وجّهت الرئيسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، رسالة قوية إلى نظرائها الأوروبيين في مستهل القمة الافتراضية التي خُصصت لتنسيق تدابير مواجهة الموجة الثانية من الوباء، التي تحاصر أوروبا منذ أسابيع، وتضيّق الخناق على منظوماتها الصحية التي يقترب معظمها من خط الإنذار الأحمر على مسافة شهرين تقريباً من الذروة المتوقعة لهذه الموجة. وقالت ميركل، في رسالتها، «لا بد أن تبقى الحدود مفتوحة بين الدول الأعضاء، والدورة الاقتصادية ناشطة في هذه المعركة المشتركة التي سنقاتل فيها جميعاً جنباً إلى جنب». وأضافت أن «معركتنا ضد الموجة الثانية ستكون طويلة، ويجب أن تكون مشتركة».
كانت المفوضية الأوروبية قد دعت الدول الأعضاء إلى عقد قمة طارئة لمناقشة واعتماد استراتيجية مشتركة من أجل مواجهة سريعة وفعّالة للموجة الوبائية الجديدة، وتنسيق فحوصات رصد الإصابات، وتتبعها، والتعاون في علاج الحالات التي تستدعي العناية الفائقة، ووضع الخطط لتوزيع اللقاحات. وشدّدت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، على إعطاء الأولوية المطلقة في إدارة هذه المرحلة من الأزمة لوزراء الصحة الذين اقترحت أن يبقى مجلسهم في حال انعقاد افتراضي دائم حتى نهاية موجة الوباء الثانية.
ضغوط على المستشفيات
بعد أن بلغت الإصابات الأوروبية الجديدة نصف الإصابات العالمية تقريباً، نبّهت منظمة الصحة إلى أن الوفيات الناجمة عن «كوفيد - 19» في البلدان الأوروبية زادت عن ثلث الوفيات العالمية، علماً بأن العديد من المنظومات الصحية في هذه البلدان بدأت تعاني من صعوبة في استيعاب الأعداد المتزايدة من الإصابات التي تستدعي العلاج في المستشفيات وفي وحدات العناية الفائقة.
وبعد أن تضاعف عدد الحالات الخطرة في أوروبا خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة، حسب البيانات الأخيرة للمركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة، قالت المفوّضة الأوروبية لشؤون الصحة ستيّلا كيرياكيس، إن الوضع أصبح بالغ الخطورة، ويستدعي إجراءات سريعة وجذرية لاحتواء الوباء. ويثير الوضع الوبائي في الجمهورية التشيكية قلقاً كبيراً في الأوساط الصحية الأوروبية، بعد أن وصل معدل انتشار الإصابات إلى 1449 لكل مائة ألف مواطن، ما دفع الحكومة إلى تكليف القوات المسلحة بإقامة مستشفى ميداني ضخم في العاصمة براغ يتسّع لأكثر من 500 سرير لمعالجة الحالات المعتدلة، وإتاحة المجال أمام المستشفيات الأخرى لعلاج الإصابات الخطرة. يذكر أن عدد الذين كانوا يعالجون من «كوفيد - 19» في الجمهورية التشيكية مطلع أغسطس (آب) الفائت لم يكن يتجاوز المائة، فيما يتجاوز اليوم 6 آلاف.
وفي بلجيكا، التي تحتلّ المرتبة الثانية أوروبياً بعد الجمهورية التشيكية في معدل انتشار الوباء، الذي بلغ 1424 لكل 100 ألف مواطن، قالت السلطات الصحيّة إن وحدات العناية الفائقة قد تبلغ أقصى قدرتها الاستيعابية بحلول نهاية الأسبوع المقبل، وإن كل العمليات الجراحية والاستشارات الطبية غير الطارئة قد تمّ تأجيلها حتى إشعار آخر. وأفادت مصادر صحية بلجيكية بأنه بسبب من تزايد الضغط على بعض المستشفيات والنقص في عدد أفراد الطواقم الطبية، طلبت إدارات هذه المستشفيات من ممرضين مصابين بالفيروس، ولا تظهر عليهم عوارض المرض، أن يواصلوا عملهم كالمعتاد.
ثلاثة أرقام قياسية
في هولندا، التي تفاخر بواحد من أفضل النظم الصحية في العالم، بدأت السلطات الصحية بإرسال مصابين بالفيروس للعلاج في المستشفيات الألمانية المجاورة. وفيما عادت إسبانيا، أمس الجمعة، لتحطّم مرة أخرى ثلاثة أرقام قياسية في أعداد الإصابات الجديدة والحالات التي تستدعي العلاج في المستشفى وتلك التي تحتاج للعناية الفائقة، قال مدير مركز تنسيق الطوارئ الصحية فرناندو سيمون، إن الأرقام لا تشير إلى أي تحسّن يذكر في المشهد الوبائي بعد التدابير الأخيرة، ولم يستبعد إعلان الإقفال التام، إذا لم يطرأ تحسن ملحوظ في الأيام القليلة المقبلة. يذكر أن إسبانيا التي تشكّل إحدى البؤر الرئيسية لانتشار الفيروس في أوروبا، قد اكتفت حتى الآن بإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول الليلي في جميع أنحاء البلاد، والإقفال المحيطي الذي يتيح عزل مناطق جغرافية معيّنة، أو بعض البلدات والأحياء داخل هذه المناطق. وقد أثار هذا القرار انتقادات شديدة في الأوساط العلمية والطبية التي تطالب الحكومة بالإقفال التام لفترة لا تقلّ عن ثلاثة أسابيع أمام الانتشار الواسع والكثيف في معظم الأقاليم.
وفي إيطاليا التي اقتربت إصاباتها اليومية الجديدة، أمس الجمعة، من عتبة الثلاثين ألفاً، وبلغت الوفيّات الناجمة عن «كورونا»، قال وزير الصحة روبرتو سبيرانزا، إن البلاد أصبحت على أبواب «السيناريو الرابع»، وهو الأسوأ في خطة الحكومة لمواجهة الوباء، الذي يفترض أن يعقبه مباشرة إعلان الإقفال التام في جميع أنحاء البلاد.
موجة ثانية من الاحتجاجات
فيما أشارت مصادر رئاسة الحكومة إلى أن رئيس الوزراء جيوزيبي كونتي، يبحث مع معاونيه وأعضاء اللجنة العلمية المشرفة على إدارة الأزمة الصحية حزمة أكثر صرامة من التدابير تحاشياً للإغلاق العام، دعا مستشار وزير الصحة وعضو المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية والتر ريتشاردي، إلى الإسراع في إعلان العزل التام للإقليمين اللذين يسجّلان أعلى معدلات الانتشار، وهما لومباردّيا في الشمال وكامبانيا في الجنوب.
وحذّر رئيس بلدية نابولي لويجي ماجيستريس، من أن إعلان الإقفال التام في المدينة قبل تخصيص وتقديم المساعدات للمتضررين سيفجّر موجة ثانية من التمرّد بعد الاحتجاجات العنيفة التي عمّت المدينة خلال الأيام الأربعة المنصرمة، وأسفرت عن وقوع خسائر مادية فادحة. وقال رئيس بلدية ميلانو بيبي سالا، الذي عادت مدينته لتسجّل أعلى عدد من الإصابات في إيطاليا، «أمامنا معركة طويلة وليس بإمكان أحد مواجهتها منفرداً». وفيما أظهر استطلاع للرأي أن نصف الإيطاليين تقريباً ما زالوا غير مستعدّين لتناول اللقاح قبل التأكد من سلامته ومدى فعاليته، قال رئيس بلدية بيرغامو، التي ضاقت مدافنها بالضحايا خلال ذروة الموجة الأولى، إن مستشفيات المدينة بدأت تستقبل المصابين بالفيروس من المناطق الأخرى، بعد أن خلت تقريباً من الإصابات الجديدة نتيجة المناعة التي تولّدت لدى سكّانها، إثر الإصابات الكثيفة التي تعرّضوا لها في الأسابيع الأولى لظهور الوباء.
من جهتها حذّرت الباحثة المتخصصة في علوم المناعة أنطونيلّا فيولا، من أنه «أيّاً كانت التدابير الاحتوائية التي ستتخذ، ستكون الأرقام بحلول الشهر المقبل أسوأ بكثير مما هي عليه اليوم، لأن الوباء يسري بسرعة تتجاوز إجراءات الاستجابة»، ودعت إلى الإسراع في إعلان الإقفال التام «كي لا نضطر إلى إقفال أقسى وأطول بحلول نهاية السنة الحالية».


