هل أصبحت القصة القصيرة فن عصرنا؟

سؤال يردده كتاب ونقاد في الغرب

أليس مونرو - ريموند كارفر - فرانسيس فيتزجرالد
أليس مونرو - ريموند كارفر - فرانسيس فيتزجرالد
TT

هل أصبحت القصة القصيرة فن عصرنا؟

أليس مونرو - ريموند كارفر - فرانسيس فيتزجرالد
أليس مونرو - ريموند كارفر - فرانسيس فيتزجرالد

وصفت مقالة لجريدة التلغراف (البريطانيّة)، عن مآلات الأنواع الأدبيّة في القرن الحادي والعشرين، القصّة القصيرة بأنّها «الشكل الأدبي الأكثر مواءمة لراهننا»، فصيغة الإيجاز التي تميّزها (عن الرّواية) تناسب قدرة البشر المتضائلة على الاحتفاظ بالتركيز، في وقت تتسابق فيه منجزات تكنولوجيّة كثيرة لكسب انتباههم لحظياً. وصرّح نيل غايمان، وهو كاتب خيال علمي بريطاني معروف، في مقابلة له، بأن «القصص القصيرة وحدها من بين الأنواع الأدبيّة الأخرى تأخذ طولاً وشكلاً مناسباً لأيّامنا: للقراءة سواء على الحاسب اللوحي أو الهواتف الذكيّة». وقبل أشهر عدّة، نشرت مجلّة أسبوعيّة بريطانيّة (سبيكتاتور) عنواناً مثيراً للاهتمام عن «نهضة قويّة للقصّة القصيرة». وهناك تقارير في غير ما صحيفة تتناول مبيعات الكتب، وتتحدث عن أداء غير مسبوق لمجموعات القصة في السوق الآيرلنديّة، حيث يبدو هذا الشكل الأدبي موضع اهتمام متزايد من قبل جيل الكتاب الشبان في بلد يكتب ويقرأ بالإنجليزية بتحرر أكثر من التقاليد المحافظة للمؤسسة الثقافية البريطانيّة. فهل فعلاً نقف على بوابة عصر ذهبي للقصة القصيرة التي بقيت لوقت طويل ضحية مكتملة الأوصاف لمجد الرواية، بفضل مترتبات الانتشار المتشظي للتكنولوجيا الحديثة؟
الخبرة التاريخيّة تقول إن الناشرين -على عمومهم- لا يحبون هذا الشكل الأدبي لأنه لا سوق له، ومن الواضح أن القراء المتابعين لهذا الفن أقليّة؛ وفيّة ربما لكنها نادرة. غير أنه بدلاً من تقبّل هذه الحقيقة المثبتة، فإنّ هنالك من يتحدّث عن عصر ذهبي، معتمدين على وجود حاجة مستجدة يشترك فيها جمهور واسع لقراءة نصوص خيال أدبي قصيرة يمكن التهامها خلال ربع إلى نصف ساعة، وفي جلسة واحدة، ودائماً بحجّة القدرة المتضائلة على التركيز لدى المعاصرين، وضيق الوقت. لكّن الاستجابة لهذه الحاجة ليست بالضرورة مقتصرة على نموذج القصّة القصيرة، كما تبيّن مؤخراً أيّام العزل الكلي بسبب وباء «كوفيد-19»، عندما اندفعت أعداد كبيرة من القراء إلى مطالعة روايات من العيار الثقيل، كـ«دون كيخوتيه - سيرفانتيس»، و«الحرب والسلام - تولستوي»، وذلك عبر مجموعات قراءة كانت تعبر النصّ بمعدّل فصل واحد يومياً. ومُعظم تلك الفصول قصيرة، وتستغرق ما بين ربع ونصف ساعة قراءة، ناهيك من متعة التعلّق بسرديّة طويلة يتم تفكيكها على مرّ أسابيع طويلة كأنها مسلسل تلفزيوني مشّوق. وهناك دائماً في الأسواق الغربيّة على جانبي الأطلسي محاولات لنشر روايات جديدة على وسائل الاتصال الحديثة، تأخذ شكل فصول مسلسلة يتم نشرها إلكترونياً، وترسل للمهتمين فصلاً فصلاً عبر عناوين البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة.
الأمر الآخر هو تضاؤل عائد كتابة القصّص القصيرة بشكل غير مسبوق. فقد مضت أيّام آرثر كونان دويل (1859-1930)، وفرانسيس سكوت فيتزجيرالد (1896-1940)، عندما كان ممكناً لكاتب شاب أن يكسب أكثر من ألف دولار أميركي شهريّاً من وراء بيع القصص القصيرة وحدها، وهو مبلغ يعادل عشرة أضعافه بقيمة دولارات اليوم، بينما يصعب العثور هذه الأيّام على مجلّة أدبيّة أو ثقافيّة (غرباً أو شرقاً) تقبل نشر القصص القصيرة من حيث المبدأ، ناهيك من أن تدفع مقابلها مبالغ مجزية. بالطبع هناك استثناءات: الأسبوعيّة الأميركيّة المرموقة «نيويوركر» مثلاً تنشر قصصاً قصيرة متوسطة الطول في معظم أعدادها، وتدفع مقابلها جيّداً. كذلك بعض المجلات الأدبيّة المتخصصة -بالأحرى القليل المتبقي منها على قيد الحياة- التي توّزع على نطاق ضيق في بريطانيا واليابان وفرنسا وإسبانيا. لكّن هذه بمجملها تظلّ استثناءات تؤكّد القاعدة، ولا تنفيها، إذ إن فرصة تمكّن كاتب شاب من نشر قصّة قصيرة لدى إحداها تكاد لا تزيد على الصّفر في المائة. وحتى الروائيين الذين بإمكانهم تقنياً المراوحة بين النّوعين من الكتابة النثرية الرّواية الطويلة والقصة القصيرة -وما بينهما- أصبح معظمهم يواجهون صعوبة جمّة في تحصيل عيش كريم في مجتمع مادي محض، تهيمن فيه ثقافة الترفيه المسطّح على وسائل الإعلام المرئية والتفاعلية، وغالباً ما ينتهون إلى وضع مواهبهم الأدبيّة جانباً لمصلحة كتابة المقالات والمراجعات للصحف والأسبوعيات. وهو ما دفع البروفسورة أيلسا كوكس، أستاذة القصة القصيرة والأدب الإنجليزي، في نصّها ضمن «تاريخ كامبريدج للقصة القصيرة الإنجليزيّة (2016)» لوصف الخيال الأدبي المعاصر الذي يأخذ شكل القصة القصيرة بأنه «الشّكل الأقل عائداً مادياً من كل الأنواع الأدبيّة».
ومع تلك الصورة القاتمة، فإن ثمّة أخباراً إيجابيّة عن فضاء مستحدث في الجامعات الغربيّة أصبح يشهد، وبشكل متزايد، إطلاق مواهب حقيقيّة تقدّم إبداعات غير مسبوقة في تدبيج النثر الأدبي الموجز، إذ إن معظم الجامعات الغربيّة هذه الأيّام تنظّم أشكالاً مختلفة من ورشات الكتابة الإبداعيّة (للكبار) التي ينتهي أغلب المشاركين فيها إلى تجربة كتابة قصّة قصيرة، بحكم الوقت المحدود لتلك الورشات. ومع أن كثيرين من هؤلاء يتجهون في النهاية إلى كتابة الروايات، بحكم كونها الشكل الوحيد للخيال الأدبي النثري الذي ما زال يحتفظ ببعض القيمة التجاريّة، فإن بعضهم -وهم سلالة نادرة رغم كل شيء- يقعون في غرام القصّة القصيرة، بصفتها نوعاً أدبياً متمايزاً عن بقيّة الفنون، ويقدّمون إبداعهم من خلالها على نحو يختلف بالكليّة عن أداء زملائهم الرّماديين المتراوحين بين الرواية والقصّة بحسب متطلبات السّوق. ومن هؤلاء أسماء لمعت بفضل عبقريّة قصصهم القصيرة حصراً، لعل أشهرها على الإطلاق الأميركيّة أليس مونرو (مواليد 1960) التي توجت بجائزة نوبل للآداب في عام 2013، بصفتها «سيدة القصة القصيرة المعاصرة». كما فازت الأميركيّة (من جذور بنغاليّة) جومبا لاهيري (مواليد 1967) بجائزة «بوليتزر» للعام 2000، عن مجموعة قصصها القصيرة الأولى «ترجمان الأوجاع»، وما زالت قصص ريموند كارفر (1938-1986) التي خطّها في عقد الثمانينيّات مقروءة على نطاق واسع في الجامعات الغربيّة، وقدّمت إلهاماً لكثير من الموهوبين باتخاذ القصّة القصيرة أداة للإبداع. كما أن قصص جورج ساندورز (مواليد 1958) ارتقت بشكل النّوع الأدبي بمجمله، واضعة تحدياً صعباً لما يمكن تحقيقه أدبياً من الخيال في خمس عشرة إلى عشرين صفحة من النثر.
ويبدو أنّه بطريقة ما، ولسخريّة القدر، فإن محدوديّة فرص النشر أمام كتاب القصة القصيرة تفرغ السّاحة وقائياً من الهواة المترددين وأصحاب أنصاف المواهب، وتفرض في الوقت ذاته على البقيّة تمتين احترافهم وصقل لغتهم وإطلاق العنان لخيالهم من أجل البقاء والنّجاح. ولذا، فإن أولئك الذين قبلوا التحدي أنتجوا خلال العقود الأخيرة بعضاً من أفضل الخيال الأدبي في كل العصور قصصاً قصيرة.
ولذا، ربّما نجد أن المسألة لا تتعلّق بعصر ذهبي للقصة القصيرة لناحيّة الانتشار الشعبي، وازدياد مبيعات مجموعاتها (مطبوعة أو إلكترونيّة)، أو تضاعف عوائد نشرها في الدّوريات، أو مناسبة حجمها لشاشة هواتفنا الذكيّة، بقدر ما هو إشكال حول كفاءة النثر الأدبي فيها وقدرتها -وإن في إطار جمهور ذواقة محدود عدداً- على إثراء تجربة القراء الوجوديّة، وفتح مزيد من النوافذ لهم -في إطار الحوار الحميم بين النصّ والمتلقي- لفهم إنسانيتهم وتحدي مسلماتهم، من خلال أدوات الإبداع والخيال الفنيّ، وإمتاعهم بخوض تجربة عيش المشهد الأدبي عبر تقنيّات وديناميّات تتكثف أمامهم فيما أقصاه لحظة تحليق لنصف ساعة.



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».