الملف الإيراني.. الحل على حافة الانهيار

أكثر من 11 جولة مفاوضات لم تفضي إلا لمزيد من التأجيل

وزراء خارجية دول مجموعة (5+1) المعنية بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني أثناء اجتماعهم مع نظيرهم الإيراني وممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في فيينا في 24 نوفمبر 2014 (أ.ف.ب)
وزراء خارجية دول مجموعة (5+1) المعنية بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني أثناء اجتماعهم مع نظيرهم الإيراني وممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في فيينا في 24 نوفمبر 2014 (أ.ف.ب)
TT

الملف الإيراني.. الحل على حافة الانهيار

وزراء خارجية دول مجموعة (5+1) المعنية بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني أثناء اجتماعهم مع نظيرهم الإيراني وممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في فيينا في 24 نوفمبر 2014 (أ.ف.ب)
وزراء خارجية دول مجموعة (5+1) المعنية بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني أثناء اجتماعهم مع نظيرهم الإيراني وممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في فيينا في 24 نوفمبر 2014 (أ.ف.ب)

ما بين تفاؤل حذر وتصريحات علنية بهوة عميقة ثم اتفاق على تمديد البرنامج الزمني لإتاحة الفرصة لمزيد من التفاوض، انقضى عام 2014 دون حل لقضية الملف النووي الإيراني.
معلوم أن إيران والمجموعة الدولية 5 + 1 (الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن زائد ألمانيا) كانت قد وقعت بتاريخ 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 اتفاقا اعتبر اختراقا دبلوماسيا تاريخيا ينص على أن تقلل إيران من نشاطها النووي مقابل رفع محدود للعقوبات المفروضة عليها بتهم عدم الالتزام باتفاقات الضمان النووي. وشهدت قضية الملف النووي الإيراني خلال عام 2014 في مطلعها حراكا نوعيا ملحوظا لكن شابه البطء في المفاوضات وسط خلافات وعقبات أدت إلى تمديد عمر المفاوضات.
يمكن تقسيم العام لـ3 حقب.. الأولى من 20 يناير (كانون الثاني) وحتى يوليو (تموز) والثانية من أغسطس (آب) حتى نوفمبر والثالثة من 17 ديسمبر (كانون الأول) ولا تزال مستمرة حتى 30 يونيو (حزيران) القادم. أكثر من 11 جولة آخرها جلسة بتاريخ 18 ديسمبر بجنيف لم تستمر غير ساعات ووصفت بأنها تقنية فنية على مستوى المدراء السياسيين. ومن ثم أعقبتها تعليقات من دبلوماسيين غربيين اتهموا إيران بعدم إبداء أي مرونة تنهي الجمود رغم تأكيدهم أن إيران دون شك تسعى للتوصل إلى اتفاق طويل المدى. ووصف عباس عراقجي نائب رئيس الوفد الإيراني تلك الجلسة بأنها كانت مفيدة للغاية ومجدية للغاية. هذا التباين ليس جديدا أو غريبا على المفاوضات النووية إذ وضح ومنذ أول وهلة في تفسير كل منهم لاتفاق جنيف 2013 إذ وصفته رئيسة المجموعة الدولية كاثرين آشتون بأنه اتفاق على خريطة عمل، بينما وصفه رئيس الوفد الإيراني محمد جواد ظريف بأنه اتفاق وخطة عمل.
من جانبه كان وزير الخارجية جون كيري قد بادر في أول مؤتمر صحافي عقد ساعة بعد الاتفاق حضرته «الشرق الأوسط» للقول إن الاتفاق لا يعطي إيران حق التخصيب بينما قال ظريف في مؤتمر عقده مباشرة بعد كيري: إن «الاتفاق اعترف بحق إيران في التخصيب». رغم هذا التباين، شرع الطرفان بتاريخ 20 يناير 2014 في تنفيذ بنود الاتفاق أو خطة العمل التزاما بما تعهدا به فأقدمت إيران على تعليق أعمال تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة بحضور مفتشين دوليين من وكالة الطاقة الذرية كما بدأت عمليات تحويل 196 كغم مما خصبته بهذه النسبة إلى أكسيد (وكانت إيران قد بدأت التخصيب بهذه النسبة العالية منذ عام 2010).
بالمقابل أطلق الرئيس الأميركي باراك أوباما بتاريخ 29 يناير تصريحا تحدى فيه الكونغرس، مؤكدا أنه سيعطل أي قانون يفرض عقوبات جديدة على إيران. وفي يوم 4 فبراير (شباط) تسلمت إيران مبلغ 550 مليون دولار كدفعة أولى من أصل 4.2 مليار دولار من أموالها المجمدة كما استمر فك الحظر شهريا على دفعات موزعة بالتساوي على فترات.
بعد ذلك استمرت المفاوضات على مستوى الخبراء أو المدراء السياسيين منذ 18 فبراير مصحوبة بتصريحات هادئة من العواصم تؤكد أن المباحثات تسير بصورة إيجابية.
إلا أن هذه التصريحات الإيجابية لم تستمر طويلا إذ بانت الاختلافات من جديد، جولة إثر جولة، وبدأت نبرات الضيق تعلو كلما توغلوا في مزيد من التفاصيل.
وكثر الحديث حول رفض إيراني بشأن عدد ونوعية أجهزة الطرد المركزي في مواجهة إصرار من قبل المجموعة الدولية خاصة الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة على ضرورة خفض عدد أجهزة الطرد الإيرانية التي تقدرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 19 ألف جهاز إلى 1500 ولا تزيد على 2000 ألف فيما تقول تسريبات، إن «المساومة وصلت إلى 4000، والغرض تجريد إيران مما يمكنها من الإسراع بعملية التخصيب إن شاءت، وفي ذات الوقت البقاء على ما يكفي حاجتها لتخصيب من أجل طاقة لصناعة مدنية كما تتحجج».
من جانب آخر ظلت البحوث والتجارب التي يقوم بها علماء إيرانيون مصدر خلاف إذ تتمسك إيران بها اعتمادا على حقها في الحصول على التقنية النووية، مؤكدة سلمية أنشطتها مواصلة لعمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة 5 في المائة ونسبة 3.5 في المائة. ويعتبر إصرار إيران على الاستمرار في هذا الاتجاه معضلة حقيقية، خاصة وأن الطرفين لم يتفقا حتى الآن بشأن مستقبل المخزون الذي يتراكم مع مواصلة التخصيب رغم عرض أن تشحن إيران ما خصبته إلى روسيا التي تربطها بها علاقات نووية وتعاون على أن تمولها روسيا بما تحتاجه من وقود نووي تماما كما هو الحال بينها وإيران بالنسبة لمفاعل بوشهر.
وتلتزم روسيا بإمداد محطة بوشهر للطاقة النووية بما تحتاجه من وقود لـ10 سنوات وبلغت بوشهر طاقتها الإنتاجية العام الماضي. وكانت قد افتتحت 12 سبتمبر (أيلول) 2011.
هذه الاختلافات وأخرى أكبر بشأن مسائل أساسية في مقدمتها رفض إيران التطرق لقضية صواريخها الباليستية التي نجحت في تطويرها ويتشكك الغرب في أنها تسعى لتزويدها برؤوس نووية فيما تقول إيران إنها لتقوية قدراتها الدفاعية وإنها أي هذه الصواريخ لن تكون محل تفاوض على ضوء المباحثات النووية. أهم من ذلك بالإضافة إلى إصرار إيران على رفع العقوبات كاملة وبمختلف جنسياتها دولية وأميركية وأوروبية مما أدى لعدم وصول الطرفين لتوقيع في الـ6 أشهر الأولى لاتفاق جنيف والتي انتهت يوليو الماضي فاتفقا على تمديد مدة التفاوض والاستمرار لـ6 أشهر أخرى.
وبالفعل واصل الطرفان تفاوضهما. ومن جانبها كانت رئيسة الوفد الأميركي ويندي شيرمان تنبه مرارا أنهم لن يوقعوا اتفاقا ما لم يتفقوا على كل النقاط الخلافية نقطة نقطة، ممتنعة في التنويرات الصحافية التي أخذت تقدمها عن الحديث في تفصيل عما هي تلك الخلافات، مكتفية بالتكرار أن كل شيء يمكن أن ينهار بسبب الخلاف حول 2 في المائة مع أنهم متفقون 98 في المائة، مؤكدة أن التفاصيل حاسمة.
اتسمت مفاوضات التمديد الثاني بكثرة التصريحات الصادرة من العواصم عن تقدم بطيء وعن وصعوبة عملية التفاوض بسبب هوة عميقة تفصل بين الطرفين في تشاؤم واضح يشوبه تفاؤل من حيث التأكيد على رغبتهما في الوصول لاتفاق يؤدي لحل سلمي شامل لقضية الملف النووي التي ظهرت للوجود منذ عام 2002 عندما تكشف أن لإيران نشاطا نوويا غير معلن وأنها تعمل على الحصول على سلاح نووي، فيما ظلت إيران تؤكد أن نشاطها سلمي لأغراض مدنية لتوليد مزيد من الطاقة التي تحتاجها لتغطية التوسع في عمرانها الاقتصادي.
وفيما الطرفان يتفاوضان بالطبع لم تتوقف الأحداث العالمية الأخرى فكثرت الإشارات لتطرق المفاوضين الغربيين لمواضيع أخرى ومنها تلك التي تصر عليها الدول المتأثرة بقضية الملف النووي الإيراني كالدول الخليجية وإسرائيل، كما ظهرت تعليقات عن مساومات بسبب ما يمكن أن يكون لإيران من تأثير في قضايا بالغة الأهمية تشغل المجتمع الدولي منها الأحداث في سوريا وظهور «داعش» على كل، وما بين انتقال مواقع التفاوض ما بين فيينا وجنيف ونيويورك ومسقط ثم فيينا مرة أخرى استمرت جلسات التفاوض بدءا من أغسطس حتى 24 نوفمبر.
وما بين جولة وأخرى كانت الهوة تزداد اتساعا، ورغم قلة التصريحات الرسمية الصادرة من داخل قاعات المباحثات نفسها إلا أن الفرقة كانت بادية بصورة واضحة.
من جانبه كان المتحدث باسم كاثرين آشتون قد أشار عقب اجتماع ثنائي عقد بين ظريف وآشتون بفيينا 16 أكتوبر (تشرين الأول) لحرج المرحلة التي تمر بها المفاوضات
أما ظريف فقد كان مؤملا الوصول لاتفاق قبل انقضاء المهلة، وحتى وأيام المهلة تتناقص ظل يستبعد فكرة التمديد، مشددا أن الحل ممكن إذا ما استوعب الطرف الآخر أن العقوبات رمز للعلاقات السابقة، وأن هكذا رمز يجب تدميره، ولهذا السبب فإنهم يشددون على رفع العقوبات، مشيرا إلى أن التمديد ليس مخرجا يفكرون فيه.
هذا فيما قلل الرئيس أوباما في لقاء تلفزيوني بتاريخ 10 نوفمبر من إمكانية الوصول لحل.
وتشير مصادر إلى أن واشنطن تمسكت ولا تزال بفترة اختبار وتحقق عن صدق إيران والتزامها قد تصل إلى 20 عاما بعد توقيع اتفاق ومن ثم تزيح العقوبات كاملة فيما تمسكت طهران بضرورة رفع العقوبات كاملة وبالتزامن حالما وقعا اتفاقا.
ليس ذلك فحسب بل تتشكك إيران في قدرة هذه الإدارة الديمقراطية في كبح جماح كونغرس جمهوري لا يفرض عليها عقوبات جديدة.
بالإضافة لذلك أكدت مصادر أن قضية التخصيب ظلت عقبة أساسية في المباعدة بين الطرفين رغم إذعان الجانب الغربي لحق إيران في التخصيب بنسبة 5 في المائة، وأن يصروا على تقييدها بتحديد عدد الأجهزة العاملة في هذا المجال الحساس ونوعيتها، متمسكين بنوعية قديمة رافضين أن يتم استخدام الأجهزة الحديثة التي تسرع من نسبة التخصيب في حال قررت إيران صنع قنابل نووية. ووفق ذات المصادر فإن متوسط إنتاج جهاز الطرد الحديث من إنتاج اليورانيوم المخصب يبلغ 10 كيلوغرامات وأن صنع قنبلة نووية يحتاج لـ25 كغم.
هذا ورغم أن التسريبات لم تتحدث عن عقبة الصواريخ البالستية بصورة مباشرة إلا أن الحديث عن البرتوكول الإضافي وضرورة أن توقع عليه إيران عاد للأضواء مرة أخرى.
ومعلوم أن البرتوكول الإضافي يمنح مفتشي الوكالة الدولية حقا مطلقا في تفتيش فجائي لأي موقع بما في ذلك المواقع العسكرية وهو ما ترفضه إيران جملة وتفصيلا أو على الأقل رفضته ولا تزال طالما لم تحصل على تطمينات برفع العقوبات.
إلى ذلك ومع اقتراب نهاية المهلة ولمدة 6 أيام وصل فيينا وزراء خارجية الطرفين بنسب تتفاوت فهناك من وصل آخر يوم كالوزير الصيني وهناك من سبقه بليلة كالوزير الروسي وسبقه الألماني وهناك من جاء وعاد كالفرنسي والبريطاني.
وكان ظريف بالطبع أول الواصلين ثم جاء جون كيري لاعبا لدور الجوكر في عقد الجلسات بمختلف الأشكال ثنائية وثلاثية إلى أن وصلت سباعية ثم عادت رباعية وثلاثية وثنائية جمعته وظريف منفردين حتى من دون حضور كاثرين آشتون.
وما بين وصول هذا الوزير ومغادرته كانت المفاجأة وصول وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل للعاصمة النمساوية، ظهر يوم 23 نوفمبر ولمدة ساعات فقط عقد أثناءها اجتماعا بطائرته مع رصيفه الأميركي جون كيري. رغم أن كيري كان قد التقى بالأمير في العاصمة الفرنسية باريس وذلك قبل أن يصل كيري إلى فيينا ويحط رحاله لمدة 6 أيام.
رغم محاولات ومساع قوية للخروج باتفاق قبل نهائية المهلة فشل الطرفان في توقيع اتفاق ليعلن كيري في مؤتمر صحافي عقده مساء يوم 24 اتفاقهما على تمديد المفاوضات لفترة 6 أشهر جديدة على أن تخصص الـ3 أشهر الأولى للوصول لاتفاق سياسي تبدأ صياغته ومراجعته ومن ثم الاتفاق عليه خلال الـ3 أشهر الأخيرة التي تنتهي بالتوقيع 30 يونيو على أن يعاودا لقاءاتهما قبل نهاية ديسمبر على مستوى المدراء السياسيين.
كذلك قرر الطرفان أن تمنح إيران طيلة فترة التفاوض مبلغ 700 مليون دولار شهريا قالت مصادر إنها قيمة السماح لإيران ببيع 300 ألف برميل من النفط يوميا وحتى 30 يونيو القادم مما يقود للتساؤل، إن كان جمع المبلغ ممكنا في ظل انخفاض مريع لأسعار النفط التي أوشكت أن تصل إلى 50 دولارا للبرميل.
لم يصف كيري عدم التوقيع بالفشل وإنما ركز في مؤتمره الصحافي الذي عقده أمام حشد هائل من الصحافيين أن تغييرات جوهرية مست المسيرة الإيرانية النووية معددا التضييق في مفاعل فوردو والوصول لاتفاق بخصوص قضية البحث والتطوير التقني، وتحديدا في فعالية مفاعل أراك، وتجميد التخصيب بنسبة 20 في المائة، مكيلا المديح والثناء على محمد جواد ظريف وقدراته الصعبة في التفاوض.
من جانبها سخرت صحف إيرانية معارضة للتفاوض من فشل الفريق النووي الإيراني في توقيع اتفاق، مشيرة إلى أن تمديد المفاوضات يمنح الدبلوماسية الإيرانية 7 أشهر من التنفس الاصطناعي، موضحة أن التمديد جاء في قالب جديد مؤقت مما يعكس خطة أميركية تعمل تدريجيا لتفكيك البرنامج النووي الإيراني باستهداف بنيته التحتية مما سيقود للقضاء على «الحلم» النووي الإيراني بينما تبقى قبضة العقوبات خانقة.
هذا فيما سارع الرئيس الإيراني حسن روحاني في كلمة متلفزة للتأكيد أن التفاوض سوف يؤدي إلى اتفاق نهائي خاصة وقد تم ردم معظم الفجوات، كما قال.
وأكد ألا طريق آخر غير التفاوض حتى لا تتخلى إيران عن برنامجها النووي وحتى ترفع العقوبات.
هذا فيما تتساءل مصادر عما يمكن أن يستجد ويحل من عقدة العقبات ويؤدي لا لتمديد جديد بل توقيع اتفاق شامل كامل أو إعلان الفشل.
من جانبهما عاود طرفا التفاوض يوم 18 ديسمبر اجتماعاتهما بجنيف على مستوى المدراء السياسيين حيث عقدا اجتماعا وصف بأنه تقني فني، تقول وكالات الإعلام أنه كان قصيرا لم يستمر غير 3 ساعات.
إلى ذلك شهدت مفاوضات عام 2014 جهدا ومشاركات وجوه جديدة منها وزيرا خارجية بريطانيا وألمانيا الحاليين كما انتهت فترة عمل كاثرين آشتون التي تم الحفاظ عليها بتعيينها مستشارة للمفوضة الجديدة للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي لشؤون المباحثات.



المفاوضات الأميركية - الإيرانية تتوقف ساعات لإجراء مشاورات

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر، في جنيف اليوم (رويترز_الخارجية العمانية)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر، في جنيف اليوم (رويترز_الخارجية العمانية)
TT

المفاوضات الأميركية - الإيرانية تتوقف ساعات لإجراء مشاورات

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر، في جنيف اليوم (رويترز_الخارجية العمانية)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر، في جنيف اليوم (رويترز_الخارجية العمانية)

توقفت الجولة الجارية من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، الخميس، بعد ساعات من انطلاقها، لإجراء مشاورات بين الوفدين، فيما أشار الوسيط العُماني إلى تبادل «أفكار بناءة وإيجابية»، مع توقع استئناف الجلسات لاحقاً في ظل ترقب لإمكان تحقيق تقدم.

غادر موكب يعتقد أنه يقل دبلوماسيين أميركيين، مقر البعثة الدبلوماسية العمانية في جنيف، مقر المحادثات بين الوفدين الإيراني والأميركي.

وأفاد موقع «أكسيوس» عن مصادر مطلعة أن مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، عقدا أكثر من ثلاث ساعات من المفاوضات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وذكرت المصادر أن الجولة الثالثة عُقدت بصيغتين، مباشرة بين الجانبين، وغير مباشرة عبر وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي الذي تولّى نقل الرسائل.

وأضافت مصادر أن الإيرانيين قدموا مسودة مقترحهم المرتقب لاتفاق نووي، فيما شارك البوسعيدي والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في الاجتماعات.

وقال البوسعيدي على منصة «أكس» إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين تبادلوا «أفكاراً بناءة وإيجابية» خلال محادثات جنيف اليوم، مشيراً إلى أن الجانبين قررا رفع الجلسة لأخذ استراحة، على أن تُستأنف في وقت لاحق، معرباً عن أمله في إحراز مزيد من التقدم.

ومع بدء الجولة الثالثة، أوضحت الخارجية العمانية أن «اللقاء تناول استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيراني، إلى جانب ردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي بشأن معالجة العناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي والضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق يشمل الجوانب الفنية والرقابية كافة».

ونقلت عن البوسعيدي قوله: «إن المساعي مستمرة بصورة حثيثة وبروح بناءة، في ظل انفتاح المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة بصورة غير مسبوقة، وتهيئة الظروف الداعمة للتقدم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة».

كما التقى البوسعيدي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الهيئة التابعة للأمم المتحدة المكلفة بمراقبة الأنشطة النووية. وأبدى الدبلوماسي العُماني إشارات إيجابية رداً على سؤال بشأن تفاؤله بالمحادثات. ونشرت عُمان لاحقاً صوراً لويتكوف وكوشنر خلال اجتماعهما مع الوسيط، في إشارة إلى انطلاق المحادثات.

وفي السياق ذاته، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن الجولة الجارية توقفت لساعات عدة لإجراء مشاورات، على أن تُستأنف لاحقاً بالتوقيت المحلي لجنيف.

من جهتها، قالت وكالة إرنا الرسمية إن المفاوضات استمرت ساعتين ونصف الساعة قبل إعلان التوقف المؤقت، مؤكدة أن «الهيئة الإيرانية تتابع المفاوضات بأقصى درجات الدقة وبواقعية مستمدة من التجارب السابقة».

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعقد اجتماعاً مع وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في جنيف (أ.ف.ب)

يدفع ترمب نحو وقف كامل لتخصيب اليورانيوم الإيراني، إضافة إلى إدراج برنامج الصواريخ الباليستية ودعم طهران لجماعات مسلحة إقليمية ضمن المحادثات. لكن إيران تصر على أن تظل المفاوضات محصورة في القضايا النووية، مؤكدة أن برنامجها مخصص لأغراض سلمية بحتة.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للصحافيين الأربعاء إن إيران «تحاول دائماً إعادة بناء عناصر» من برنامجها النووي. وأضاف أن طهران لا تخصب اليورانيوم حالياً، «لكنها تحاول الوصول إلى النقطة التي يمكنها فيها في نهاية المطاف القيام بذلك».

ودخلت الولايات المتحدة المحادثات مطالبةً بأن يظل أي اتفاق نووي مستقبلي ساري المفعول إلى أجل غير مسمى، إضافة إلى تخلي إيران عن مخزونها البالغ نحو 10 آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب. وأشارت إلى أن واشنطن أبدت استعداداً لإظهار قدر من المرونة بشأن مطلب طهران الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، شرط إثبات عدم وجود مسار نحو تصنيع سلاح نووي وفقاً لموقع «أكسيوس».

ونقل الموقع عن المصادر أن الرسالة التي سينقلها ويتكوف وكوشنر إلى ترمب عقب الاجتماع سيكون لها تأثير كبير على قرار الرئيس بشأن مواصلة المسار الدبلوماسي أو الانتقال إلى خيار عسكري.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» أربعة مسؤولين إيرانيين، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، إن طهران تدرس طرح مقترح يتضمن تعليق بعض أنشطتها النووية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، على أن تنضم لاحقاً إلى اتحاد نووي إقليمي، مع الإبقاء على مستوى محدود جداً من التخصيب عند نحو 1.5 في المائة لأغراض بحثية طبية. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا الطرح يحظى بإجماع داخل مؤسسات صنع القرار في إيران.

وأضاف المسؤولون أن المقترح قد يشمل أيضاً خفض مخزون يُقدَّر بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب على مراحل، مع السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالإشراف على التنفيذ.

وأشار مسؤولون إيرانيون إلى أن طهران قد تعرض حوافز اقتصادية، من بينها شراء طائرات ركاب أميركية وفتح الباب أمام استثمارات أميركية في قطاعات الطاقة والنفط والغاز، فضلاً عن إتاحة الوصول إلى بعض المناجم التي تحتوي على معادن مثل الليثيوم. وقالوا إن المرشد علي خامنئي منح موافقة مبدئية على السماح بدخول شركات أميركية، وهو تحول — إن تأكد — قد يمثل تغييراً في السياسة المعلنة سابقاً.

ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من تفاصيل العرض أو من مدى استجابة الأطراف الأخرى له.

ومع بدء المحادثات، قال علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني ورئيس لجنة الدفاع العليا، إن التوصُّل إلى اتفاق فوري «في متناول اليد» إذا كان جوهر المفاوضات يتمثل في التزام إيران بعدم تصنيع سلاح نووي.

وأوضح شمخاني، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا الأمر «ينسجم مع فتوى المرشد ومع العقيدة الدفاعية لإيران»، مضيفاً أن وزير الخارجية عباس عراقجي «يحظى بالدعم والصلاحيات الكافية لإبرام مثل هذا الاتفاق».

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن الجولة ستقتصر على مناقشة الملف النووي ورفع العقوبات عن طهران.

وقال إسماعيل بقائي إن «موضوع المفاوضات يركز على الملف النووي»، مضيفاً أن طهران ستسعى إلى رفع العقوبات وتأكيد حق إيران في «الاستخدام السلمي للطاقة النووية». وأضاف أن الوفد الإيراني نقل هذه المواقف إلى وزير الخارجية العُماني، الذي يتولى الوساطة في المفاوضات.

لكن روبيو قال إن رفض طهران مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية يمثل «مشكلة كبيرة» سيتعين التعامل معها في نهاية المطاف، مضيفاً أن هذه الصواريخ «مُصمَّمة فقط لضرب أميركا» وتُشكِّل تهديداً لاستقرار المنطقة.

وقال روبيو للصحافيين في سانت كيتس في وقت متأخر من مساء الأربعاء: «إذا لم نتمكَّن حتى من إحراز تقدم في البرنامج النووي، فسيكون من الصعب إحراز تقدم في ملف الصواريخ الباليستية أيضاً».

ويريد الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني، ويرى أن الفرصة سانحة في ظل تصاعد الضغوط الداخلية على طهران عقب احتجاجات واسعة الشهر الماضي.

وتأمل إيران أيضاً في تجنب الحرب، لكنها تؤكد حقها في تخصيب اليورانيوم، وترفض مناقشة قضايا أخرى مثل برنامجها للصواريخ الباليستية بعيدة المدى أو دعمها لجماعات مسلحة مثل «حماس» و«حزب الله».

وقالت إيران إنه في حال تعرضها لهجوم أميركي، فإن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة ستعد أهدافاً مشروعة، ما يعرّض عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين للخطر. كما هددت بمهاجمة إسرائيل، ما قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية جديدة في الشرق الأوسط.

مخاوف من تصعيد عسكري

إذا فشلت المحادثات، فإن عدم اليقين يكتنف توقيت أي هجوم أميركي محتمل. وإذا كان الهدف من العمل العسكري المحتمل هو الضغط على إيران لتقديم تنازلات في المفاوضات النووية، فليس من الواضح ما إذا كانت الضربات المحدودة ستنجح.

أما إذا كان الهدف هو إزالة قادة إيران، فمن المرجح أن يلتزم الولايات المتحدة بحملة عسكرية أكبر وأطول. ولم تظهر أي علامات علنية على التخطيط لما سيحدث بعد ذلك، بما في ذلك احتمال حدوث فوضى في إيران.

كما يظل الغموض قائماً بشأن ما قد يعنيه أي عمل عسكري بالنسبة للمنطقة ككل. فقد ترد طهران على الدول الحليفة للولايات المتحدة في الخليج الفارسي أو إسرائيل. وارتفعت أسعار النفط في الأيام الأخيرة جزئياً بسبب هذه المخاوف، حيث يبلغ سعر خام برنت القياسي حالياً نحو 70 دولاراً للبرميل. وكانت إيران قد قالت في الجولة الأخيرة من المحادثات إنها أوقفت مؤقتاً حركة المرور في مضيق هرمز، المدخل الضيق للخليج الفارسي الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالمياً.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» يومي الثلاثاء والأربعاء ونشرتها «أسوشييتد برس» أن السفن الأميركية التي ترسو عادة في البحرين، مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية، كانت جميعها في عرض البحر. وأحال الأسطول الخامس الأسئلة إلى القيادة المركزية للجيش الأميركي التي رفضت التعليق. وقبل هجوم إيران على قاعدة أميركية في قطر خلال الأيام الأخيرة من حرب يونيو، قام الأسطول الخامس بالطريقة نفسها بنشر سفنه في البحر لحمايتها من أي هجوم محتمل.


بعد تصريحات ترمب... ما وضع برامج الأسلحة الإيرانية؟

TT

بعد تصريحات ترمب... ما وضع برامج الأسلحة الإيرانية؟

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإيجاز مبررات هجوم محتمل على إيران في خطابه عن «حالة الاتحاد» أمام الكونغرس، قائلاً إنه لن يسمح لما وصفه بأنه «أكبر راعٍ للإرهاب في العالم» بالحصول على سلاح نووي.

ووصف ترمب دعم طهران لجماعات مسلحة، وقتل متظاهرين مناهضين للحكومة في يناير (كانون الثاني)، إلى جانب برنامجيها الصاروخي والنووي، بأنها تُمثل تهديدات للمنطقة وللولايات المتحدة.

وفيما يلي أبرز الأسئلة والأجوبة المتعلقة بتصريحاته، حسب تحليل نشرته وكالة «رويترز».

ماذا قال ترمب بالتحديد عن برامج الأسلحة الإيرانية؟

قال ترمب إن إيران طوَّرت صواريخ يمكن أن تُهدد أوروبا وقواعد أميركية في الخارج، وإنها «تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة الأميركية». وأضاف أن الضربات الجوية الأميركية التي أمر بها في يونيو (حزيران) «قضت» على برنامج الأسلحة النووية الإيراني، لكن طهران «تبدأ من جديد»، و«تسعى من جديد في هذه اللحظة إلى تحقيق طموحاتها الشريرة».

ولم يُقدم ترمب تفاصيل تدعم تصريحاته.

ماذا قالت التقييمات الأميركية العامة وإيران عن الصواريخ؟

قالت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية إن إيران تمتلك وحدات إطلاق فضائي قد تمكّنها من تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قابل للاستخدام العسكري بحلول عام 2035 إذا قررت السعي إلى امتلاك هذه القدرة. وزعمت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن طهران تعمل على تطوير صاروخ قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة.

وقال جيفري لويس، خبير الصواريخ في معهد ميدلبري للدراسات الدولية في كاليفورنيا، إن تقدير الوكالة يبدو «متحفظاً للغاية»، نظراً لأن إيران تعمل منذ عام 2013 على تطوير محرك بالتعاون مع كوريا الشمالية، استخدمته بيونغ يانغ في عدة نسخ من صواريخها الباليستية العابرة للقارات القادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة.

ما المعروف عن وضع برنامج إيران النووي؟

تعرضت المنشآت الثلاث التي يُعرف أن إيران تنتج فيها اليورانيوم المخصب - الذي يمكن استخدامه وقوداً لمحطات الطاقة أو في صنع قنابل نووية حسب درجة نقائه - لأضرار خلال الضربات الأميركية في يونيو.

ومع تأكيد ترمب مراراً بعد تلك الضربات أن المنشآت النووية الإيرانية دُمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في يونيو، إن إيران يمكن أن تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

وتقول الوكالة إنها فتشت جميع المنشآت النووية المعلنة التي لم تتعرض للقصف، لكنها لم تتمكن من تفتيش المواقع الثلاثة الرئيسية التي استهدفت في يونيو، وهي «نطنز» و«فوردو» و«أصفهان».

ما مدى قرب إيران من صنع قنبلة نووية؟

كان من بين المبررات التي قدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب مواقع إيرانية في يونيو أن طهران كانت على وشك امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي.

وخلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأجهزة استخبارات أميركية، كل على حدة، إلى أن إيران أوقفت برنامج تطوير الأسلحة النووية في عام 2003.

وتنفي طهران سعيها في أي وقت للحصول على أسلحة نووية، مؤكدة أن لها، بصفتها طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.

مدخل منشأة «فوردو» في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وتقول قوى غربية إنه لا يوجد مبرر مدني مقنع لتخصيب إيران اليورانيوم إلى المستويات التي بلغتها، فيما تبدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قلقاً بالغاً حيال ذلك، مشيرة إلى أن أياً من الدول الأخرى لم يسلك هذا المسار دون أن ينتهي به الأمر إلى تطوير أسلحة نووية.

وفي تقييمها السنوي للتهديدات العالمية لعام 2025، قالت أجهزة الاستخبارات الأميركية إنها لا تزال ترى أن «إيران لا تصنع سلاحاً نووياً، وأن (المرشد علي) خامنئي لم يعاود الموافقة على برنامج الأسلحة النووية الذي عُلّق في 2003، رغم الضغوط التي ربما تمارس عليه للقيام بذلك».

وفي وقت لاحق، رفض ترمب تقييم مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، قائلاً، إنها ومجتمع الاستخبارات الأميركي مخطئون، وإن إيران «قريبة جداً» من امتلاك سلاح نووي، من دون أن يقدم دليلاً يدعم ذلك.

ماذا قال ترمب عن قتل المتظاهرين؟

في خطابه الثلاثاء، كرر ترمب اتهامه لإيران بقتل ما لا يقل عن 32 ألف متظاهر خلال الشهرين الماضيين، وهو رقم لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل.

وقالت منظمة «هرانا» المعنية بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان في إيران، ومقرها الولايات المتحدة، في تقرير هذا الأسبوع إنها وثقت 7007 حالات وفاة مؤكدة، فيما لا تزال 11744 حالة قيد المراجعة.

محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس 8 يناير (أ.ب)

وبعد ساعات من ذكر ترمب الأسبوع الماضي للمرة الأولى رقم 32 ألف قتيل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران نشرت «قائمة شاملة» بجميع القتلى الذين بلغ عددهم 3117 شخصاً خلال الاضطرابات.

وقال مسؤول إيراني لـ«رويترز» الشهر الماضي إن السلطات تحققت من وفاة ما لا يقل عن 5000 شخص، بينهم نحو 500 من أفراد الأمن.


محادثات جنيف: إيران تبدي «مرونة» وإصرار أميركي على إدراج «الباليستي»

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يرفع إبهامه وهو يغادر فندقه متوجهاً إلى مقر إقامة القنصلية العمانية للمشاركة في الجولة الثالثة اليوم (أ.ف.ب)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يرفع إبهامه وهو يغادر فندقه متوجهاً إلى مقر إقامة القنصلية العمانية للمشاركة في الجولة الثالثة اليوم (أ.ف.ب)
TT

محادثات جنيف: إيران تبدي «مرونة» وإصرار أميركي على إدراج «الباليستي»

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يرفع إبهامه وهو يغادر فندقه متوجهاً إلى مقر إقامة القنصلية العمانية للمشاركة في الجولة الثالثة اليوم (أ.ف.ب)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يرفع إبهامه وهو يغادر فندقه متوجهاً إلى مقر إقامة القنصلية العمانية للمشاركة في الجولة الثالثة اليوم (أ.ف.ب)

بدأت الجولة الثالثة من المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في مسعى لتسوية النزاع الممتد بينهما حول برنامج طهران النووي وتجنب توجيه ضربات أميركية جديدة، في أعقاب تعزيزات عسكرية واسعة النطاق في المنطقة.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مشاورات مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، قبيل بدء تبادل الرسائل مع الوفد الأميركي مع وصول الوفود الدبلوماسية إلى مقر السفارة العُمانية في جنيف.

بدورها، قالت وزارة الخارجية العُمانية إن البوسعيدي عقد صباح اليوم في جنيف اجتماعاً مع ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي، وجاريد كوشنر، في إطار المفاوضات الإيرانية - الأميركية الجارية حالياً.

وهذه الجولة الثانية التي تعقد في جنيف في أعقاب مناقشات جرت الأسبوع الماضي. ويجري المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي مناقشات مع الوفدين الإيراني والأميركي على هامش المحادثات، كما فعل الأسبوع الماضي.

أفكار وحلول جديدة

وأوضحت السفارة العمانية أن «اللقاء تناول استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيراني، إلى جانب ردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي بشأن معالجة العناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي والضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق يشمل الجوانب الفنية والرقابية كافة».

ونقلت عن البوسعيدي قوله: «إن المساعي مستمرة بصورة حثيثة وبروح بناءة، في ظل انفتاح المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة بصورة غير مسبوقة، وتهيئة الظروف الداعمة للتقدم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة».

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن الجولة ستقتصر على مناقشة الملف النووي ورفع العقوبات عن طهران.

وقال إسماعيل بقائي إن «موضوع المفاوضات يركز على الملف النووي»، مضيفاً أن طهران ستسعى إلى رفع العقوبات وتأكيد حق إيران في «الاستخدام السلمي للطاقة النووية». وأضاف أن الوفد الإيراني نقل هذه المواقف إلى وزير الخارجية العُماني، الذي يتولى الوساطة في المفاوضات.

لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن رفض طهران مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية يمثل «مشكلة كبيرة» سيتعين التعامل معها في نهاية المطاف، مضيفاً أن هذه الصواريخ «مُصمَّمة فقط لضرب أميركا» وتُشكِّل تهديداً لاستقرار المنطقة.

وقال روبيو للصحافيين في سانت كيتس في وقت متأخر من مساء الأربعاء: «إذا لم نتمكَّن حتى من إحراز تقدم في البرنامج النووي، فسيكون من الصعب إحراز تقدم في ملف الصواريخ الباليستية أيضاً».

وكان عراقجي قد التقى نظيره العماني فور وصولهما إلى جنيف مساء الأربعاء. وقالت وزارة الخارجية العمانية، في بيان على منصة «إكس»، إن الوزيرين ناقشا «آخر المستجدات والوقوف على المرئيات والمقترحات التي سيتقدَّم بها الجانب الإيراني في سبيل التوصُّل إلى اتفاق».

من جهتها قالت «الخارجية الإيرانية» إن عراقجي عرض «وجهة النظر واعتبارات الجمهورية الإسلامية بشأن الملف النووي ورفع العقوبات» الأميركية والدولية.

وشدَّد البيان على «تصميم» طهران على اعتماد «دبلوماسية تستند إلى النتائج لضمان المصالح وحقوق الشعب الإيراني، والسلام والاستقرار في المنطقة». وقال عراقجي الثلاثاء إن «الاتفاق في متناول اليد.. لكن فقط إذا مُنحت الأولوية للدبلوماسية».

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف الأربعاء (الخارجية الإيرانية - رويترز)

وبعد جهود دبلوماسية إقليمية مكثفة، استأنفت واشنطن وطهران المفاوضات هذا الشهر أملاً في إنهاء أزمة استمرَّت عقوداً بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي تعتقد واشنطن ودول غربية أخرى وإسرائيل أنه يهدف إلى تطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.

وتتمسَّك إيران بأن تقتصر المباحثات على الملف النووي. في المقابل، تحدَّث مسؤولون أميركيون وغربيون عن ضرورة أن يشمل أي اتفاق مع طهران، البحث في برنامجها الباليستي ودعمها لمجموعات مسلحة.

وعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإيجاز مبررات هجوم محتمل على إيران خلال خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس، يوم الثلاثاء، قائلاً إنه يفضِّل حلَّ الأزمة بالوسائل الدبلوماسية، لكنه لن يسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.

وقال ترمب: «صمموا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا (العسكرية) في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستكون قريبا قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة».

وعدّ ترمب الأسبوع الماضي أن «تغيير النظام» في إيران، أي الحكم القائم منذ ثورة 1979 التي أطاحت بنظام الشاه، سيكون «أفضل ما يمكن أن يحدث». وأكد أنه ينبغي «التوصُّل إلى اتفاق، وإلا فسيكون الأمر مؤلماً جداً»، مضيفاً: «لا أريد أن يحصل ذلك (ضربة عسكرية)، لكن علينا التوصُّل إلى اتفاق».

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الأحد، أنّ أي اتفاق يجب أن يضمن نقل كامل مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب إلى خارج البلاد، و«تفكيك» أي قدرة على التخصيب، إضافة إلى معالجة البرنامج الصاروخي.

ضغوط على إيران من الداخل والخارج

ونشر الرئيس الأميركي طائرات مقاتلة ومجموعات هجومية لحاملات طائرات، إضافة إلى مدمرات وطرادات في المنطقة، في إطار مساعٍ للضغط على إيران من أجل تقديم تنازلات.

تحشد الولايات المتحدة قوةً عسكريةً كبيرةً في الشرق الأوسط، في أكبر انتشار لها بالمنطقة منذ غزو العراق عام 2003، ما يثير مخاوف من اندلاع صراع أوسع. وفي يونيو (حزيران) الماضي، انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في ضرب مواقع نووية إيرانية، بينما توعَّدت طهران بالرد بقوة إذا تعرَّضت لهجوم جديد.وغادرت حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد آر. فورد»، أكبر ‌حاملة طائرات أميركية، ميناء قرب جزيرة كريت اليونانية اليوم الخميس باتجاه شواطئ قرب حيفا في شمال إسرائيل، ومن المتوقع وصولها غدا الجمعة.وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة أرسلت أيضا نحو 12 طائرة من مقاتلات إف-22 الشبح إلى إسرائيل، وهي أول مرة تنشر فيها واشنطن طائرات حربية هناك استعدادا لعمليات حربية محتملة. ولم تعلن إدارة ترمب رسميا عن إرسال هذه المقاتلات. وأحجمت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عن التعليق.

وقال ترمب في 19 فبراير (شباط) إن على إيران التوصُّل إلى اتفاق خلال 10 إلى 15 يوماً، محذراً من «عواقب وخيمة» في حال عدم القيام بذلك.

وقال عراقجي، الثلاثاء، إن إيران تسعى إلى اتفاق عادل وسريع، لكنه شدَّد مجدداً على أن طهران لن تتنازل عن حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية. وترى واشنطن أن تخصيب اليورانيوم داخل إيران يمثل مساراً محتملاً لتطوير سلاح نووي.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «الاتفاق في متناول اليد... لكن فقط إذا مُنحت الأولوية للدبلوماسية».

وذكرت «رويترز»، الأحد، أن طهران تطرح تنازلات جديدة مقابل رفع العقوبات والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، في محاولة لتجنب هجوم أميركي. غير أن مسؤولاً كبيراً قال لـ«رويترز» إن الطرفين لا يزالان منقسمَين بشدة، حتى بشأن نطاق وتسلسل تخفيف العقوبات الأميركية الصارمة.

وداخلياً، يواجه المرشد الإيراني علي خامنئي أشد أزمة خلال حكمه الممتد منذ 36 عاماً، في ظلِّ اقتصاد يرزح تحت وطأة العقوبات وتجدد الاحتجاجات عقب اضطرابات واسعة وحملة قمع شهدت سقوط قتلى في يناير (كانون الثاني).

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الخميس، إن خامنئي أصدر «فتوى تحرّم أسلحة الدمار الشامل»، ما «يعني بوضوح أن طهران لن تصنع أسلحة نووية».

من جهته، قال علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني ورئيس لجنة الدفاع العليا، إن التوصُّل إلى اتفاق فوري «في متناول اليد» إذا كان جوهر المفاوضات يتمثل في التزام إيران بعدم تصنيع سلاح نووي.

وأوضح شمخاني، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا الأمر «ينسجم مع فتوى المرشد ومع العقيدة الدفاعية لإيران»، مضيفاً أن وزير الخارجية عباس عراقجي «يحظى بالدعم والصلاحيات الكافية لإبرام مثل هذا الاتفاق».

وتؤكد القيادة الإيرانية أن برنامجها النووي يظل ضمن حدود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي صادقت عليها عام 1970، والتي تسمح بالأنشطة النووية المدنية مقابل التخلي عن الأسلحة الذرية، والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتحيط ضبابية كبيرة بمصير مخزون إيران الذي يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة وفق ما رصده مفتشو الوكالة الدولية في آخر زيارة أجروها في يونيو قبل الضربات الإسرائيلية والأميركية.