يريفان تطلب مساعدة بوتين... وموسكو تقبل إذا انتقلت الاشتباكات إلى داخل أرمينيا

معارك ضارية في قره باغ واتهامات لباكو باستخدام أسلحة محرمة

أخفقت أرمينيا وأذربيجان خلال محادثاتهما في جنيف (الجمعة) في الاتفاق على وقف جديد لإطلاق النار لكنهما اتفقتا على تدابير لتخفيف التوتر(أ.ب)
أخفقت أرمينيا وأذربيجان خلال محادثاتهما في جنيف (الجمعة) في الاتفاق على وقف جديد لإطلاق النار لكنهما اتفقتا على تدابير لتخفيف التوتر(أ.ب)
TT

يريفان تطلب مساعدة بوتين... وموسكو تقبل إذا انتقلت الاشتباكات إلى داخل أرمينيا

أخفقت أرمينيا وأذربيجان خلال محادثاتهما في جنيف (الجمعة) في الاتفاق على وقف جديد لإطلاق النار لكنهما اتفقتا على تدابير لتخفيف التوتر(أ.ب)
أخفقت أرمينيا وأذربيجان خلال محادثاتهما في جنيف (الجمعة) في الاتفاق على وقف جديد لإطلاق النار لكنهما اتفقتا على تدابير لتخفيف التوتر(أ.ب)

أخفقت أرمينيا وأذربيجان، خلال محادثاتهما في جنيف (الجمعة)، في الاتفاق على وقف جديد لإطلاق النار في ناغورني قره باغ، لكنهما اتفقتا على تدابير لتخفيف التوتّر، بما في ذلك التعهد بعدم استهداف المدنيين. والتقى وزيرا الخارجية الأرميني زُهراب مناتساكانيان والأذربيجاني جيهون بَيْراموف وجهاً لوجه في المدينة السويسرية، في محاولة لإيجاد مخرج من هذه الأزمة التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص في شهر ونيّف.
وأمس، لاحت بوادر تشير إلى احتمال دخول النزاع الأرميني - الأذري منعطفاً جديداً بعدما وجه رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان طلباً رسمياً لتدخل موسكو لضمان «حماية أمن أرمينيا». وتزامن التطور مع تواصل المعارك الضارية في غالبية نقاط التماس في قره باغ، ومع ارتفاع حدة الاتهامات الأرمينية لباكو بإقامة تجمعات لإرهابيين داخل مناطق الإقليم بهدف تنفيذ عمليات تخريب، وباستخدام أسلحة محرمة (بينها الفوسفور) في مناطق لجأ إليها مدنيون هرباً من القصف.
ووجه باشينيان رسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دعا فيها إلى «إجراء مشاورات عاجلة لتحديد نوع وحجم المساعدة التي يمكن أن يقدمها الاتحاد الروسي لأرمينيا لضمان أمنها». وأشار رئيس الوزراء في رسالته إلى علاقات التحالف بين البلدين، واستند في طلبه إلى المادة الثانية من «معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة» المبرمة بين البلدين في أغسطس (آب) 1997.
وأوضحت وزارة الخارجية الأرمينية أن باشينيان «عرض في رسالته بدقة الوضع الناشئ نتيجة العدوان العسكري الأذري - التركي على قره باغ، والتحديات التي برزت بسببه». وشدد باشينيان على التهديد الجديد المتمثل بنقل «الإرهابيين الأجانب المسلحين من الشرق الأوسط، ومشاركتهم في الأعمال العدائية».
ولم يطل انتظار الرد الروسي على الطلب، إذ أصدرت وزارة الخارجية الروسية بياناً أكدت فيه أنها لا ترى تهديداً مباشراً على أراضي أرمينيا. ومع تجديد موسكو تأكيد «تمسك الاتحاد الروسي بالتزاماته تجاه أرمينيا، بصفتها دولة حليفة، بما في ذلك في إطار التعاون والمساعدة المتبادلة المنصوص عليها في معاهدة الصداقة». لكن البيان أشار إلى أن «عدداً من مواد هذه المعاهدة يحدد إجراءات ملموسة في حالة وقوع تهديد بشن هجوم مسلح أو عمل عدواني ضد أراضي الطرف الآخر». وزاد أنه «وفقاً للمعاهدة، ستقدم روسيا ليريفان كل المساعدة اللازمة إذا انتقلت الاشتباكات مباشرة إلى داخل أراضي أرمينيا».
ودعت الوزارة أطراف النزاع إلى التزام وقف فوري لإطلاق النار، وتهدئة التوتر، والعودة إلى مفاوضات جدية. وبدا الموقف الروسي لافتاً في تحفظه، علماً بأن أوساطاً روسية كانت قد أشارت في وقت سابق إلى أن «موسكو قد تكون بانتظار طلب رسمي من جانب يريفان لتوسيع مجالات تدخلها المحتمل». لكن معلقين في موسكو رأوا أن الصيغة التي قدم بها الطلب الأرميني، والسند القانوني الذي قام عليه، قد يكونان وراء أسباب التحفظ الروسي، إذ لم تستند رسالة باشينيان على معاهدة الأمن الجماعي التي تضم فضلاً عن روسيا وأرمينيا بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، بل استند إلى معاهدة الصداقة الثنائية الموقعة مع موسكو.
وأوضح السفير الأرميني في موسكو، فاردان توجانيان، لوكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن يريفان «طلبت إجراء مشاورات حول الأمن في إطار الاتفاقيات الثنائية مع روسيا، ولا يوجد حديث عن مشاركة منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، علماً بأن منظمة معاهدة الأمن الجماعي كانت قد أعلنت سابقاً أن الجانب الأرميني لم يتقدم بطلب للمساعدة. وفي كل الأحوال، فقد أثارت التطورات رد فعل سريع من جانب باكو التي أعلنت معارضتها تدخل أي أطراف خارجية، وزادت أنها «لم تطلب تدخلاً من جانب تركيا». وقال الرئيس الأذري، إلهام علييف، إن بلاده «لا تريد تدخل أطراف أخرى في الصراع الدائر في إقليم قره باغ»، وجدد نفي أن تكون تركيا طرفاً فيه، متهماً أرمينيا بالسعي لتدويل الأزمة.
وقال علييف، رداً على سؤال صحافيين عما إذا كانت باكو تنتظر مساعدة من تركيا: «لا نتوقع تدخل دولة ثالثة. كما أننا لا نرى إمكانية لتدخل أي دولة لأن الدول من حولنا شركاء وأصدقاء لنا». وقال علييف إن أرمينيا، حسب معلومات الجانب الأذري «تريد جر الدول الأخرى للمشاركة في المعارك»، وأضاف: «لكنني متأكد من أن هذا لن يحدث».
وشدد الرئيس الأذري على أن «هذا صراع بيننا وبين أرمينيا، وعلى الجميع الامتناع عن التدخل فيه»، مجدداً تأكيد أن «مقاتلات إف-16» التركية المرابطة في أذربيجان «لا تشارك في القتال». وكان لافتاً أمس تأكيد صحيفة كندية أن طائرة مسيّرة تركية، أسقطتها أرمينيا خلال النزاع، كانت مزودة بنظام استهداف كندي. وأوقفت كندا صادرات الأسلحة إلى تركيا في بداية الشهر، في أعقاب تحقيق حول احتمال تزويد هذا البلد معدات عسكرية كندية إلى أذربيجان.
والتقط مصور من الصحيفة الكندية ذهب إلى مجمع عسكري أرميني صوراً لأجزاء من الطائرة التي تم إسقاطها الخميس الماضي. ونقلت الصحيفة عن الخبير كيلسي غالاغر أن الصور تظهر نظام تصوير واستهداف من طراز «إم إكس-15 دي»، صنعته شركة «إل 3 هاريس ويسكام» الكندية. وسمحت أوتاوا للشركة، ومقرها في برلنغتون في أونتاريو، بتصدير هذه الأنظمة إلى شركة بايكار التركية المصنعة للطائرات المسيرة. وأوضح غالاغر أن «لوحة القاعدة نفسها تحتوي على كتابة بايكار، مصنّعة الطائرة التركية المسيرة (بايكار تي بي 2)».
وكان رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، قد أشار، خلال مؤتمر صحافي، إلى انتهاك محتمل لاتفاقيات بيع المعدات العسكرية. وقال إن «علينا التأكد من احترام القواعد والاتفاقيات الواردة في العقد حول استخدام المعدات الكندية».
إلى ذلك، أكد علييف استعداد باكو للجلوس إلى طاولة المفاوضات، بهدف تسوية النزاع في قره باغ، ورأى أن إطالة أمد المعارك في المنطقة تعتمد فقط على موقف أرمينيا التي اتهمها بخرق 3 اتفاقات هدنة في الإقليم، موضحاً أن «أرمينيا وحدها هي التي يمكنها أن تضع حداً للحرب. عندما تعترف بالهزيمة، سنحرر أراضينا بطريقة أو بأخرى».
وفي غضون ذلك، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أن مجلس الأمن الدولي سوف يعود إلى مناقشة قضية قره باغ، في حال تواصل تدهور الأوضاع بمنطقة الصراع. وأشار نيبينزيا إلى أن «نظام وقف إطلاق النار يتم خرقه بشكل دائم، رغم الالتزامات التي جرى تحملها في كل من موسكو وواشنطن»، مضيفاً: «لا توجد آلية لمراقبة تطبيق نظام وقف إطلاق النار، ولا يوجد التزام بالهدنات الإنسانية».
وكان مجلس الأمن الدولي قد عقد خلال الشهر جلستين مغلقتين لمناقشة قضية قره باغ لم تسفرا عن إصدار قرارات أو وثائق ملزمة.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.