مثلي بوجود مثل هذا المطعم في لبنان.

طاولات من الخشب، مدفأة نار، أوان ملونة، وخزانة أشبه بتلك التي تجدها في البيوت الريفية لحفظ مونة الشتاء وضعت عليها منتجات غير عضوية و«فيغن» محلية الإنتاج. وعبر باب محفور في الجدران المبنية من الطوب القديم تخرج إلى عالم آخر وسط الطبيعة ورائحتها التي تفتح الشهية، ومنظر رائع يطل على أجمل وديان الشوف الجميل... الجلسات جميلة ومريحة، وأرائك بألوان زاهية، وبساتين تحيط بالباحة الخارجية، ومرجوحة حمراء، وطاولة من القش يستعملها أهل القرى في لبنان لتناول القهوة والفطور.

هذا باختصار المشهد العام لمطعم «كوارا»، ولكن الأهم هو ما سيأتي من وصف للطعام الذي لا ينافس إلا نفسه، لأنه بالفعل فريد من نوعه في لبنان ويتحدى نوعية وطريقة تقديم أفضل المطاعم المختصة بتقديم الطعام الـ«فيغن». ولكن من أين جاءت الفكرة وكيف بدأت القصة؟

جاوب عن هذا ميسون ووليد بالقول إنهما بالأساس يتبعان النظام الغذائي الـ«فيغن» منذ سنوات عدة، بعدما توصلا إلى فلسفة مفادها بأن «هذا النوع من الطعام صحي ويقيك أمراض المتوسط، ويساعد في المحافظة على جسم وعقل سليمين، ومن هذا المبدأ بدأت الفكرة»؛ لأنهما يعشقان الطهي ويتفننان في الأطباق الـ«فيغن» لنفسيهما، وبعدها شجعا ابنيهما على اتباع هذا النظام الغذائي وهما الآن في مرحلة الطعام «النباتي».

ويقول وليد، إن المنتجات جميعها من أرضه التي يزرع فيها الـ«كيل (kale)» الذي يكثر استخدامه في المطعم الـ«فيغن»، و«الأرضي شوكي» أو الخرشوف والطماطم والخيار... وغيرها كثير من النباتات والأعشاب والخضراوات والفاكهة، فكل ما تتناوله في المطعم مكوناته محلية الزرع وخالية من المواد الحافظة والسماد.

لا توجد لائحة طعام محددة في «كوارا» يكفي أن تترك الأمر لميسون ووليد وسيقومان بالواجب، وسيبدأ مهرجان الطعام الذي لا يركز فقط على المذاق الذي لا يمكن أن تصدق معه بأنك تأكل أطباقاً خالية تماماً من المشتقات الحيوانية فحسب؛ إنما أيضاً سوف تقف عاجزاً عن وصف طريقة التقديم والألوان والذوق الرفيع في أسلوب وضع المأكولات في حاويات رائعة.

بدأنا بالزعتر البري مع زيت الزيتون المحلي والزيتون والخبز الطازج. تصدرت التبولة الطاولة بحلتها البهية، لتأتي بعدها الكبة المصنوعة من الكينوا والكركم المحمص والفستق، ونوع آخر من الكبة النيئة التي يشتهر بها المطبخ اللبناني، وهنا جرى الاستبدال باللحم البقري أو لحم الضأن، الأفوكادو مع البرغل والبهارات، وكانت النتيجة خلطة سحرية تنسيك اللحم ومشتقاته. وجربنا أيضاً قطعاً صغيرة ومنمقة من البيتزا الـ«فيغن» الخالية من الجبن المصنوع من حليب البقر؛ حيث جرى الاستبدال به حليب اللوز الذي يحل محل الحليب العادي في جميع الأطباق التي ترتكز عليه في مكنوناتها.

البطاطس هي الأخرى رائعة المذاق، فيخيل إليك أنك تتناول شرائح البطاطس المقلية، ولكن في الواقع هي مطهوة في الفرن وتقدم إلى جانب خلطة مايونيز «فيغن» خالية من البيض والحليب.

وعن الوصفات التي يتبعها وليد وميسون؛ يقولان إنهما يبتكرانها ويقومان بتجربة الوصفات بشكل يومي، كما أن الأطباق الرئيسة تكون بحسب مزاجهما، فمكن الممكن أن تأتي ويكون طبق اللزانيا الـ«فيغن» المصنوع من الخضراوات والكاجو وحليب اللوز هو الطبق الرئيسي، وفي يوم آخر قد تكون العرائس (عادة تكون لحماً مشوياً بين قطعتين من الخبز العربي) الـ«فيغن» بانتظارك.

إذا كنت من محبي أكل اللحم والسمك، في «كوارا» لن تصدق أنك ستتلذذ بالأكل الـ«فيغن» بهذا الشكل، فالنكهات والبهارات والمكونات التي تستخدم بدلاً من اللحم تتحول إلى مذاق يشبه طعم اللحم.

حتى الفلافل صحية وجرى طهيها في الفرن بدلاً من القلي، واللحم بعجين تحول إلى خضراوات بعجين، ومن ألذ المقبلات كان طبق الباذنجان مع قطع الطماطم وصلصة الثوم والجبن. وفي نهاية عرس الطعام، جرب المعمول الـ«فيغن» والكنافة الـ«فيغن» أيضاً... واحكم بنفسك.

«كوارا» ليس مخصصاً للأكل؛ إنما لمغازلة ذائقتك وامتحانها، لأنه بعد تذوق كل لقمة من الأطباق الشهية، ستسأل نفسك: «ما هذه النكهة؟».

في النهاية؛ إذا زرت لبنان وقصدت الشوف، فلا بد من تجربة «كوارا»؛ لأنه مطعم لا يشبه سواه؛ لا من حيث الموقع، ولا المبدأ، ولا حتى الأطباق والنكهة. وستخرج من المطعم على عكس ما ظننت قبل مجيئك إليه؛ ستخرج ممتلئ البطن وغير مشتاق للحم ومشتقاته. تجربة فريدة جداً من نوعها أنصح بها.


مذاقات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة