الروائي المصري أشرف الخمايسي: أكتب لأنتصر على الموت

صاحب «الصنم» و«انحراف حاد».. وصلت أعماله للقائمة القصيرة لـ«البوكر» العربية

أشرف الخمايسي  -  غلاف «منافي الرب»  -  غلاف «انحراف حاد»
أشرف الخمايسي - غلاف «منافي الرب» - غلاف «انحراف حاد»
TT

الروائي المصري أشرف الخمايسي: أكتب لأنتصر على الموت

أشرف الخمايسي  -  غلاف «منافي الرب»  -  غلاف «انحراف حاد»
أشرف الخمايسي - غلاف «منافي الرب» - غلاف «انحراف حاد»

كانت القصة القصيرة جواز مروره لعالم الأدب، ويبدو أن الجدل الذي يثيره الكاتب أشرف الخمايسي في فضاء السردية المصرية العائد إليها بقوة، بعد انقطاع دام 10 سنوات، سوف يزداد مع مجموعته القصصية الجديدة: «أهواك.. خمس نوفيلات حول أسطورة العشق» التي ستصدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2015، وضمت 5 قصص قصيرة، تمتلئ بعشق الرموز الدينية، منها «المنبر» و«المسجد»، لكن الخمايسي يكتب بلا سقف، ويقول: «الإبداع الحقيقي صادم دائما، يجعلنا نعيد التفكير في كل الثوابت المقيدة، وهي دائما ما تخلق المشاكل على المستوى السياسي والديني والثقافي». بهذه الروح المخلوطة بالواقعية السحرية، وصلت روايتان له إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ووصلت روايته الثالثة «انحراف حاد» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد.
تدور مناخات الخمايسي السردية حول عصب أساسي هو ثنائية الموت والخلود، لكنهما معا يشكلان حالة من العشق الإنساني، تذوب فيها الحدود الفاصلة بين الجسد والروح. هذا الهم برز على نحو لافت في مجموعته القصصية «الجبريلية»، ورواية «الصنم» عام 2000. وكذلك مجموعته القصصية الجديدة «أهواك»، التي يقول عنها: «كلها تدور عن حالات عشق، وكل قصة مختلفة عن الأخرى، لكنهم يشتركون في عامل واحد في الحب والعشق».
يضيف الخمايسي: «لا أريد أن أموت، وأبغي الانتصار على الموت، لكن يهمني أن من يقرأ كل رواية لا ينتظر رواية مكملة لها. لا أكتب رباعية، لكن كل رواية مكتملة وقائمة بذاتها لها توجهها ومذاقها الخاص ولغتها التي تجسد فكرة الخلود. (الصنم) فيها عجائبية الإنسان، وانحراف حاد فيها سرعة (الميكروباص)، وحرصت على ألا أكشف الشخصيات لنفسها في (الميكروباص) نفسه، بعكس (منافي الرب) التي كان فيها بطء الناقة وتأمل الصحراء، أما الرواية الجديدة (صوفيا هارون) فتتكلم عن مرحلة جديدة من مراحل الموت، وأعد القراء بأنها ستكون رواية مدهشة، وسوف تتبعها رواية (ضيف الله)، وبذلك ينتهي مشروعي الأدبي في معالجة فكرة الموت والانتصار عليه».
حينما قلت له إن نشأته في الأقصر بين المعابد والحضارة الفرعونية الخالدة ربما كانت هي الدافع في بحثه عن الخلود، كان له رأي مغاير: «وُلدت في الأقصر وعشت أغلب حياتي فيها، لكن في الصيف كنا نعود لجذورنا الأصلية في سوهاج وسط الريف، لم أتأثر بالأقصر ولم تؤثر فيَّ، كانت تمثل بالنسبة لي نقطة الألم واللاقيمة، كنت أرى القيمة في المتاحف والأحجار، لكن الإنسان لم تكن له قيمة. كان الإنسان بها مشوها يسعى وراء الأجنبي من أجل الأموال، كانت تمثل لي حالة تعب، بل، بالعكس، ولعي دائما بالريف والحقول والبيئة الجميلة ربما يكون ذلك الأثر في اللاوعي لدي، لكن أظن أنني لو كنت موجود في (ديزني لاند)، مدينة البهجة، كنتُ سأكتب عن الموت».
منذ نحو شهر تعرض لحادث، وكُسرت له 3 أضلع، وأُصيب بنزف في الرئة، فكانت تجربة بمذاق الموت، قال: «لم أفكر في شيء إلا فيمن سيستكمل (صوفيا هارون). شعرت بأنني سوف أدخل في غيبوبة. وشهد على الحادث أحمد سعيد صاحب دار نشر (الربيع العربي)، وقلت له: (أنا قررت ماموتش). تخيلت لو عرف الناس أني مت في حادثة موتوسيكل، كان تفكيري كله في استكمال كتابتي. وأود الدخول في المشروع الأصعب البهجة.. الكتابة المبهجة أصعب، بعد أن عاش الناس في أجواء الحزن، أود الدخول في عمق البهجة».
عن عناوين رواياته المثيرة لشغف القراء بغموضها وحداثيتها، يقول: «وأنا أكتب، أرى الكلمة تتوهج أمامي لتفرض نفسها كعنوان، لكن (انحراف حاد) جاءت كانحراف حاد لي في طقوسي بالكتابة، وفي قناعاتي في الكتابة، وهي تعبر عن انحرافات حادة في شخصياتها.. في كل ما كتبته كنت أنتظر الوحي، لكن في (انحراف حاد) ألزمت نفسي بالكتابة، ووجدت.. (هذا الوحي)».
ويصف نفسه: «أنا من النوعية (البجحة) في الحديث عن أعماله والمفاخرة بها. وكتب أحد النقاد أنني سوف أنتحر لعدم فوزي بـ(البوكر) عن (منافي الرب). لكن قلت لنفسي إنه مع ظهور (البوكر)، لا بد أن تكون (انحراف حاد) خرجت إلى النور.. أومن بأني أريد، فيحقق الله لي ما أريد».
يقول الخمايسي: «كان البعض يظن أنني سوف أقع في سطوة (منافي الرب)، فمن المهم ألا يقع الكاتب في أسر عمل له لأن اختلاف الألوان هو ما يصنع الجمال».
وحول انتقاد البعض لروايته «انحراف حاد»، لأن بها تناقضا بين المجال الاجتماعي والمجال الأدبي، وأنه لا يراعي نطاق الزمن وأحكام البشر في شخصياته، يقول: «لقد كتبوا عني أنني أحض على كراهية المسيحيين، رغم أنني أنتقد المسلمين فيما فعلوه مع المسيحيين في (انحراف حاد). أعتبر رأي القارئ هو الذي يعطي أكبر جائزة لي، لأن الجوائز تُدس بها الدسائس، خاصة أنني لا أقوم بعمل علاقات ولا أطرق باب أحد كي أحصل على امتيازات، الأهم بالنسبة لي أن أنام وضميري مرتاح».
ويؤكد أن «المبدع الحقيقي لا يحض على كراهية أي أحد ويؤمن بالاختلاف ويختلف مع الآخرين الاختلاف الذي يزيد باقة الزهور».
سألته: «أتكتب وعينك على القارئ العالمي؟»، فقال: «أكتب للإنسان في أي مكان. أكتب عن قضية تهم البشر، لكن (انحراف حاد) موجهة للإنسان العربي أكثر، لأن بها قضايا انتهى منها العالم منذ زمن، وترفض الثوابت المكبلة لنا».
أطلق على نفسه «إله السرد». لكنه يرى أن ذلك ليس غرورا أو اعتدادا بالذات، بل «من ضمن الأشياء السيئة في بلادنا الفهم الخاطئ للتواضع، وهناك فارق بين الغرور والاعتداد بالنفس، وفي بلادنا منكسرون حينما يرون شخصا مرفوع الرأس يحاولون تنكيس رأسه. نحن نعطي كتاب الغرب أكثر من حقهم.. أجد أنني لا أقل عنهم».
من تصريحاته المثيرة للجدل أيضا، ما يردده: «أنا من أقل الناس قراءة للروايات، وحتى الآن قرأت 46 رواية، وندرة قليلة تعجبني من الكتاب العرب والأجانب. لكن لم أقف أمام أي منهم بانبهار، وأكره أن يصفني أحد بـ(ماركيز العرب)». ويضيف: «حتى أول من أمس، لم أقرأ كونديرا (كائن لا تحتمل خفته)، وماركيز، وباوليو كويلو، قرأت لكل منهما روايتين، لكنني أشعر أنهم يتميزون فقط عنا بالتحرر والخيال الجامح، ولديَّ هاتان الميزتان».
وحول تشكل الذائقة الفنية للمبدع، قال: «تتأثر إذا قرأ لكتابات آخرين، لذلك عليه أن يقرأ ما هو أكبر، ألا وهو العالم من حوله، فأنا أرى أن العالم جميل جدا، وإذا تم تركيبه بشكل أفضل فسيصبح (ماسخ الطعم)».
ويضيف: «أنا منفصل عن جيلي بما فيه من إحباطات، وأجد أبناءه يعيشون في زمن السبعينات، لكن أحب جيل الشباب المتحرك، لكن عند مسألة الكتابة أنتقد من دون مجاملات».
وعما يكتبه شباب الأدباء، يرى أن «التسلية عمل بديع جدا، لأن التسلية لا تنتقص من قيمة العمل، ونحن نكتب الرواية للتسلية، ولكن بشكل آخر. لكن لا يصح أن تكتب بطريقة مخططة لتوجيه الأدب لناحية سطحية وخفيفة، ظاهرة (البيست سيلر) تقدم الكتابات المسلية على الكتابات التي لها قيمة، ولديّ معلومات يقينية بأنها تباع وتشترى وهي جزرة لأناس معينة.. أصبح لدينا ما يسمى (صناعة الأديب)؛ يدفع الشاب 5 آلاف جنيه ويصبح أديبا شهيرا.. لكنني لا أكف عن نقدهم وانتقادهم، وليس لدي مشكلة في أن أكون حتى بائع جرجير».
وعن القراءات التي شكّلت فكره والنزعة الفلسفية التي تظهر في كتاباته، قال: «قرأت (الكوميديا الإلهية) لدانتي، و(الإلياذة) لهوميروس، كانت هذه النوعية من الأدب تستهويني في صغري». ويضيف: «تكويني الفكري جاء نتاج تربيتي الجافة التي خلقت مني شخصا منطويا، الانطواء يخلق فيّ الكاتب الفيلسوف، فأنا من النوعية التي تتأمل، لم أقرأ كثيرا في الفلسفة، لكن أفكاري نتاج التأمل والتجارب التي خضتها؛ ففي داخلي السلفي والليبرالي والفيلسوف والإنسان البسيط».
وعن آرائه النارية حول الإبداع النسائي، قال: «المرأة أصل الإبداع والرجل يكتب من أجل المرأة، ولا يوجد مبدع حقيقي من الممكن أن يعيش من دون المرأة، لكن أجد أن المرأة غير قادرة على الإبداع.. لا أجد واحدة يمكن أن أطلق عليها كاتبة مبدعة.. لطيفة الزيات ومي زيادة لو عدتِ إلى كتاباتهما الآن، فلن تجدي قيمة إبداعية لها، الزمن يدهس هذه الكتابة، لكن لأن أي واحدة تكتب في ذلك الوقت كانت ستظهر كمبدعة».
ويضيف: «المرأة لم تكتب للرجل، بل تكتب ضد الرجل، ليس في الوطن العربي فقط بل في أنحاء العالم، وأرى أن الرجل يحب المرأة أكثر من أن تحب المرأة الرجل، الرجل لا يًستطيع أن يعيش دون امرأة، لكن المرأة تستطيع العيش من دون رجل، لذلك يبدع الرجل أكثر».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.