مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

ينطلق اليوم بدورة رابعة

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
TT

مهرجان الجونة يختار أفضل المتوفر عربياً وعالمياً

مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)
مشهد من فيلم «حاجز» لداليا نمليش (لبنان)

تنطلق مساء اليوم الدورة الرابعة من مهرجان الجونة السينمائي والفيلم المختار للمناسبة هو «الرجل الذي باع ظهره» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. وهو واحد من 64 فيلماً تم اختيارها داخل المسابقات أو خارجها وآتية من شتى أنحاء العالم.
القيمة الفعلية لهذه الدورة هي في أنه يُقام رغم تفشي «كورونا» حول العالم. تأثير ذلك الوباء على السينما كأفلام وكعروض وكمهرجانات، كبير والعديد من المهرجانات التي كان من المفترض بها أن تُقام خلال هذه السنة انكفأت بطريقتين: هي إما ألغت دوراتها أو لجأت إلى البث الافتراضي حتى لا تغيب عن البال والعين.
«الجونة» (ومهرجان القاهرة من بعد) اختار أن يُقام رغم المحاذير، لكن ليس بتجاهلها. يقول مديره العام انتشال التميمي لـ«الشرق الأوسط»: «راعينا إجراءات حاسمة ربما أكثر مما رأيناه في فينيسيا هذه السنة». من بينها، يقول: «تستطيع الدخول إلى المهرجان، لكنك لن تستطيع الخروج منه ثم العودة إليه. إذا خرجت فلن تستطع العودة».
- مفهوم خاص
الإجراءات الأخرى المتخذة هو ترك مسافة آمنة حين دخول الصالة ما بين كل شخصين والالتزام بمعايير المسافة ذاتها حين التجمّع للدخول، وبالتالي اعتماد مبدأ الحجز المسبق لهذه الغاية.
قد يجد الجمهور المصري نفسه إزاء معايير لم تكن واردة بالنسبة لمن حضر هذا المهرجان في دوراته الثلاث السابقة أو أي مهرجان آخر، لكن الدافع لقبول الواقع الجديد المفوض على من يقرر الحضور هو مهم بحد ذاته. هذه دورة أخرى يتم فيها تقديم عدد كبير من الأفلام المشتركة في أقسام المهرجان بغاية تكريس دور المهرجان بين المشاهدين كملتقى فني يُقام سنوياً في منطقة سياحية تطل على البحر الأحمر وتبدو كما لو أنها مجمعاً كبيراً لمن ينشد الراحة أو الاستجمام ولربما وجد أنه يود شراء واحد من «الفيلات» المتوفرة للبيع. بذلك يلعب المهرجان دوراً تعريفياً للمنطقة بمحالاتها وفنادقها وبيوتها وحدائقها وليس دوراً ترويجياً كون القادمين إلى المهرجان من خارج مصر هم سينمائيون لديهم هموم مختلفة.
حقيقة أن السفر من وإلى مصر هو، كالسفر من وإلى دول المنطقة من قبرص إلى لبنان والأردن وإسرائيل، يتطلب إصدار تصاريح طبية واحتمال القيام بفحوص طبية يجعل المراقب يتوقع أن يكون عدد المسافرين من خارج مصر أقل منه هذا العام مما كان عليه في الأعوام السابقة. إن لم يكن، فإن شغل المهرجان على نفسه في الأعوام الماضية مكّنه من تجاوز معضلات طارئة كهذه.
الوضع يفرض نفسه كذلك على صانعي الأفلام العرب.
رغم أن المهرجان لم يدّعِ سابقاً ولا الآن أنه بيت للسينما العربية، فإن السينما العربية تجد نفسها بلا بيت هذا العام كما وجدت نفسها في الأعوام السابقة.
مهرجان دبي السينمائي كان أفضل ما تحقق لها منذ عقود. استقبل أفلامها وصانعيها ومنحهم المناسبة المهمّة لكي يعرضوا ويلتقوا ويعودوا إلى المهرجان عاماً بعد عام. مهرجان أيام قرطاج السينمائية لعب دوراً مهماً بدوره، لكنه لن يرى النور هذه السنة إلا عبر عروض مستعادة. مهرجان مراكش غاب وعاد ثم يغيب مجدداً هذا العام، وهو حتى حين كان في ذروته لم يمنح السينما العربية (ولا حتى المغربية) أكثر من منصّة محدودة العدد.
والمهمّة في هذه الصدد آلت إلى مهرجان القاهرة الذي كان دوماً حريصاً على استقبال الأفلام العربية وزاد هذا الحرص بعد غياب مهرجان دبي.
المفهوم العام لمهرجان الجونة يختلف عن مفاهيم وهويّات المهرجانات الأخرى. بذلك هو أقرب إلى منظومة مهرجان أبوظبي السينمائي الذي نظر، خلال سنوات وجوده، إلى السينما ككل، ومال إلى اعتبار أن «العالمية» يجب أن ترتفع عن «العربية»، بمعنى أنه لم يطرح نفسه كمهرجان لعرض وتسويق السينما العربية بحد ذاتها، بل كل الأفلام من مصادرها المختلفة من بينها الأفلام العربية.
- حضور وغياب
إنه منوال صحيح لكن هذا لا جعل المنوال الآخر خطأ. وحتى ضمن هذا المنوال الذي يعمل عليه مهرجان الجونة اليوم تبقى هناك الحاجة للبحث عن أفلام عربية يمكن تقديمها في أطر المسابقات أو خارجها.
هذا العام لديه مجموعة مثيرة للاهتمام علماً بأن عدد المنتج من الأفلام في أكثر من عاصمة عربية شهد هبوطاً واضحاً عما كان عليه في السنوات السابقة. وإذا بحثنا عن الأفلام الصالحة للشاشات المهرجاناتية وجدناها أقل بكثير مما كانت عليه لحين قريب.
ربما وجود فيلمين قصيرين فقط من مصر، هو إعلان نموذجي لهذه الحالة. الفيلم الأول من 15 دقيقة بعنوان «ستاشر» لسامح علاء والثاني من 11 دقيقة بعنوان «الخد الآخر» لساندر كنعان.
لبنان حمل إلى الجونة ثلاثة أفلام واحد منها طويل (تقريباً، إذ لا تزيد مدّة عرضه عن 67 دقيقة) بعنوان «نفَس» لريمي عيتاني. الفيلمان الآخران قصيران: «حاجز» (Roadblock) لداليا نمليش والثاني «شكوى» لفرح شاعر.
تطرح تونس ثلاثة أفلام أيضاً، طويل واحد هو «الرجل الذي باع ظهره»، كما تقدّم، وقصيران «البانو» لأنيسة داود و«تسلل صريح» لسامي تليلي.
لا شيء قادماً من سينمات المنطقة الخليجية بأسرها، علماً بأن «الرجل الذي باع ظهره» جمع بعض التمويل السعودي المصدر، لكن إنتاجه الفعلي تونسي - فرنسي - سويدي مشترك.
فيلم مغربي واحد هو «ميكا» للمخرج المعروف إسماعيل فروخي يشترك في مسابقة الفيلم الطويل وفيلم جزائري واحد هو «جزائرهم» للينا سويلم (في مسابقة الأفلام الوثائقية) وكلاهما بمعونة مالية فرنسية.
ثم هناك فيلم فلسطيني - أردني واحد هو «200 متر» لأمين نايفه ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
في المقابل خمسة أفلام أميركية متوفرة أحدها لجيا كوبولا بعنوان Mainstream يعرض خارج المسابقة. كذلك حال فيلم فيغو مورتنسن «سقوط» (Falling) الذي جمع تمويله كذلك من بريطانيا والدنمارك. الثالث هو «صائدو الفطر» لغريغوري كرشو ومايكل دوَك يعرض داخل مسابقة الفيلم التسجيلي. إلى هذه المجموعة فيلمان يعرضان على جمهور باحث عن الخاص جداً، الأول إعادة عرض لفيلم تشارلي تشابلن «الصبي» (The Kid) وفيلم حديث بعنوان «هوبر- وَلز»، وهو تسجيلي يشمل مقابلة أجراها الراحل دنيس هوبر مع الراحل أورسن وَلز وتم جمعها مع إضافة وثائقيات لها.
جل الأفلام الباقية آتية من دول أوروبا المختلفة. سنجد فرنسا وبولاندا وألمانيا وإيطاليا جنباً إلى جنب أفلام من روسيا وصربيا وأوكرانيا وجورجيا.
هذا هو الشمل المتوقع في كل مهرجان لكن بعد ثلاث دورات سابقة فإن مسيرة مهرجان «الجونة» رغم كل جهوده لكي يتبوأ مركزاً صدارياً كأحد أهم المهرجانات السينمائية حول العالم ما زالت في مطلعها، وربما بقيت كذلك، طالما أن المنافسة الكبرى متوفرة عبر مهرجانات استولت على الاهتمام الأول لصانعي الأفلام وكوّنت لنفسها الهوية التاريخية والفنية التي بات من المعتاد للمخرجين والمنتجين تداولها. لا نتحدّث عن الثلاثة الذهبية «كان» و«برلين» و«فينيسيا» بل كذلك عن لوكارنو وصندانس وتورونتو وكارلوفي فاري وحفنة أخرى من المهرجانات المنتشرة حولنا.
واقعياً، وصل المهرجان المطل على البحر الأحمر للنجاح المأمول والمعقود له حالياً منذ دورته الأولى التي أقيمت سنة 2017. ثبّت دعائمه بفضل إدارة انتشال التميمي له وخبرته. ثم تقدّم انطلاقاً منذ ذلك الحين ليصبح الوليد الجديد للمهرجانات العربية - العالمية المحتفى به.
اليوم هو على سدّة نجاح كان حققه سريعاً خلال العامين السابقين وكل التأييد لمثابرته ضمن هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم بسبب «كوفيد - 19». لكن الطريق من هنا لن تكون أسهل من طريق البدايات.
في هذا الإطار هو كما في حالات مهرجانات كثيرة حول العالم: تنجح في التأسيس ثم في الاستمرار وبعد ذلك تجد نفسها في موضع لا يتغير من عام لعام. شيء ما (وهذا الناقد لم يحضر بعد أي من دوراته) تشعر به مفقوداً هنا: ربما المكان النائي، ربما نوعية الجمهور البعيد عن العاصمة، وربما الحاجة إلى ابتداع قسم جديد يفرض نفسه أكثر مما فعلت الأقسام والبرامج الرسمية الأخرى.
لكن مما لا شك فيه هو أن الخطوات الصعبة المتداولة كل سنة أثمرت حتى الآن على مهرجان فعلي يتوق عديدون التوجه إليه حباً بالأفلام والشمس والإطلال على البحر الأحمر.
- جوائز الدورات السابقة
> الدورة الأولى (2017): خلت من الجوائز.
> الدورة الثانية (2018):
الروائي الطويل: «أكواريلا» لفكتور كوساكوفسكي (بريطانيا - ألمانيا)
التسجيلي الطويل: «أرض مُتَخيّلة» لهو سيو هاو (سنغافورا، الهند).
أفضل فيلم عربي تسجيلي: «عن الآباء والأبناء» لطلال دركي (ألمانيا)
جائزة الفيلم الإنساني: «يوم الدين» لأبو بكر شوقي (مصر).
> الدورة الثالثة (2019):
الروائي الطويل: «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلا (السودان).
التسجيلي الطويل: «التحدث عن الأشجار» لصهيب قسم الباري (السودان، فرنسا).
أفضل أفلام عربية:
روائي: «بابيشا» لمنيا مدّور (الجزائر)
تسجيلي: «إبراهيم، إلى أجل غير مُسمّى» للينا العبد (لبنان).
- جوائز برونزية:
«آدم» لمريم توزاني (المغرب)، «كابول، مدينة الرياح» لأبوزار أميني (أفغانستان).


مقالات ذات صلة

«الجونة السينمائي» يفتتح دورته التاسعة بـ«كل شيء عن كورين»

يوميات الشرق اختارت إدارة المهرجان الفيلم الفرنسي ليكون فيلم افتتاح المهرجان (الجونة السينمائي)

«الجونة السينمائي» يفتتح دورته التاسعة بـ«كل شيء عن كورين»

اختار مهرجان «الجونة السينمائي»، الذي ينطلق في مصر الخميس المقبل، الفيلم الفرنسي «كل شيء عن كورين» ليكون فيلم الافتتاح.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.