فرنسا: إطلاق نار على كاهن بعد 3 أيام من هجوم كنيسة نيس

المحققون لا يستبعدون فرضية أن تكون عملية التونسي العيساوي «مدبرة في الخارج»

الشرطة وقوات الأمن في موقع إطلاق النار في مدينة ليون أمس (إ.ب.أ)
الشرطة وقوات الأمن في موقع إطلاق النار في مدينة ليون أمس (إ.ب.أ)
TT

فرنسا: إطلاق نار على كاهن بعد 3 أيام من هجوم كنيسة نيس

الشرطة وقوات الأمن في موقع إطلاق النار في مدينة ليون أمس (إ.ب.أ)
الشرطة وقوات الأمن في موقع إطلاق النار في مدينة ليون أمس (إ.ب.أ)

بعد أيام على العملية الإرهابية التي نفذها التونسي إبراهيم العيساوي في كاتدرائية مدينة نيس الساحلية المتوسطية، شهدت فرنسا، أمس (السبت)، حادثاً جديداً تمثّل بإطلاق النار على كاهن في كنيسة بمدينة ليون، فيما استمر الجدل في خصوص الرسوم المسيئة للمسلمين.
وقال مصدر في الشرطة الفرنسية وشهود إن قساً من الروم الأرثوذكس أصيب في إطلاق نار بمدينة ليون، وإن المهاجم لاذ بالفرار. ونقلت «رويترز» عن المصدر في الشرطة أن القس تعرض لإطلاق النار مرتين قرابة الرابعة بعد الظهر بينما كان يغلق الكنيسة ويتلقى العلاج في الموقع من إصابات تهدد حياته. وقال شهود إن الكنيسة تابعة للروم الأرثوذكس، فيما قال مصدر آخر في الشرطة إن القس يوناني الجنسية، وتمكن من إبلاغ خدمات الطوارئ عند وصولها بأنه لم يتعرف على المعتدي.
وجاء الحادث بعد 3 أيام من قيام الشاب التونسي العيساوي، وهو يردد «الله أكبر»، بقطع رأس امرأة وبقتل شخصين آخرين في كنيسة في نيس.
في غضون ذلك، واصل المحققون أمس جهودهم لجلاء مناطق الظل المحيطة بحادثة نيس. وبانتظار أن تتحسن حالة الجاني الذي قتل ثلاثة أشخاص بسلاح أبيض داخل الكنيسة وأصيب بـ14 رصاصة أطلقها عليه رجال الشرطة المحلية في نيس، فإن الأجهزة الأمنية تعوّل على التحقيق الذي تجريه مع ثلاثة أشخاص لم تكشف هوياتهم وكانوا على اتصال مع العيساوي وآخرهم ألقي القبض عليه ليل أول من أمس. ولم تصدر عن المحققين أي معلومات عما حصلوا عليه من هؤلاء الأشخاص وبينهم اثنان شوهدا وهما يتحدثان مع الجاني في مكان عام، وفق ما سجلته كاميرات المراقبة المنشورة في المدينة الساحلية على نطاق واسع. أما الشخص الثالث فقد ألقي القبض عليه بسبب تواجده في منزل أحد الشخصين الأولين لحظة دهمه.
وثمة قناعة لدى المحققين أن العيساوي لم يرتجل عمليته الإرهابية التي أحدثت صدمة عميقة في فرنسا. فمن جهة، سجلت كاميرات المراقبة وجوده في محطة القطارات في مدينة نيس التي تبعد حوالي 400 متر عن موقع الكنيسة حيث قام هناك بتبديل حذائه وقلب سترته كما أنه أجرى عدة اتصالات هاتفية ولم يغادر المكان إلا في الثامنة والنصف أي قبل نصف ساعة من وصوله إلى الكنيسة. فضلاً عن ذلك، فإن كاميرات المراقبة المنصوبة قرب الكنيسة سجلت تجواله حولها في اليوم السابق وذلك، على ما يبدو، للتعرف إلى المكان الذي وصله حاملاً حقيبة الظهر وداخلها سكينان، غير السكين التي استخدمها في هجومه، إضافة إلى قرآن كريم وهاتفين جوالين وشهادة صادرة عن جهاز الهجرة الإيطالية تحمل اسمه وصورته. ويحاول المحققون تحليل بيانات الهاتفين للتعرف على الأشخاص الذين كان على تواصل معهم.
والثابت لدى المحققين أن العيساوي وصل إلى نيس قبل يوم أو يومين من العملية، ولا يعرف أين بات ليلته أو ليلتيه خصوصاً أنه لم يتبين حتى الآن ما إذا كانت له علاقات عائلية في المدينة التي تسكنها جالية مغاربية كبيرة. وتجدر الإشارة إلى أن تونسياً آخر ارتكب صيف عام 2016 عملية إرهابية كبرى في المدينة نفسها حيث قتل دهساً بشاحنة 86 شخصاً وأصاب المئات بجروح. ولذا، فإن المحققين أخذوا يميلون إلى أن الجاني جاء إلى فرنسا وإلى نيس لأنها المدينة الأقرب من الحدود الإيطالية التي لا تبعد عنها إلا ثلاثين كلم خصيصاً من أجل ارتكاب عمليته الإرهابية. ولذا فالسؤال الذي يجهد المحققون الإجابة عليه هو: هل العيساوي على اتصال بتنظيم متطرف أو عضو فيه وما هي هوية هذا التنظيم وأين هو ناشط، علما بأن تونس أوقفت شخصين يُشتبه في علاقتهما ببيان يتبنى اعتداء نيس باسم جماعة غير معروفة تدعى «أنصار المهدي».
ولم يظهر أثر للجاني لدى عبوره الحدود ودخوله إلى الأراضي الفرنسية، ولذا فإنه يمكن أن يكون قد دخلها عبر معبر غير رسمي. ويسعى عشرات اللاجئين الذين يتواجدون على المقلب الثاني من الحدود في محيط مدينة فانتيميل الإيطالية للتسلل إلى الأراضي الفرنسية عبر الهضاب والوديان الوعرة المحيطة. وهذا الاحتمال يدفع إلى ترجيح وصول الجاني إلى فرنسا لهدف إرهابي.
وحتى أمس، لم يعثر المحققون على أي أدلة تربط العملية بجهة خارجية أو على ما يدل على انتساب الجاني إلى تنظيم متشدد. ويقوم تعاون وثيق بين الأجهزة الأمنة في فرنسا وتونس لجلاء الغموض الذي ما زال يحيط بظروف العملية وتشعباتها. والمعروف أن العيساوي الذي كان يمارس مهنة إصلاح الدراجات النارية وبيع البنزين ومادة الديزل ترك منزله في مدينة صفاقس التونسية في 14 سبتمبر (أيلول) الماضي دون إعلام عائلته التي أفاد أفراد منها بأنه في العامين الأخيرين ظهرت عليه مؤشرات الانطواء ووصل مع مجموعة من المهاجرين غير الرسميين الذين يسمون في بلدان المغرب العربي بـ«الحراقة» «لأنهم يحرقون أوراقهم الثبوتية» إلى جزيرة لامبيدوزا ومنها نقل إلى مدينة باري في 9 أكتوبر (تشرين الأول) حيث صدر قرار بطرده من الأراضي الإيطالية كونه مهاجراً غير شرعي. إلا أن القرار لم ينفذ ما مكن العيساوي من «التبخر» في الطبيعة ولم يظهر أثره مجدداً إلا في مدينة نيس في محيط الكنيسة المستهدفة أولاً ثم في محطة القطارات في اليوم التالي. ونقلت صحيفة «لو باريزيان» في عددها أمس عن مصدر أمني قوله: «هذا الشاب التونسي لم يكن وجوده مصادفة والمرجح أنه قد أرسل إلينا. فقد قام بعمليته سريعاً بعد وصوله وكان على تواصل مع عدة أشخاص وكل ذلك لا يبعث على الطمأنينة والأرجح أن تكون العملية مطلوبة رغم كونها بدائية». ويلفت المصدر إلى صدور تهديدات عن تنظيم «القاعدة» عقب إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم.
إزاء هذا التهديد وبالنظر لما يثيره من قلق لدى الرأي العام، فقد كان على السلطات أن تتحرك. من هنا، قرار الرئيس إيمانويل ماكرون تعزيز ما يسمى عملية «سانتينيل» بضم 7000 عسكري إلى قوى الأمن الداخلي ورفع التأهب الأمني إلى الدرجة القصوى وتشديد الحراسة على أماكن العبادة والمدارس... بيد أن هذه التدابير لا تبدو كافية لأن مرتكبي العمليات الإرهابية الثلاث الأخيرة جاءوا من الخارج. ثم إن المعارضة ممثلة باليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف فتحت النار بكثافة على الحكومة متهمة إياها بعدم الكفاءة والتشدد في محاربة الإرهاب. لذا، فإن وزير الداخلية يريد تسريع ترحيل الأجانب الذين ترى فيهم السلطات الأمنية تهديداً للسلامة العامة ويبلغ عديد هؤلاء 231 شخصاً والإسراع كذلك في مساءلة الجمعيات التي يظن أنها تبث خطاباً حاقداً راديكالياً وقد بدأت بتطبيق ذلك.
لكن هذه التدابير ليست كافية لأنها لا تأتي على المعضلة الرئيسية وهي كيفية التعاطي مع الهجرات غير الشرعية ومنح حق اللجوء وفرض الرقابة على الحدود. وقالت فاليري بيكريس، الوزيرة السابقة ورئيسة منطقة «إيل دو فرانس» التي تضم العاصمة وضواحيها، إن فرنسا «توفر حق اللجوء لأعدائها»، فيما طالب نواب من المعارضة بتغيير بعض فقرات الدستور لتمكين السلطات من التحلل من القيود التي تكبلها لمحاربة الإرهاب والانفصالية الإسلاموية. وفيما خص النقطة الأخيرة، فإن الرئيس ماكرون طلب من وزرائه المعنيين تقديم مقترحات جديدة بحيث تكون الخطة متكاملة. وينتظر أن تعرض على مجلسي الوزراء في ديسمبر (كانون الأول) القادم قبل أن تنقل إلى الجمعية الوطنية.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.