مارتن آميس... ما الذي يخطفه الزمن من الكُتاب؟

استغرق 20 عاماً في كتابة سيرة ذاتية في إطار روائي

مارتن آميس
مارتن آميس
TT

مارتن آميس... ما الذي يخطفه الزمن من الكُتاب؟

مارتن آميس
مارتن آميس

قبل ما يقرب من 20 عاماً، تلقى الروائي مارتن آميس -صاحب التجربة الأبلغ وضوحاً في قضايا التعامل مع الآباء، على غرار قصة الشاعرة الراحلة سيلفيا بلاث- رسالة من صديقته السابقة أصابته بحالة خاصة من الروع والرهبة.
قالت في رسالتها المعنونة «الوالد الخطأ» إن والد الروائي مارتن آميس ليس هو الروائي الشهير كينغسلي آميس، وإنما هو الشاعر فيليب لاركن الذي كان يعد من أفضل أصدقاء كينغسلي آميس.
ومن قلب هذا اللغز المحير نشأت رواية «القصة الداخلية» ذات السرد المعقد المتشابك، وهي آخر ما كتب الروائي مارتن آميس حتى الآن، وتقع في 523 صفحة، وتعد بذلك واحدة من أطول الروايات التي ألفها في حياته المهنية، والتي يصفها بنفسه بأنها ربما تكون آخر ما يؤلف من روايات.
تأتي هذه الرواية في صور سرد للسيرة الذاتية في إطار روائي، ضمن مزيج غير مستقر ولكنه جذاب للغاية من الواقع والخيال. ويعاود فيها الروائي آميس تذكر القصص التي كتبها من قبل في مذكراته الشخصية التي حملت عنوان «التجربة»، وجرى استمداد بعض المقاطع الروائية الأخرى من مقالات وخطب أخرى من تأليفه، وهو يعمل على استنساخ مقال كامل لمجلة «نيويوركر» بالنمط والأسلوب أنفسهما.
ويغلف لغز الرسالة الغامضة نوع من الاستياء الواضح. فالصديقة السابقة التي يطلق عليها الروائي آميس تسمية «فوبي فيلبس» يصفها بأنها «تمثل مزيجاً مثيراً للإزعاج ممن كان يعرف من النساء»، وأنها امرأة غير مستحقة للثقة بصورة صارخة. ومع ذلك، فإن ما تحمله الرسالة العجيبة من الالتباس بشأن نسبه يخدم غرضه الذاتي ضمن إطار مثير للاستغراب، لا سيما مع اقتراب القصة الحقيقية ذات الأفق القاتم للغاية من الظهور إلى العلن: وفاة ثلاثة من الكتاب المقربين المحببين إلى نفس الروائي آميس، وهم: الشاعر لاركن، والروائي شاول بيلو، ثم كاتب المقالات كريستوفر هيتشنز.
واصل الروائي آميس العمل على إتمام هذه الرواية طوال 20 عاماً كاملة. وكان قد استكمل نسخة واحدة منها، ثم أعلن أنها نسخة فاقدة للحياة بائسة للغاية. وفي رواية «القصة الداخلية» يحاول توصيف التحديق إلى البحر، وحالة البحث المحمومة عن الذات، ضمن بحث أكثر ضراوة عن مكامن الإلهام. وبالنسبة إلى أي مؤلف روائي، فهذا يعد من التجارب المريعة بصورة خاصة. أما بالنسبة إلى السيد آميس، فقد كان الأمر بمثابة جولة من جولات التعذيب الذاتية الموجعة؛ لقد كانت اللحظة الخاصة التي ظل في انتظارها منذ زمن.
قال الرسام البريطاني - الألماني لوسيان فرويد ذات مرة إن أي علامات يتركها على لوحاته ذات صلة بالغة بتلك اللوحات، كمثل ذلك الصوت الغريب الغامض الذي يصدر عن لاعب التنس بصورة غير إرادية عندما يسدد الكرة إلى خصمه. وتلك تماماً هي الرؤية التي تعبر عن شخصية الروائي آميس، فهو دائماً ما ينتقد النثر، وليس الحياة التي يزدريها. وعلى الرغم من ذلك، فإن السمة المميزة لانتقاداته الأدبية تتمثل في عنايته البالغة بمقدار ما تمارسه الحياة والفن من ضغوط أحدهما على الآخر، وتلك الآثار التي يخلفها الإدمان والنفقات المعيشية القاسية على عبارات الروائي، فضلاً عن الأحكام التي يصدرها في رصانة وثقة على أعمال صغار الكتاب.
نجد الروائي آميس -في أحدث مجموعة منشورة من مقالاته تحت عنوان «احتكاك الزمن»- قد كرس كتاباته لتناول تلك التيمة المشكوك فيها بصورة متفردة؛ إسهامات العلوم الطبية ذات الصلة بالكاتب الروائي الذي بلغ من العمر أرذله. وهو يقول إن كتاب العصر الراهن حازوا التفوق على مواهبهم الذاتية، وباتت تلك المواهب في تدهور متزايد على مرأى ومسمع من جمهورهم. ثم يوضح رأيه قائلاً: «من المسلم به أن الإلهام والموهبة يتضعضعان في، ولم أعد أرى من استثناء لتلك البديهية».
ويطرح الروائي آميس تساؤلاً: ما الذي يخطفه الزمن من الكُتاب؟ ويجيب قائلاً: لقد سلب الزمن «الوداعة الأخلاقية» من أعمال الروائي الأميركي - الروسي فلاديمير نابوكوف؛ إن روايته الأخيرة «موبوءة» بكثير من الفتيات القاصرات. ولقد سرق الزمن حاسة السمع من الروائي الأميركي جون أبدايك. كما حجب القدرة على الكلام عن الروائي كينغسلي، والروائية آيريس مردوخ، والروائي شاول بيلو -الذي يعشق مارتن آميس أعماله- حتى وافته المنية بعد إصابته بمرض ألزهايمر.
ويعرب الروائي آميس عن مخاوفه بصورة غير صريحة، عندما يتساءل: ما الذي سوف يسرقه الزمن مني؟ وهل أخذ كل شيء مني بالفعل دون أن أدري؟ وكيف لي أن أعرف ذلك، إن حدث؟
إن سمعة الروائي آميس الشخصية في موضع يدعو للغرابة. ويمكن وصف منزل العائلة في أيام الطفولة بأنه كان دافئاً للغاية، بالغ الفوضوية، متسامحاً لدرجة تثير الغيظ. فلم يكن لأحد أن يلحظ إذا ما أشعل الطفل مارتن سيجارة أسفل شجرة عيد الميلاد في موسم الكريسماس وهو لم يبلغ الخامسة من عمره بعد!
وبعد تخرجه من الجامعة، كان صعود مارتن آميس الأدبي متسماً بسرعة غريبة، مثيراً للقلق الشديد لدى والده (المنافس الأدبي الوحيد لنجله الصغير). وكان الشاب اليافع قد نجح في نشر أول كتاب له تحت عنوان «أوراق راشيل» في عام 1973 وهو لم يبلغ عامه الخامس والعشرين بعد، ثم شغل وظيفة محرر أدبي في مجلة «ذا نيو ستيتسمان»، حيث اشتملت دائرة معارفه المقربة على أسماء لامعة، من أمثال هيتشنز، وإيان ماكيوان، وإيان هاميلتون، وجوليان بارنز. كانت تلك المجموعة قد أثارت الجنون في المجالات التي وصلوا إليها كافة. وكان الروائي نورمان ميلر -العاقل كما هو دائماً- قد صرح ذات مرة بأن مصير إنجلترا الأدبي قد سقط رغماً عنها في قبضة عصابة من الأغيار الموتورين، من أمثال آميس، وهيتشنز، وهاميلتون.
وفي وقت لاحق، التقى هيتشنز مع ميلر في إحدى الحفلات، وقال لإيان هاميلتون: «أعتقد أن رأيه مجانب للصواب، وغير منصف بالكلية».
إنني أكتب تحت تأثير الروائي مارتن آميس. ولم يعد بإمكانك تخير مؤثراتك المبكرة أو الحاسمة تحت هذا الوصف بأكثر مما تقبض عليه بيديك. ولقد وصف آميس مواجهته لأعمال شاول بيلو بصدمة الاعتراف القوي: إنه يكتب لي وحدي. وكان الأمر كذلك. كانت عبارات آميس القاسية للغاية قد أخذتني على حين غرة، وحملتني وألقت بي بعيداً إلى الأبد. كانت تتسم بقدر فائق من الغطرسة الواضحة، والسخافة، والنكات: «بعد فترة من الوقت، يصبح الزواج أشبه ما يكون بالعلاقات الأخوية التي تتسم بنوبات متواترة من الممارسات غير المقبولة المؤسفة إلى درجة كبيرة».
لماذا لا يكتب الجميع بمثل هذه الطريقة؟ ألا يخطر على أذهانهم أبداً أن يكونوا على مثل هذه الوقاحة، أو ربما الهزل؟
يشعر الروائي آميس بأنه يقوم «مقام الرذيلة المحبوبة من الجميع في هذه الأيام»، إذ يمكنك تلمس كلماته بأصابعك حين تقرأ له. وبصفته ناقداً خبيراً، فإنه ما زال قوياً صلباً أصيلاً، كما كان دائماً. وتعد مذكراته الشخصية أنموذجاً للشكل والصياغة. ولسوف تبقى ثلاثيته الشهيرة («حقول لندن»، و«المال»، و«المعلومات») باقية بقاء الأيام. ثم جاءت تصريحاته المريعة عن المسلمين في أعقاب كارثة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الإرهابية. وكانت هناك محاولات باهتة من جانبه للكتابة عن تلك المأساة التاريخية، من شاكلة «كوبا الرهيب» أو «منزل الاجتماعات». وهناك عرض للنساء في رواياته دائماً ما يتسم بشيء من الكاريكاتورية، مع كثير من السخافات، وربما التطرف الشديد في أبعادهن الجسدية فقط، لدرجة تدفعك إلى توصيف تصاوير روبرت كرامب الكاريكاتورية المبتذلة بأنها أكثر تحفظاً واحتراماً.
تستلهم رواية «القصة الداخلية» مجرياتها السردية من كل ما تقدم بين أيدينا. ثم هناك شخصية المرأة القاتلة (فوبي فيلبس، التي تعكس الصورة الحميمة من الماضي البعيد، مع كثير من الإسقاطات على الأوضاع الجيوسياسية المعاصرة). ولكننا نلحظ أن المقاطع المطولة من الكتابة تسبب انفصال المجرى السردي في الرواية. كما أن البنية الروائية لا تماهي الذاكرة بقدر ما تحاكي المحادثات الماراثونية المنهكة بين كل من مارتن آميس وكريستوفر هيتشنز، وبعض منها متكرر على نحو واضح في الرواية التي تقافزت بين قمم التاريخ والشائعات والمهنية والحديث المتعلق بالأعمال.
ويحذر الروائي آميس الكتاب الشبان من الوقوع في الحيرة أو الارتباك الروائي. وينصح بممارسة الاعتدال في التأليف عند التعرض للأحلام أو الأمور الجنسية أو القضايا الدينية، حيث يمكن للكاتب أن يكون مضيّفاً دمث الأخلاق لدى قرائه.
وإن كانت تلك النصيحة سليمة تماماً، وفي محلها، فلماذا لا يعتد بها الروائي آميس بنفسه؟
إننا نجد رواية «القصة الداخلية» مفعمة بالأحلام، وبالتصورات الجنسية الخيالية، وبالتأملات المريعة حول اليهودية، وبعض الهواجس الأخرى طويلة الأمد. وتبدو الرواية مبنية بغرض إثارة الحيرة لدى القارئ. وربما تعكس قدراً من عربدة التناقضات والخيارات التقنية العصية على الفهم أو التفسير. لماذا يُشار في الرواية إلى بعض الشخصيات بأسمائها الحقيقية (مثل أصدقاء مارتن آميس أنفسهم على سبيل المثال)، في حين يُشار في مواضع أخرى إلى شخصيات تالية بأسماء مستعارة غير حقيقية (مثالاً زوجته الكاتبة إيزابيل فونسيكا التي ذكرها باسمها الأوسط «إيلينا» فقط)؟ وما المنطق المعتبر وراء التحولات الفجائية في الملابس الخاصة بالشخصية الثالثة في الرواية؟ ولماذا يُصر المؤلف على طرح التناقض الصارخ بين مبادئ شخصية «جوزيف كونراد» الرصينة وأفعاله المبتذلة في آن واحد؟ وما المقصود من وراء تلك التحولات غير المفهومة في متن الرواية؟
والأمر الأكثر إثارة للجنون يكمن في أن رواية «القصة الداخلية» تشتمل في الوقت نفسه على عدد من أفضل كتابات مارتن آميس حتى الآن.
إن المواضع ذات الصلة بالروائي شاول بيلو، والشاعر فيليب لاركن، اللذين كتب عنهما باستفاضة بالغة، هي من أكثر المواضع وداً وألفة ودفئاً. وهناك مشاهد روائية تعكس حالة الارتباك المريعة التي ألمت بهما معاً في أيامهما الأخيرة.
لكن مارتن آميس لجأ إلى سرد جديد تماماً عند حديثه حول كريستوفر هيتشنز، ذلك الكاتب الذي أشاد بأسلوبه في الكتابة، ثم عاد لينتقد الأسلوب نفسه لأنه «كلي شامل»، محاولاً في ذلك بلوغ عمق الإحساس وبساطة اللغة في عمله. وهو يتعجب من مقدرة صديقه على مواجهة الموت بكل شجاعة. لكنه يشعر بحيرة كبيرة لأن هناك مواقف عند صديقه يعجز عن فهمها أو إدراكها، لا سيما تأييد هيتشنز الكبير للحرب على العراق. وفي الوقت نفسه، يزعم آميس في موضع آخر أن هيتشنز أسف كل الأسف على موقفه السابق تجاه هذه الحرب.
وفي أحد مشاهد الرواية الطويلة، يقول آميس إنه كان يساعد هيتشنز في أثناء السباحة، إثر طلب خاص من صديقه الذي كان مريضاً. وفي أثناء السباحة إلى جواره، سيطرت على ذهن آميس ذكريات مساعدته لابنه وهو يتعلم المشي للمرة الأولى بأحذية مناسبة لسنه.
لم أجد في سرديات مارتن آميس ما يشجعني على متابعة مثل هذه المشاهد الروائية المضطربة، فضلاً عن نغمة الشيخوخة البادية للغاية في كتاباته التي يرفضها تماماً، ولن يعترف بها قط. ولكن يمكننا أن نقول عنه، كما يقول هو عن السيدة فيلبس: «إنها مثل إحدى شخصيات الرواية التي تريد بقوة أن تتخطاها وتمضي إلى الأمام، ثم تعاود النظر إليها لتقف على مجريات حياتها. وعلى أي حال، لا يمكنني التوقف عن متابعتها الآن».
- خدمة «نيويورك تايمز»



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟