فرنسا وألمانيا تفتحان الباب لعزل أوروبا

بعدما عادت القارة بؤرة للوباء بـ46 % من الإصابات العالمية

ساحة تروكاديرو كما بدت أمس عشية الإغلاق في فرنسا (رويترز)
ساحة تروكاديرو كما بدت أمس عشية الإغلاق في فرنسا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تفتحان الباب لعزل أوروبا

ساحة تروكاديرو كما بدت أمس عشية الإغلاق في فرنسا (رويترز)
ساحة تروكاديرو كما بدت أمس عشية الإغلاق في فرنسا (رويترز)

عادت ستائر الخوف تنسدل مجدداً على أوروبا تحت وطأة موجة الوباء الثانية بعد أن بلغ معدّل الإصابات فيها 46 في المائة من المجموع العالمي، وعادت لتصبح مرة أخرى البؤرة الرئيسية لانتشار الفيروس، الذي ارتفع عدد الوفيّات الناجمة عن الإصابة به بسرعة كبيرة في الأيام الأخيرة الماضية، وتضاعف عدد الحالات التي تعالج في وحدات العناية الفائقة في المستشفيات الأوروبية خلال الأسابيع الثلاثة الفائتة.
وبعد أن دفع هذا المشهد الوبائي الكارثي أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي (فرنسا وألمانيا)، إلى إعلان تدابير الإغلاق التام، بات من المحتوم أن تكرّ في الأيام المقبلة سبحة التدابير المماثلة في الدول الأخرى التي تحاول بكل الوسائل الممكنة تأخير قرارات الإقفال العام وتأجيل الكوارث المعلنة.
وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد أعلنت إقفال المقاهي والمطاعم ودور السينما والمسارح والمسابح والمنشآت الرياضية اعتباراً من مطلع الأسبوع المقبل في جميع أنحاء البلاد، وذلك بعد أن وصل معدّل الإصابات فيها إلى 156 لكل 100 ألف مواطن. وتوجّهت ميركل إلى مواطنيها أمس قائلة: «إنه ليوم صعب جداً بالنسبة لي. أعرف أني أطلب إليكم القيام بتضحيات كبيرة، لكن الوقت يداهمنا وعلينا التحرّك بسرعة».
ومن جهته، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن مساء الأربعاء فرض الإقفال العام في جميع أنحاء البلاد اعتباراً من فجر اليوم (الجمعة)، ومنع المواطنين من مغادرة منازلهم إلا للذهاب إلى المدرسة أو الطبيب أو إلى العمل أو للمشتريات الضرورية. وقال ماكرون، الذي بلغ معدّل الإصابات في بلاده 660 إصابة لكل 100 ألف مواطن خلال الأسبوعين الماضيين: «واجبنا أن نقاوم، كلٌّ من موقعه، من غير جدل، وأن نوفّر الحماية للضعفاء بيننا».
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فان درلاين، قد أعلنت أن التدابير التي اتخذتها الدول خلال الربيع الماضي لاحتواء الموجة الأولى من الوباء قد رُفعت قبل موعدها بكثير، كاشفة أن اللقاح لن يوزَّع قبل أبريل (نيسان)، ومؤكدة بذلك ما قاله مدير الوكالة الأوروبية للأدوية بأن اللقاحات لن تنزل إلى الأسواق قبل الربيع، وأن الكميات اللازمة لتلقيح جميع الأوروبيين لن تتوفّر قبل نهاية العام المقبل.
وفيما كانت القوّتان الاقتصاديتان الأوليان في أوروبا تتراجعان أمام الزحف الشرس للوباء وتقرران الإقفال التام، اهتزّت أسواق المال في بلدان الاتحاد وسجّلت البورصات الأوروبية خسائر تزيد عن 370 مليار يورو في يوم واحد، أي نصف قيمة صندوق الإنعاش الذي أقره الاتحاد مؤخراً لمساعدة البلدان المتضررة من موجة الوباء الأولى.
وكانت الأيام المنصرمة قد شهدت اتصالات ومشاورات مكثّفة بين العواصم الأوروبية الكبرى، برلين وباريس وروما ومدريد، قبل الإعلان عن التدابير الفرنسية والألمانية، وتحضيراً للقمّة الموسّعة عبر الفيديو، مساء أمس (الخميس)، لمناقشة وتنسيق التدابير المقبلة في مواجهة الموجة الثانية لإبقاء الحدود الداخلية للاتحاد مفتوحة أمام حركة المواطنين والبضائع.
ولا تقتصر مخاوف السلطات الصحية الأوروبية على معدلات انتشار الوباء والارتفاع السريع في عدد الإصابات الجديدة، بل تتعداها لتشمل بشكل خاص تدنّي المعدّل العمري للإصابات الخطرة الذي أصبح دون 40 سنة في معظم بلدان الاتحاد، والعدد الإجمالي للوفيات اليومية الذي تجاوز عتبة الألف منذ مطلع هذا الأسبوع. وكان المستشار الصحي للمفوضية الأوروبية، بيتر بيوت، قد علّق على ما دعت إليه بعض الأوساط لقصر العزل على الفئات الضعيفة بهدف الوصول سريعاً إلى مناعة القطيع بين الشباب، بقوله: «من شأن ذلك أن يؤدي إلى وقوع ملايين الضحايا».
وكانت رئيسة المفوضية قد أعلنت أمس الخطوط العريضة والتوجيهات التي تتضمنها الاستراتيجية المشتركة الجديدة لمواجهة موجة الوباء الثانية، وطلبت إلى الشباب زيادة الفحوصات السريعة، معلنة عن تخصيص مبلغ 100 مليون يورو لشراء هذه الفحوصات وتوزيعها على الدول الأعضاء. كما طلبت إلى الحكومات فرض هذه الفحوصات في جميع مطارات الاتحاد لتحاشي إغلاق الحدود الداخلية.
لكن رغم كل هذه التدابير يبقى اللقاح هو رهان أوروبا الرئيسي في المعركة ضد الوباء. وقالت فون درلاين إنها تتوقع الموافقة النهائية لوكالة الأدوية الأوروبية على اللقاحات مطلع فبراير (شباط) المقبل، وأن يبدأ توزيعها على الدول الأعضاء بمعدّل 20 إلى 50 مليون جرعة شهرياً.
وفيما تستعدّ دول أوروبية أخرى، مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا، لتحذو حذو فرنسا وألمانيا، وتحاول قدر الإمكان تأجيل قرار الإغلاق التام لتخفيف بعض الخسائر على اقتصاداتها المنهكة، من المنتظر أن تستلهم هذه الدول في استجاباتها للموجة الثانية نفس الاعتبارات التي استندت إليها الحكومتان الفرنسية والألمانية عند الإقدام على خطوة الإقفال التام رغم الفارق الملحوظ بين المشهد الوبائي في البلدين.
ويقول الخبراء إن الاعتبار الأول الذي دفع برلين وباريس إلى اتخاذ قرار الإقفال العام هو فشل تدابير تتبّع الإصابات، حيث قالت المستشارة الألمانية إن «75 في المائة من الإصابات لم يعد بإمكاننا أن نحدد مصدرها بقدر معقول من الدقة». وكان ماكرون قد أشار في كلمته إلى الفرنسيين، مساء الأربعاء، إلى أن «نظام التتبع فعّال عندما لا يتجاوز عدد الإصابات بضعة آلاف يومياً، أما الآن فلم يعد منه جدوى».
أما الاعتبار الثاني، وهو الذي يقضّ مضجع الجميع في أوروبا، فهو خطر انهيار المنظومة الصحية التي لن تعود قادرة على استيعاب الإصابات الجديدة والحالات الخطرة. وتتوقّع السلطات الفرنسية أن يصل عدد الحالات التي تستدعي العلاج في وحدات العناية الفائقة إلى 9 آلاف منتصف الشهر المقبل، فيما لا يزيد عدد الأسرة في هذه الوحدات عن 5 آلاف حالياً. ويقول خبراء أوروبيون إنه لا توجد دولة غربية واحدة قادرة على مواجهة موجة وبائية كهذه، وإنه حتى ألمانيا التي يزيد عدد أسرة العناية الفائقة فيها عن 30 ألفاً لم تعد قادرة على استقبال أكثر من 7500 حالة في الوقت الراهن.
ويضيف الرئيس الفرنسي اعتباراً أخلاقيّاً إلى الاعتبارات الصحية لتسويغ قراره، فيقول: «حتى في حال زيادة عدد أسرة العناية الفائقة كما نفعل حالياً، من منّا يريد أن يدفع بالآلاف من مواطنينا للعلاج أسابيع في العناية الفائقة مع ما ينجم عنها من أضرار صحيّة؟».
وفيما نبّهت منظمة الصحة العالمية إلى أن الإصابات الجديدة في أوروبا قد ارتفعت بنسبة 33 في المائة خلال الأسبوع الماضي، وأن الضغط على المنظومات الصحية في بلدان مثل إيطاليا وهولندا وبلجيكا والمملكة المتحدة قد بلغ مستويات الإنذار الأحمر، رجّح الخبراء أن يكون هذا الارتفاع السريع في الإصابات الأوروبية منذ مطلع الشهر الحالي نتيجة مباشرة لموجة البرد القارس التي ضربت مناطق واسعة من أوروبا حيث انخفضت درجات الحرارة من 15 إلى 20 درجة مئوية بين ليلة وضحاها.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended