لم تعرف البلاد السعودية، الحياة البرلمانية إلا في فترة الدولة السعودية الثالثة أو الحديثة، عندما دعا الملك عبد العزيز عقب دخوله مكة المكرمة عام 1924 (1343هـ)، إلى جعل الشورى ركيزة أساسية في حكمه، مما يعد نواة لدولة إسلامية شورية، دستورها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، حيث افتتح الملك عبد العزيز مجلس الشورى وترأس الجلسة الأولى عام 1927. وقال خلال المناسبة «علينا اتباع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله محمد تنفيذا لأمره سبحانه وتعالى حيث قال: وشاورهم في الأمر»، ثم قال: «ولو لم يكن من مصالح الشورى إلا إقامة السنة وإزالة البدعة لكفت».
ومرت التجربة الثرية للشورى بمراحل تنظيمية وتطويرية خلال عدة عقود، بما يتناسب وواقع العصر الذي نعيشه، حتى أصبح المجلس اليوم شريكا أساسيا في صناعة القرار، وتجاوز المجلس الانتقادات التي طالته خلال السنوات الأخيرة باقتصار صلاحياته على تقديم النصح والتوصيات لولي الأمر، مستبعدين وجود صلاحيات فعلية له، وأثبت المجلس بأنه قدم الكثير من الإنجازات وأصبح محل ثقة المواطنين قبل القيادة، بل إن حضور المجلس في قرارات مجلس الوزراء الأسبوعية تأتي مقرونة دائما بقرارات الشورى، كما أن عددا من أعضاء الشورى تم اختيارهم لشغل مناصب وزراية وعليا في الدولة وأجهزتها المختلفة، وهو ما يعبر عن الإرادة الملكية وثقتها بأعضاء المجلس، ومستوى الكفاءات تحت قبته، ناهيك عن القرارات والتوصيات التي اتخذها المجلس لصالح الوطن والمواطن، مما يمكن القول بأن النخبة التي يتكون منها المجلس أثبتت جدارتها بما أنجزته من أعمال كبيرة وقرارات مهمة خلال فترة وجيزة.
ويدخل مجلس الشورى السعودي عامه الثامن والثمانين، وسط تطورات وأحداث بالغة الصعوبة، ووسط توجهات لتعزيز أطر المجلس ووسائله وأساليبه، معيدا إلى الأذهان البدايات والمراحل التي مر بها المجلس منذ عهد الملك عبد العزيز إلى اليوم.
وجاء تأسيس أول مجلس منتخب في 24-5-1343هـ الموافق 20-12-1924، أطلق عليه المجلس الأهلي الشوري برئاسة الشيخ عبد القادر بن علي الشيبي، ويضم في عضويته (12) عضوا، ولما كان بناء الدولة لم يكتمل؛ فقد نيط بهذا المجلس تنظيم مواد أساسية لإدارة البلاد، ولم يكن هناك نظام يحدد عمل المجلس، واستمر هذا المجلس نحو 6 أشهر.
ورغبة في توسيع دائرة المشاركة، فقد تم حل المجلس السابق، وصدرت الإرادة السلطانية في 28-7-1925، بتشكيل مجلس منتخب يمثل جميع حارات مكة المكرمة، وعددها (12) حارة، على أن يكون اثنان منهم من العلماء، وواحد عن التجارة، إضافة إلى 3 أعضاء يعينهم السلطان عبد العزيز من أعيان البلد ويلاحظ هنا الجمع بين الانتخاب والتعيين حيث جاء المجلس برئاسة الشيخ - محمد بن عبد الرحمن المرزوقي، والشيخ - عبد القادر بن علي الشيبي، نائبا للرئيس، و(15) عضوا، والشيخ - محمد سرور الصبان، أمينا للسر.
وكان هذا المجلس أكثر تنظيما عن سابقه، وذلك بوجود نائب للرئيس، وأمين للسر، وافتتح المجلس في يوم الثلاثاء 2-8-1925، ثم جاءت تعليمات تشكيل هذا المجلس في 6 مواد، حددت شروط العضوية، وآخر موعد للاقتراع، ومن لهم حق الاقتراع، وهي تعد النواة لنظام مجلس الشورى الذي تأسس فيما بعد، أما ما يتعلق باختصاصاته؛ فقد تمت صياغتها في 7 مواد، تشمل: تنظيم جميع الأمور وترتيبها في المحاكم، والأمور البلدية، والأوقاف، والتعليم، والأمن، والتجارة، إضافة إلى تشكيل لجان دائمة لحل المشكلات التي يُرجع فيها إلى العرف بما لا يخالف أصلا من أصول الشريعة الإسلامية.
ومن ضمن المراحل التي مرت بها البلاد نحو توحيدها، وبناء دولة مؤسسات قادرة على النهوض بالدولة والمجتمع نحو التقدم؛ فقد صدرت موافقة الملك عبد العزيز في 29-8-1926 على التعليمات الأساسية لنظام الحكم، ومن ضمن تلك التعليمات القسم الرابع الخاص بالمجالس، ومنها ما يتعلق بمجلس الشورى وهي المواد: (28)، و(29)، و(30)، و(31)، و(36)، و(37). أشارت هذه المواد إلى مقر المجلس، وتسميته بمجلس الشورى بدلا من الاسم السابق المجلس الأهلي، وتشكيلة أعضائه الذين بلغ عددهم (12) عضوا، وتحديد انعقاد جلساته، ومن لهم حق حضور الجلسات، ومدة العضوية بسنة واحدة.
ولم ترد هذه المواد في مجملها في تعليمات تشكيل المجلس السابق، وتم حل هذا المجلس في 6-7-1927.
وبعد يومين من حل المجلس السابق أي في 8-7-1927 صدر أمر ملكي بتعديل القسم الرابع من التعليمات الأساسية، وهي الخاصة بمجلس الشورى، بحيث يعمل المجلس وفقا للنظام الجديد المعدل، وقد تكون المجلس لهذا العام من 8 أعضاء لمدة سنتين، ووفقا للنظام فإن تشكيل الأعضاء يتم بانتخاب الحكومة 4 بعد استشارة أهل الفضل والخبرة، و4 تختارهم الحكومة بمعرفتها يكون اثنان منهم من أهل نجد.
أما نظام المجلس، فقد صدر في 15 مادة، أظهرت في تنظيمها تجارب المجلس السابقة. وهو بذلك يعد أول نظام للمجلس، ويلزم بأعضاء مفرغين عددهم (8) أعضاء، برئاسة النائب العام للملك، الأمير فيصل بن عبد العزيز، على أن ينعقد المجلس مرتين في الأسبوع، ويمكن أن يجتمع أكثر من ذلك بناء على دعوة من رئيسه كلما دعت الحاجة.
وبهذا يعد هذا العام تاريخ التأسيس الفعلي لمجلس الشورى في عهد الملك عبد العزيز، وقد افتتح الملك عبد العزيز دورته الأولى في 13-7-1927، وعقدت أولى جلساته في يوم الأحد 18-1-1346هـ، الموافق 17-7-1927.
ونظرا لكثرة الأعمال المنوطة بالمجلس، فقد اقتضت المصلحة إجراء بعض التعديلات في نظامه، حيث صدر في العام نفسه نظام آخر معدل في 14 مادة، وكانت التعديلات التي تم إدخالها في هذا النظام، هي: أطلق العدد الذي يؤلف منه أعضاء المجلس، وبلغ العدد ذلك العام (12) عضوا، بعد أن كان محددا بـ8 أعضاء. كما أشارت المادة الثانية إلى تعيين نائب دائم للمجلس من قبل الملك، وأن ينتخب نائب ثان من قبل المجلس، وحددت المادة الثامنة انعقاد جلسات المجلس يوميا بعد أن كانت مرات انعقاده اثنتين في الأسبوع.
كما صدر عن المجلس في العام نفسه ملحق للنظام في 7 مواد، تمت صياغته ليكون أكثر ملاءمة وتنظيما لسير أعمال المجلس، وقد صدر لاحقا بعد إدخال بعض التعديلات، تحت اسم (النظام الداخلي لمجلس الشورى)، في أربع وعشرين مادة.
واستمر مجلس الشورى بنظامه المذكور دون تعديل، وظل يمارس قدرا واسعا من الصلاحيات إلى أن تأسس مجلس الوزراء عام 1953م، حيث جرى توزيع الكثير من صلاحيات مجلس الشورى بين مجلس الوزراء، والأجهزة الحكومية الجديدة، والمطورة وفق أنظمتها، لكن مجلس الشورى ظل يواصل جلساته ويستعرض ما يحال إليه وفق نظامه، وإن لم يكن بالمستوى الذي كان عليه من قبل.
هذا وقد عقد المجلس القديم منذ عهد الملك عبد العزيز حتى نهاية عهد الملك خالد بن عبد العزيز – يرحمهم الله – (6222) جلسة، أصدر خلالها (9349) قرارا، وعدد دوراته بلغت (51) دورة.
وعندما قطعت المملكة شأنا بارزا في التنمية قام الملك الراحل فهد بن عبد العزيز – يرحمه الله – بتحديث الأنظمة في البلاد فأعلن في خطابه التاريخي الذي ألقاه يوم 27-8-1412هـ عن إصدار الأنظمة الـ3. نظام الحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق.
وقد كانت إعادة تحديث نظام مجلس الشورى بمثابة تحديث وتطوير لما هو قائم، عن طريق تعزيز أطر المجلس ووسائله وأساليبه من الكفاية والتنظيم والحيوية، بما يتناسب مع التطورات المتلاحقة التي شهدتها البلاد خلال الحقبة الأخيرة في مختلف المجالات، وبما يواكب واقع العصر الذي تعيشه، ويتلاءم مع أوضاعه ومعطياته، إيذانا ببداية مرحلة جديدة من تاريخ الشورى العريق في السعودية.
ولقد رسخ الملك الراحل فهد بن عبد العزيز – يرحمه الله – دعائم الشورى في المملكة بإصداره نظاما جديدا لمجلس الشورى بتاريخ 27-8-1412هـ يحل محل نظام المجلس القديم الصادر في عام 1347هـ، واعتماده للائحة الداخلية للمجلس والقواعد الملحقة بها في تاريخ 3-3-1414هـ ومن ثم تكوينه للمجلس في دورته الأولى من رئيس و60 عضوا، وفي دورته الثانية صار المجلس مكونا من رئيس و90 عضوا، وفي دورته الثالثة أصبح المجلس مكونا من رئيس و120 عضوا.
وفي دورته الرابعة صار المجلس مكونا من رئيس و150 عضوا، من أهل العلم والخبرة والاختصاص.
وفي عام 1-8-2005 تولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الحكم في البلاد؛ الذي أولى عنايته القصوى بهذا المجلس التي تمثلت في دعمه لمسيرته وتعزيزه لأهدافه منذ كان وليا للعهد، حيث قام بإلقاء عدد من الخطابات الملكية نيابة عن الملك في بداية أعمال بعض سنوات دورتي المجلس الثالثة، والرابعة، إلى جانب ما يوليه من دعم للمجلس من خلال تعديل بعض مواد نظام المجلس كي تتفق والمتغيرات الإيجابية المتنامية التي تعيشها المملكة بما يحقق الرفاه للوطن والمواطن.
وكان من أهم أحداث المجلس في عهده هو قرار مشاركة المرأة عضوا في مجلس الشورى السعودي وذلك أثناء كلمة الملك عبد الله في المجلس أثناء انعقاد دورته الخامسة.
وأثبتت النخبة التي تكوّن منها هذا المجلس الحديث خلال دوراته الـ4 جدارتها بما أنجزته من أعمال كبيرة، وقرارات مهمة خلال فترة وجيزة.
وقد عقد المجلس في حلته الجديدة حتى نهاية السنة الأولى من دورته الخامسة (1141) جلسة، وأصدر خلالها (1361) قرارا.
يشار إلى أن من اختصاصات مجلس الشورى إبداء الرأي في السياسات العامة للدولة التي تحال إليه من رئيس مجلس الوزراء، وله على وجه الخصوص، مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإبداء الرأي نحوها، ودراسة الأنظمة واللوائح، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، والامتيازات، واقتراح ما يراه بشأنها، وتفسير الأنظمة، ومناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات، والأجهزة الحكومية الأخرى، واقتراح ما يراه حيالها.
ومن أجل تفعيل دور المجلس وتمكينه من أداء الواجبات المنوطة به، فقد أتاح له النظام طلب حضور الوزراء والمسؤولين الـحكوميين، حين يرى المجلس حاجة لحضور وزير أو مسؤول حكومي، فإن له طلب حضوره من خلال الرفع إلى رئيس مجلس الوزراء (الملك).
وهذا ما يقوم به المجلس في أحيان كثيرة حيث يدعو عددا من الوزراء والمسؤولين ذوي العلاقة لحضور إحدى جلسات المجلس والإجابة عن أسئلة الأعضاء واستفساراتهم حول الموضوع مدار البحث والدراسة عندما يكون ذا صلة باختصاصاتهم، وذلك بحسب ما يراه المجلس لازما، ويحق لهؤلاء الوزراء والمسؤولين المشاركة في النقاش من دون أن يكون لهم حق التصويت، كما نصت على ذلك المادة الثانية والعشرون من نظام المجلس، كما أتاح النظام للمجلس، حق اقتراح مشـروع نظام جديد أو تعديل نظام نافذ، نصت المادة الثالثة والعشرون من نظام المجلس على أن لمجلس الشورى اقتراح مشروع نظام جديد أو اقتراح تعديل نظام نافذ ودراسة ذلك في المجلس، وعلى رئيس مجلس الشورى رفع ما يقرره المجلس للملك.
ويتكون مجلس الشورى من رئيس و150 عضوا، يختارهم الملك، من أهل العلم والخبرة والاختصاص، وفترة العضوية في كل دورة 4 سنوات، ويشترط في عضو المجلس وفق ما نصت عليه المادة الرابعة من نظام المجلس، أن يكون سعودي الجنسية بالأصل والمنشأ، وأن يكون من المشهود لهم بالصلاح والكفاية، وألا يقل عمره عن 30 سنة.
«الشورى السعودي».. من النصح إلى المساءلة
أول مجلس منتخب في عهد الملك عبد العزيز قبل 90 عاما باسم المجلس الأهلي
«الشورى السعودي».. من النصح إلى المساءلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





