مارتن آميس... ما الذي يخطفه الزمن من الكُتاب؟

استغرق 20 عاماً في كتابة سيرة ذاتية في إطار روائي

مارتن آميس
مارتن آميس
TT

مارتن آميس... ما الذي يخطفه الزمن من الكُتاب؟

مارتن آميس
مارتن آميس

قبل ما يقرب من 20 عاماً، تلقى الروائي مارتن آميس -صاحب التجربة الأبلغ وضوحاً في قضايا التعامل مع الآباء، على غرار قصة الشاعرة الراحلة سيلفيا بلاث- رسالة من صديقته السابقة أصابته بحالة خاصة من الروع والرهبة.
قالت في رسالتها المعنونة «الوالد الخطأ» إن والد الروائي مارتن آميس ليس هو الروائي الشهير كينغسلي آميس، وإنما هو الشاعر فيليب لاركن الذي كان يعد من أفضل أصدقاء كينغسلي آميس.
ومن قلب هذا اللغز المحير نشأت رواية «القصة الداخلية» ذات السرد المعقد المتشابك، وهي آخر ما كتب الروائي مارتن آميس حتى الآن، وتقع في 523 صفحة، وتعد بذلك واحدة من أطول الروايات التي ألفها في حياته المهنية، والتي يصفها بنفسه بأنها ربما تكون آخر ما يؤلف من روايات.
تأتي هذه الرواية في صور سرد للسيرة الذاتية في إطار روائي، ضمن مزيج غير مستقر ولكنه جذاب للغاية من الواقع والخيال. ويعاود فيها الروائي آميس تذكر القصص التي كتبها من قبل في مذكراته الشخصية التي حملت عنوان «التجربة»، وجرى استمداد بعض المقاطع الروائية الأخرى من مقالات وخطب أخرى من تأليفه، وهو يعمل على استنساخ مقال كامل لمجلة «نيويوركر» بالنمط والأسلوب أنفسهما.
ويغلف لغز الرسالة الغامضة نوع من الاستياء الواضح. فالصديقة السابقة التي يطلق عليها الروائي آميس تسمية «فوبي فيلبس» يصفها بأنها «تمثل مزيجاً مثيراً للإزعاج ممن كان يعرف من النساء»، وأنها امرأة غير مستحقة للثقة بصورة صارخة. ومع ذلك، فإن ما تحمله الرسالة العجيبة من الالتباس بشأن نسبه يخدم غرضه الذاتي ضمن إطار مثير للاستغراب، لا سيما مع اقتراب القصة الحقيقية ذات الأفق القاتم للغاية من الظهور إلى العلن: وفاة ثلاثة من الكتاب المقربين المحببين إلى نفس الروائي آميس، وهم: الشاعر لاركن، والروائي شاول بيلو، ثم كاتب المقالات كريستوفر هيتشنز.
واصل الروائي آميس العمل على إتمام هذه الرواية طوال 20 عاماً كاملة. وكان قد استكمل نسخة واحدة منها، ثم أعلن أنها نسخة فاقدة للحياة بائسة للغاية. وفي رواية «القصة الداخلية» يحاول توصيف التحديق إلى البحر، وحالة البحث المحمومة عن الذات، ضمن بحث أكثر ضراوة عن مكامن الإلهام. وبالنسبة إلى أي مؤلف روائي، فهذا يعد من التجارب المريعة بصورة خاصة. أما بالنسبة إلى السيد آميس، فقد كان الأمر بمثابة جولة من جولات التعذيب الذاتية الموجعة؛ لقد كانت اللحظة الخاصة التي ظل في انتظارها منذ زمن.
قال الرسام البريطاني - الألماني لوسيان فرويد ذات مرة إن أي علامات يتركها على لوحاته ذات صلة بالغة بتلك اللوحات، كمثل ذلك الصوت الغريب الغامض الذي يصدر عن لاعب التنس بصورة غير إرادية عندما يسدد الكرة إلى خصمه. وتلك تماماً هي الرؤية التي تعبر عن شخصية الروائي آميس، فهو دائماً ما ينتقد النثر، وليس الحياة التي يزدريها. وعلى الرغم من ذلك، فإن السمة المميزة لانتقاداته الأدبية تتمثل في عنايته البالغة بمقدار ما تمارسه الحياة والفن من ضغوط أحدهما على الآخر، وتلك الآثار التي يخلفها الإدمان والنفقات المعيشية القاسية على عبارات الروائي، فضلاً عن الأحكام التي يصدرها في رصانة وثقة على أعمال صغار الكتاب.
نجد الروائي آميس -في أحدث مجموعة منشورة من مقالاته تحت عنوان «احتكاك الزمن»- قد كرس كتاباته لتناول تلك التيمة المشكوك فيها بصورة متفردة؛ إسهامات العلوم الطبية ذات الصلة بالكاتب الروائي الذي بلغ من العمر أرذله. وهو يقول إن كتاب العصر الراهن حازوا التفوق على مواهبهم الذاتية، وباتت تلك المواهب في تدهور متزايد على مرأى ومسمع من جمهورهم. ثم يوضح رأيه قائلاً: «من المسلم به أن الإلهام والموهبة يتضعضعان في، ولم أعد أرى من استثناء لتلك البديهية».
ويطرح الروائي آميس تساؤلاً: ما الذي يخطفه الزمن من الكُتاب؟ ويجيب قائلاً: لقد سلب الزمن «الوداعة الأخلاقية» من أعمال الروائي الأميركي - الروسي فلاديمير نابوكوف؛ إن روايته الأخيرة «موبوءة» بكثير من الفتيات القاصرات. ولقد سرق الزمن حاسة السمع من الروائي الأميركي جون أبدايك. كما حجب القدرة على الكلام عن الروائي كينغسلي، والروائية آيريس مردوخ، والروائي شاول بيلو -الذي يعشق مارتن آميس أعماله- حتى وافته المنية بعد إصابته بمرض ألزهايمر.
ويعرب الروائي آميس عن مخاوفه بصورة غير صريحة، عندما يتساءل: ما الذي سوف يسرقه الزمن مني؟ وهل أخذ كل شيء مني بالفعل دون أن أدري؟ وكيف لي أن أعرف ذلك، إن حدث؟
إن سمعة الروائي آميس الشخصية في موضع يدعو للغرابة. ويمكن وصف منزل العائلة في أيام الطفولة بأنه كان دافئاً للغاية، بالغ الفوضوية، متسامحاً لدرجة تثير الغيظ. فلم يكن لأحد أن يلحظ إذا ما أشعل الطفل مارتن سيجارة أسفل شجرة عيد الميلاد في موسم الكريسماس وهو لم يبلغ الخامسة من عمره بعد!
وبعد تخرجه من الجامعة، كان صعود مارتن آميس الأدبي متسماً بسرعة غريبة، مثيراً للقلق الشديد لدى والده (المنافس الأدبي الوحيد لنجله الصغير). وكان الشاب اليافع قد نجح في نشر أول كتاب له تحت عنوان «أوراق راشيل» في عام 1973 وهو لم يبلغ عامه الخامس والعشرين بعد، ثم شغل وظيفة محرر أدبي في مجلة «ذا نيو ستيتسمان»، حيث اشتملت دائرة معارفه المقربة على أسماء لامعة، من أمثال هيتشنز، وإيان ماكيوان، وإيان هاميلتون، وجوليان بارنز. كانت تلك المجموعة قد أثارت الجنون في المجالات التي وصلوا إليها كافة. وكان الروائي نورمان ميلر -العاقل كما هو دائماً- قد صرح ذات مرة بأن مصير إنجلترا الأدبي قد سقط رغماً عنها في قبضة عصابة من الأغيار الموتورين، من أمثال آميس، وهيتشنز، وهاميلتون.
وفي وقت لاحق، التقى هيتشنز مع ميلر في إحدى الحفلات، وقال لإيان هاميلتون: «أعتقد أن رأيه مجانب للصواب، وغير منصف بالكلية».
إنني أكتب تحت تأثير الروائي مارتن آميس. ولم يعد بإمكانك تخير مؤثراتك المبكرة أو الحاسمة تحت هذا الوصف بأكثر مما تقبض عليه بيديك. ولقد وصف آميس مواجهته لأعمال شاول بيلو بصدمة الاعتراف القوي: إنه يكتب لي وحدي. وكان الأمر كذلك. كانت عبارات آميس القاسية للغاية قد أخذتني على حين غرة، وحملتني وألقت بي بعيداً إلى الأبد. كانت تتسم بقدر فائق من الغطرسة الواضحة، والسخافة، والنكات: «بعد فترة من الوقت، يصبح الزواج أشبه ما يكون بالعلاقات الأخوية التي تتسم بنوبات متواترة من الممارسات غير المقبولة المؤسفة إلى درجة كبيرة».
لماذا لا يكتب الجميع بمثل هذه الطريقة؟ ألا يخطر على أذهانهم أبداً أن يكونوا على مثل هذه الوقاحة، أو ربما الهزل؟
يشعر الروائي آميس بأنه يقوم «مقام الرذيلة المحبوبة من الجميع في هذه الأيام»، إذ يمكنك تلمس كلماته بأصابعك حين تقرأ له. وبصفته ناقداً خبيراً، فإنه ما زال قوياً صلباً أصيلاً، كما كان دائماً. وتعد مذكراته الشخصية أنموذجاً للشكل والصياغة. ولسوف تبقى ثلاثيته الشهيرة («حقول لندن»، و«المال»، و«المعلومات») باقية بقاء الأيام. ثم جاءت تصريحاته المريعة عن المسلمين في أعقاب كارثة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الإرهابية. وكانت هناك محاولات باهتة من جانبه للكتابة عن تلك المأساة التاريخية، من شاكلة «كوبا الرهيب» أو «منزل الاجتماعات». وهناك عرض للنساء في رواياته دائماً ما يتسم بشيء من الكاريكاتورية، مع كثير من السخافات، وربما التطرف الشديد في أبعادهن الجسدية فقط، لدرجة تدفعك إلى توصيف تصاوير روبرت كرامب الكاريكاتورية المبتذلة بأنها أكثر تحفظاً واحتراماً.
تستلهم رواية «القصة الداخلية» مجرياتها السردية من كل ما تقدم بين أيدينا. ثم هناك شخصية المرأة القاتلة (فوبي فيلبس، التي تعكس الصورة الحميمة من الماضي البعيد، مع كثير من الإسقاطات على الأوضاع الجيوسياسية المعاصرة). ولكننا نلحظ أن المقاطع المطولة من الكتابة تسبب انفصال المجرى السردي في الرواية. كما أن البنية الروائية لا تماهي الذاكرة بقدر ما تحاكي المحادثات الماراثونية المنهكة بين كل من مارتن آميس وكريستوفر هيتشنز، وبعض منها متكرر على نحو واضح في الرواية التي تقافزت بين قمم التاريخ والشائعات والمهنية والحديث المتعلق بالأعمال.
ويحذر الروائي آميس الكتاب الشبان من الوقوع في الحيرة أو الارتباك الروائي. وينصح بممارسة الاعتدال في التأليف عند التعرض للأحلام أو الأمور الجنسية أو القضايا الدينية، حيث يمكن للكاتب أن يكون مضيّفاً دمث الأخلاق لدى قرائه.
وإن كانت تلك النصيحة سليمة تماماً، وفي محلها، فلماذا لا يعتد بها الروائي آميس بنفسه؟
إننا نجد رواية «القصة الداخلية» مفعمة بالأحلام، وبالتصورات الجنسية الخيالية، وبالتأملات المريعة حول اليهودية، وبعض الهواجس الأخرى طويلة الأمد. وتبدو الرواية مبنية بغرض إثارة الحيرة لدى القارئ. وربما تعكس قدراً من عربدة التناقضات والخيارات التقنية العصية على الفهم أو التفسير. لماذا يُشار في الرواية إلى بعض الشخصيات بأسمائها الحقيقية (مثل أصدقاء مارتن آميس أنفسهم على سبيل المثال)، في حين يُشار في مواضع أخرى إلى شخصيات تالية بأسماء مستعارة غير حقيقية (مثالاً زوجته الكاتبة إيزابيل فونسيكا التي ذكرها باسمها الأوسط «إيلينا» فقط)؟ وما المنطق المعتبر وراء التحولات الفجائية في الملابس الخاصة بالشخصية الثالثة في الرواية؟ ولماذا يُصر المؤلف على طرح التناقض الصارخ بين مبادئ شخصية «جوزيف كونراد» الرصينة وأفعاله المبتذلة في آن واحد؟ وما المقصود من وراء تلك التحولات غير المفهومة في متن الرواية؟
والأمر الأكثر إثارة للجنون يكمن في أن رواية «القصة الداخلية» تشتمل في الوقت نفسه على عدد من أفضل كتابات مارتن آميس حتى الآن.
إن المواضع ذات الصلة بالروائي شاول بيلو، والشاعر فيليب لاركن، اللذين كتب عنهما باستفاضة بالغة، هي من أكثر المواضع وداً وألفة ودفئاً. وهناك مشاهد روائية تعكس حالة الارتباك المريعة التي ألمت بهما معاً في أيامهما الأخيرة.
لكن مارتن آميس لجأ إلى سرد جديد تماماً عند حديثه حول كريستوفر هيتشنز، ذلك الكاتب الذي أشاد بأسلوبه في الكتابة، ثم عاد لينتقد الأسلوب نفسه لأنه «كلي شامل»، محاولاً في ذلك بلوغ عمق الإحساس وبساطة اللغة في عمله. وهو يتعجب من مقدرة صديقه على مواجهة الموت بكل شجاعة. لكنه يشعر بحيرة كبيرة لأن هناك مواقف عند صديقه يعجز عن فهمها أو إدراكها، لا سيما تأييد هيتشنز الكبير للحرب على العراق. وفي الوقت نفسه، يزعم آميس في موضع آخر أن هيتشنز أسف كل الأسف على موقفه السابق تجاه هذه الحرب.
وفي أحد مشاهد الرواية الطويلة، يقول آميس إنه كان يساعد هيتشنز في أثناء السباحة، إثر طلب خاص من صديقه الذي كان مريضاً. وفي أثناء السباحة إلى جواره، سيطرت على ذهن آميس ذكريات مساعدته لابنه وهو يتعلم المشي للمرة الأولى بأحذية مناسبة لسنه.
لم أجد في سرديات مارتن آميس ما يشجعني على متابعة مثل هذه المشاهد الروائية المضطربة، فضلاً عن نغمة الشيخوخة البادية للغاية في كتاباته التي يرفضها تماماً، ولن يعترف بها قط. ولكن يمكننا أن نقول عنه، كما يقول هو عن السيدة فيلبس: «إنها مثل إحدى شخصيات الرواية التي تريد بقوة أن تتخطاها وتمضي إلى الأمام، ثم تعاود النظر إليها لتقف على مجريات حياتها. وعلى أي حال، لا يمكنني التوقف عن متابعتها الآن».
- خدمة «نيويورك تايمز»



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.